بين الريع والعدالة الاجتماعية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ياسر ابن الطيبي

 

 

مع اعطاء التعليمات الملكية السامية لانطلاق ورش التغطية الصحية التي ستشمل 22 مليون مغربي كثيرون يتساءلون: كيف سيتم تمويل هذا الورش الكبير والمهم ؟وإذا كان المغرب يتوفر على هذه الموارد فلماذا تأخر في تنفيذ هذا الورش إلى اليوم؟

الجواب على هذا السؤال لا يخفى على النخب السياسية ولا على المتتبعين للشأن السياسي ، لكنه لا يخدم بضرورة مصالحهم ولا يندرج في توجهاتهم التي تخضع في الغالب لحسابات سياسية ضيقة.

الواقع أن هذا الورش الذي ستساهم فيه الدولة ب28 مليار درهم لم يكن ممكنا الشروع فيه قبل بضع سنوات، وحتى نكون دقيقين لم يكن ممكنا قبل إصلاح صندوق المقاصة الذي باشره عبد الاله بنكيران .
فاصلاح جزء من صندوق المقاصة اعطى مساحات مالية شاسعة للدولة بما يقارب 33 مليار درهم واخرجها من الاختناق الذي كانت تعيشه.

ويالرغم من أن إصلاح المقاصة حضي بتنويه مؤسسات وطنية في شخص والي بنك المغرب ورئيس المجلس الأعلى للحسابات اللذان أكدا على ضرورة استكمال هذا الاصلاح إلى النهاية وحضي بتنويه خارجي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلا أن هذا لم يشفع له في شيء بل تجندت له جهات كثيرة لتزييف وعي المواطنين، تارة بالادعاء أنه سيضيق على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى! وتارة بالقول بأنه سيقضي على الطبقة الفقيرة بشكل نهائي!!

لكن الحقيقة أنها أدركت أن قرار بنكيران يشكل خطرا على مصالحها الريعية من جهة وعلى المكانة السياسة التي سيحظى بها هذا الاخير بعد ذلك من جهة أخرى..
حيث ذهب احد اشباه الزعماء السياسين بالقول في احد اللقاءات “الا دوزتو لو هاد الاصلاح راه عمرو ميحيد لنا من هنا” و هو الذي جعل اخنوش يشترط على بنكيران ان يتخلى عن فكرة الدعم المباشر للفئات الهشة كشرط لتشكيل الحكومة.

هذا الاصلاح لوحده فتح الباب امام دعم الارامل الذي حظي بدعم ملكي والذي تستفيد منه اليوم اكثر من مئة الف ارملة بغلاف مالي يقارب مليار درهم وبرنامج تيسيير الذي يكلف 2 مليار درهم وهو الذي جعل التغطية الصحية لجميع المغاربة اليوم ممكنا.

طبعا مع البلوكاج الحكومي وإعفاء عبد الاله بنكيران لم يكتمل ورش إصلاح الصندوق كاملا وكان من الممكن توجيه الموارد التي تم توفيرها في أي شكل آخر من اشكال الريع، لكن جلالة الملك انتبه الى أهمية هذا الاصلاح وعمقه والى الافاق التي فتحها وحرص شخصيا ان يحافظ على الروح التي جاء بها وقطع الطريق على إمكانية التلاعب بموارده وذلك بإخراج ورش التغطية الصحية الشاملة.

اليوم لا زال هذا الصندوق الذي صمم للفقراء واستفاد منه الاغنياء لعقود يستنزف ما يقارب 17 مليار درهم في دعم الغاز وما تبقى من مواد اساسية وهو مبلغ كفيل لوحده لكفالة كل ايتام المملكة وتخصيص دعم مباشر للمعاقين والمكفوفين واصحاب الامراض المعوزة بشكل يضمن لهم العيش بكرامة وامان .وكان منتظرا من هذه الحكومة التي يراد لها ان تحمل اسم حكومة اجتماعية بامتياز والتي أكدت انها ستواصل الاوراش الإصلاحية التي بدأتها الحكومة السابقة أن تكمل إصلاح المقاصة لكنها افتقرت للشجاعة اللازمة لمباشرة ذلك.

صندوق المقاصة ما هو الى نقطة في بحر الريع الذي ينهش خيرات هذا الوطن وينبغي استخلاص دروس مهمة منه .

اولا: أن القضاء على الريع بكل أشكاله شيء ممكن مهما كان حجمه ومهما كانت الجهات التي تستفيد منه.

ثانيا: أن طريق العدالة الاجتماعية هو هذا النوع من الاصلاحات التي تتطلب مصداقية لدى الشعب وشجاعة لمواجهة المستفيدين من كل اشكال الريع.

ثالثا: ان جلالة الملك يدعم ويتبني المبادرات التي من شأنها ان تساهم في الاصلاح وتحسين اوضاع المواطنين.

رابعا: وهي النقطة الاهم، مهما تحاملت عليك كل الجهات بكل اشكال المعارضة والتدليس والتضييق والتشهير فإن التوفيق لا يكون إلا من عند الله.

“والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...