*محمد فرحات
خطاب جلالة الملك بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب لهذه السنة لم يخرج عن الخط السياسي الذي كان دوما يطبعه. و سأقتصر هنا على الشق المخصص للعمل الديبلوماسي و نظرة جلالته الخاصة لهذا الميدان.
منذ 2002، خصص جلالة الملك حيزا مهما من خطاب 20 غشت ليظهر اهتمامه بالعمل الديبلوماسي و تحديد معالمه و مجاله في إطار نظرته السامية للسياسة الخارجية لبلادنا وما يجب أن تكون عليه مواصفات العون الديبلوماسي و وازعه وأهدافه وأولوياته و ادواته.
ولم يفتأ جلالته يجعل من القضايا الدولية أحد اهتماماته الكبرى متفاعلًا فكريًا و ماديًا و حتى من خلال مشاركاته المتعددة شخصيًا في الفعل الديبلوماسي معطيا اياه الشحنة و المعنى اللازمين لبلوغ الاهداف المسطرة. فكان بذلك المرجع الواضح و الغني للجهاز الديبلوماسي المغربي و حتى الأجنبي بشهادة من شاركونا هاته الملاحم في جميع قارات المعمور. و من كان له الشرف و الحظوة لان يكون ضمن الزمرة التي قادها جلالة الملك في فتوحاته تعلم و استنار وكانت له مصدر فخر واعتزاز قلَّ من حظي بها.
و هدا ما يجعلني في تحليلي لا أقاوم دافع المقارنة بين تلك الحقبة الزاهرة و ما يطبع أعمال بعضهم الآن من ارتجالات و قفشات لم و لن ترقى إلى ما شاهدته بأم عيني و الائمة في كم بلد افريقي يختمون فرض صلاة الجمعة بدعاء الختم من مولانا أمير المؤمنين أو عندما اعلن مسلموا الهند السلم مع حكامهم فقط لأن أمير المؤمنين شرفهم بزيارته الكريمة سنة 2015 بمناسبة المؤتمر الثالث للتعاون الهندي الإفريقي وكيف أن الوزير الأول الهندي ناريندرا مودي توجه بصرامة إلى رئيس وفد الإتحاد الأفريقي الزيمبابوي موغابي مهددًا إياه أن المؤتمر سيعقد بحضور ملك المغرب أو لن ينعقد. و من طريف ما حضرته ايضا هتاف المستقبلين لجلالته في مطار أديس أبابا “عاش الملك” بلكنة امهارية جميلة.
انها اشارات فقط كغيث من سيل لأحداث عديدة لازالت تشهد على الحضور القوي لجلالة الملك سواء في قلب هاته الأحداث ومجرياتها و تبعاتها. و هو درس آمل أن ينهل من معينه الفعل الديبلوماسي الحق.
و بالرجوع لخطاب 20 غشت 2021، فقد نأى جلالة الملك بالمغرب عن تيار تجاذبات الأزمة الداخلية الجزائرية لعدم ذكر اسم هذا البلد و حدد بالمقابل إطار اتحاد المغرب العربي للتعامل مع المعطى السياسي المغاربي المتسم بالمخاض الذي لم تهدأ بعد تجلياته من ليبيا حتى موريتانيا مبرزًا في ذات الوقت أن هدف مناهضي البناء المغاربي سائرون لا محالة في نهجهم التخريبي لمحاولات البناء و الاندماج الجهوي المغاربي. و لا داعي للبحث عنهم بعيدا فهم متناثرين في حوض البحر الأبيض المتوسط و دوافعهم هي نفسها التي أفرزت تدخلاتها المتتالية في شؤون دولنا و شعوبنا بدءًا بمراكز الامتيازات التجارية الاستعمارية (concessions de commerce) و انتهاءا بحملات الاستعمار وما صاحبه من سياسات الاستنزاف الاقتصادي والبشري. وهي نفسها الدول التي كانت رائدة نشر النظام الاستعماري و إشعال نار الحروب الكبرى التي ميزت القرن العشرين وإذكاء الصراعات و التمييز العرقي والعنصري. و حسبها أنها مازالت في أوج قوتها بعد أن تحولت مراكز البحث العلمي وخلق ظروف المعرفة والابتكار شرقا في البلدان الآسيوية حيث تفتقت طاقات الإنتاج الاقتصادي و تضاعفت قدرات المبادلات التجارية ومن ثمة شروط النمو المادي والغنى الثقافي.
ان ما يشفع لقوى القارة العجوز هو كمية الأرصدة المودعة في خزائنها كغنائم حرب قيدت بها النخب السياسية في مستعمراتها القديمة و التي مازلت تدين لها بالولاء و التبعية. وقد انبنى هذا الوضع على أسس معاهدات ومواثيق استقلال هذه الدول خاصة الإفريقية منها وهي الآليات القانونية التي أتت كامتداد لسلسلة عهود و مواثيق دشن تأسيسها مؤتمر برلين سنة 1880 و ختمتها سياسيا مظلة معاهدة يالطا سنة 1945 و معاهدات بريتون وودز المؤسسة للنظام المالي العالمي.
الا ان البناء اهترأ بفعل أحداث دولية خارج البرمجة كان ختامها العولمة كإفراز طبيعي لنظام رأسمالي غير متكافئ و عديم الانسانية.
و ما ثروات الربيع العربي إلا تعبير عن تغييرات جذرية لم تكن في حسبان اجهزة الاستعلامات الأوربية أو ضمن تنظيرات معاهد شحذ الأفكار ولا المنظمات الهجينة المستغلة لحرية التعبير وحقوق الإنسان كمطية تعتليها حين يتم تكليفها بتسويق ما بخس و تعفن من منتجات فكر سياسي ذابل و منخور الجدع و الغصن.
و قد كانت اشارة جلالة الملك إلى مؤسسات بعض الدول الأوروبية في محلها لأننا نلاحظ كيف زاغ قطارها على سكة الصواب و وضعه المتجاوز حتى بالنسبة لأوضاع داخلية لهذه البلدان أصبحت خارج إطار التسيير و الحوكمة الرشيدة. فهي بالاضافة الى قصر نظرها بالنسبة لواقع التغيير و التطور و الأمن والسلام الاجتماعي الذي نعيشه كمغاربة فقد نسيت أو تناست كون المغرب حضارة ألفية ودولة يضيء إشعاعها منذ قرون.
كما يمكن اعتبار تأكيد جلالته على المكون الأمازيغي للشعب المغربي أمرًا ساميًا و توجيها من جلالته للقيمين على العمل في الحقل الديبلوماسي المغربي لإعادة صياغة عملهم آخذين بعين الاعتبار القواعد المرجعية الأساسية لبلادنا و الكف عن مجاراة مظاهر السجال و التصعيد و التوترات وحدس الكلام على عواهنه لأن العمل الديبلوماسي رزنامة مشَكَّلة من تاني و ثبات بعيدا عن طيش الشباب و نزوات الأنا المفرطة.
وفي هذا السياق فقد أشار صاحب الجلالة إلى أنه كان يتابع سير الحوار و تطور المفاوضات مع الجانب الإسباني ومعنى هذا أن طاقم المفوضين الذي كان يدير المباحثات من الجانب المغربي كان يجب أن تتوفر فيه بعض المواصفات و منها الاهم وهو ان لا يكون المفاوض طرفا في الأزمة بأي شكل كان أو شارك من قريب أو بعيد في التشنجات التي ولدت الأزمة.
و كما جاء على لسان صحفية بجريدة اليكترونية مغربية هذا الصباح و كنت قد أثرت الموضوع في احدى النشرات السابقة، فإنه بقدر ما كان خطاب جلالة الملك واضحا في حمولته، عميقا في مضمونه و واقعيا في استشراف مستقبل المغرب في محيطه الجغرافي بقدر ما يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن مواجهة وتدبير الحقبة القادمة من العلاقات مع دول الجوار بنفس العناصر القيادية. وهذا من طبيعة الاشخاص و الاحوال لأنهم جبلوا على الاشتغال بنوع من النمطية و العقلية و المنهجية. وقد آن الأوان الى العود الى حيث مربط الفرس و أخذ الأمور من ناصيتها و التوكل على الله فيما يخدم مصالح أمتنا المغربية تحت شعار “الله الوطن الملك”.
*سفير سابق





