منتديات شعبيّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

مصعب البدور

 

 

لاتقتصر مظاهر الحياة الشعبية على الزي التراثي، ولا على بعض الأطعمة التقليدية، ولا تقف عند العادات في مراسيم الزواج والعزاء، لكنّ للحياة الشعبية مظاهر ممتدة في وطننا العربي الحبيب، وهي مظاهر متشابهة كثيرا، بل تتطابق الأحداث في كثير من الأحيان مع اختلاف أشخاصها ومكانها
ومن هذه المظاهر المنتديات الشعبية.

والمنتديات الشعبية، ليست منتديات نخبوية وإن كانت تُعْمر بنفس الموضوعات ونفس الطرق أحيانا، وليست منتديات ذات أبعاد آيدلوجية وإن كانت الآيدلوجيا حاضرة فيها حضورها ذاته بين نخب السياسة وفي صالونات الساسة والحزبيين.
ومن غير المنكور أن هذه المنتديات لا يوجد فيها محضور، فهي تتناول كل شيء من علوم الكون والطب ومن تشريعات قانونية وشرائع إلهية، وسياسة واقتصاد وحروب وتاريخ.

كما تتصف هذه المنتديات عبر الوطن العربي الكبير بوجود شخصية العالم المجدد فيها في كل المجالات، فلو حضرت أي منتدى_ وغالبا ما نحضر ونشارك قسرا في هذه المنتديات _ فإنك ستجد شخصية أبي العرّيف الذي لديه كثير من الخبايا والمعارف الذين يشاركونه تجاربهم وينقلون له الأخبار من الأروقة المغلقة و يطلعونه على القضايا الساخنة.وإن أردت أن تمتحن صدق هذه النظرية فما عليك إلّا أن تخترع شيئا من مخيلتك وتطرحه في أحد هذه المنتديات، وسترى أن هذه الشخصية ستبرز فورا وسيكون لديها أخبارا مؤكدة عن الموضوع.

أما ما يلفت الإنتباه حقا فهو كثرة المفتين، ففي كل منتدى شعبي يوجد شخص يتولى مهمة الإفتاء والكل يهز له رأسه، يوافقه رغم أنه لم يصل تعليمه إلا إلى الصف السادس، طبعا المنطلق نحن مسلمون ونعرف في ديننا، ولقد سمعت من العلماء .
إن أهم ما يميز هذه المنتديات، تعدد الأشكال فمنها منتديات يعمرها الكبار من المتقاعدين ومرضى الهَرَم ولهذه الفئة أحاديثها الخاصة من مقارنات بين سياسات الحكم في زمن شبابهم وبين حاضرهم، وانحدار الجيل وانعدام الهوية، وضعف الأجيال وقلة خبرتهم ومعارفهم، وتراجع مكانة المعلم وراعي الشماغ الأحمر – العسكري – الاجتماعية.

أما الشريحة الأخرى فلديها مواضيع أكثر أهمية وأكثر تواجد في الحياة اليومية فعلى صعيد أزمة الجائحة فالكل له رأي ويتبنى نظرية معينة وكل واحد منهم يتابع طبيبا في مواقع التواصل يشرح له ويبين له، وكل مشارك في المنتدى يعلق على المخاطر الاقتصادية وآثارها، وكل واحد له نظرته الخاصة وهنا تتجسد المنتديات في أعلى مظاهرها مناظرات وحوارات واختلافات وتراشقات.
ومن هذه المنتديات منتديات تجمع صغار السن ولهم أيضا خصوصية في طروحاتهم، فالنقاشات تنحى منحى التصنيف، مرة لاعبي كرة القدم وأفضلية أحدهم عن الآخر، ومرة تفضيل لعبة على أخرى، وأحاديث عن بطولات الأحداث اليومية المتكررة.

ومن مميزات هذه المنتديات أنها لا تحتاج إلى تراخيص وأذونات، ولا تحتاج إلى تجهيز وإعدادات ومعدات، وكذلك لا توجد فيها طبيعة المؤتمرات من تجهيز ورقة خاصة ومشاركة الأسئلة والردود عليها، فهي مجرد تجربة وخبرات مرّ بها المشترك أو معرفة ادّخرها سنين طويلة وأظهرها فور مشاركته بالمنتدى الشعبي, ومن المميزات المهمة أيضا أنك لا تحتاج إلى البحث عنها ولا دعوة خاصة للإنضمام إليها، فقط عليك الانضمام إلى أقرب تجمع تراه أو الانتظار لبداية سهرة العائلة أو الأصدقاء، كما لا تحتاج هذه المنتديات إلى تغطية إعلامية فهي مشهودة معروفة في كل رواق.

المشهد بحد ذاته ملمح حضاري مهم، وله سهم في نشر الثقافة والمعرفة، وتبادل الآراء، لكن ما يشوب هذا المشهد من طبيعة التفكير والمعرفة المدّعاة، والاعتماد على خلق الأخبار ونسج القصص الخيالية الداعمة للآراء تمثل الإشكال القائم لأنك ستجد في هذه المنتديات الأعضاء يتكلمون عن التعليم واحترافيته وليس فيهم معلم، وستجد منتدى لنخبة من الأطباء يناقشون به الطرق والجسور، ومنتدى للسائقين يتبادلون فيه العلاقات الدولية وشؤون الحكم، لذلك قد تتحول هذه المنتديات الشعبية إلى آفة شعوبية تقرض الوطن العربي الكبير .

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...