ذ.أحمد براو
وكأن العالم عالمين واحد يئن حزنا وشفقة ورحمة مما آلت إليه في الآونة الأخيرة مصائر قوم من بلاد الأفغان ذكرهم وأنثاهم، رضّعهم وشيوخهم، يدعون بالويل والثبور ورائحة الموت وحفر القبور، والآخر في شام الخراب والدمار وما بقي في درعا من العمران، تحت صرخات اليتامى ونحيب الثكالى، ولا لدعواهم من مجيب، وكأن العالم أصم أبكم أعمى، لا يلقي لهم بال، فهل هؤلاء من البشر يلقون من الحنين والزفرات، والآخر لا أبا له ولا ندري هل هم صنف مخلوقات أم من أقذر الحشرات.
فيا حسرتاه لما يُعد الفقيد من بني الأصفر بالإسم واللقب وتسرد له ولحياته حكايات، تندى لها جبين العالمين وترافقها رنين النبرات، على أخبار ومنصات، وما يرد في إفتراضية المواقع من تجمعات، تجهش بالأنين، وتعبأ لها وسائل البروباغاندا الإعلامية في كل وقت وحين، ويكأن فرار المحتل، وجره لخيبة الهزائم والفشل، لا يليق ببلاد العم سام وما دار في فلكه من أهل الخداع والدجل، ولسان حالهم يقول إما نقتلكم ونُبيدكم، ونحتل بلادكم ونُيَتّم أبنائكم، ونحرق جبالكم ونستنزف خيراتكم، وإما تعيشون في ظلام السنين، وويل حكم طلبة القرآن والسنة وأحكام الدين، فيبتروا أطرافكم ويقطعوا أنسابكم ويئدوا أبناءكم ويرجموا فتياتكم.
هكذا صارت الحكاية وبدأت تأخذ مأخذها وكأنها بداهة، منذ فرار المعتدين من الناتو ومن سار على نهجهم واحتكم لأمرهم، وذل لهم الرقاب، وياليتهم كالوا بما كالوا به حتى في شام الأحرار وفي درعا الأبطال فهناك لا خبر عما يجري تحت نير العدوان وطلقات الرصاص و النيران، وحرق الدور والبنيان وتهجير الأهل والإنسان، ودمار البلد والأوطان، ما للمسلمين هناك من معين ولا صديق حميم، كأنما الآذان أُتخِمت من سماع فواجع السوريين، فأصبحت لا ترى لا تسمع، صراخا ولا نحيبا لنساء فُجّع، وأطفال رضع، وشيوخ ركع، وأصبحنا لا نشعر بما يشعر به أهل المناطق المحررة، والأحياء المدمرة والتي عزمت القوات الروسية الغاشمة المعتدية على تركيع أهلها الشجعان، أو لفظهم في أحضان تركيا والأردن.
فهل أنا مخطئ أو لا أدري ما يقع، أم أنني الأوحد الذي يرى أن هناك تناقضات لا معنى لها تترك المرء حيران، مما يرى ويسمع، وأن من يخاطبه لا يكاد بل لا يطيق من يحكي له حكايات، ويسرد له أحداث، تنفر منها نفسه لمجرد أنه لا يقبل بها كل مرة، ولو انها حقيقة مرة، فلا تجاوب ولا تفاعل، وياليت الأحاسيس معطلة، والمشاعر مكبلة، ولكنها تعمل في ما يروق لها من الشهوات، وما تلذ له من سماع ما تريد سماعه من القصاصات. وحتى الماكينات الإعلامية تفطنت للأمر واستغلت ما يردها من دراسات البيانات، لتكتب وتسرد، وتحكي وتجرد، كل ما يحب المرء سماعه، وما ينتشي به من طقطقة لسانه، فتلقى بذلك لسوقها رواجا، ولأخبارها تداولا ومشاركة وإنتاجا.
فعلا أحداث جسام مرت وتمر على أهل التوحيد في كل بقاع العالم، أقليات تباد ويفعل بها الأفاعيل، ولا حياة لمن تنادي، إخوان وأخوات لنا في الدين يعانون من القمع والقهر والظلم وضربت عليهم المسكنة، يهانون في أعراضهم وأموالهم ومعتقداتهم، في أطراف الصين من بلاد الإيغور وفي بورما يذبحون بالسكاكين، وفي بلاد الهند وآسام وفي جمهوريات إفريقية تخد لهم الأخاديد، ويلقون في نيرانها الملتهبة، وفي فلسطين الجريحة واليمن الأسيف، وفي كل حدب وصوب كم من الأسرى في غياهب السجون وكم من طريد وشريد، وكم من آلام وآهات وأنين المعذبين. فحسبنا الله ونعم الوكيل، نرجو من الله إلاهنا العلي القدير، أن يحقن دماء المسلمين وغير المسلمين وأن يرفع الحيف السافر، والتعدي القاهر، وينجينا من كل شر باطن وظاهر، ويحل محلها الرحمة والمحبة في السرائر، والألفة وإنسانية المشاعر، بين عربهم وعجمهم، ذكرهم وأنثاهم، كبيرهم وصغيرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، مؤمنهم وجاحدهم، عسى الله أن يجعل بينهم مودة ورحمة وتعم السعادة والأمل بين جميع بني البشر.





