تبلغ ميزانية وزارة الحرب الأمريكية تريليون دولار سنويا، وتوشك ذخيرتها على النفاد. فكيف بنى “المجمع الصناعي العسكري” آلة حرب لتحقيق الربح لا النصر؟!
تنفق الولايات المتحدة على جيشها أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية لها مجتمعة، وتعجز حاليا عن تعويض ذخائر استهلكتها في ستة أسابيع فقط، وتضطر لاستنزاف درعها الدفاعي فوق كوريا الجنوبية لسد الفجوة.
وكانت وكالة “رويترز” قد نشرت مؤخرا أن الولايات المتحدة أبلغت دولا حليفة بعجزها عن تسليم ذخائر متعاقد عليها في موعدها؛ بسبب استهلاك الحرب مخزونات كبيرة لتصبح الأولوية لتعويض المستهلكات.
وفي تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن، استهلك الجيش الأمريكي نحو نصف مخزونه من صواريخ باتريوت، وأكثر من نصف مخزون منظومة صواريخ ثاد (THAAD)، وأكثر من 45% من صواريخ الضربات الدقيقة في الحملة الجوية والصاروخية الأخيرة.
ستستغرق استعادة مخزونات الصواريخ، بما فيها توماهوك والجوالة الموجهة، لمستوياتها قبل الحرب، بين سنة وأربع سنوات. وهي ذخائر بالغة الأهمية حال نشوب أي صراع محتمل بغرب المحيط الهادئ.
وفي 31 مارس/آذار الماضي، أفاد موقع “ريسبونسبل ستيتكرافت” بأن شركات الصناعة العسكرية المتعاقدة مع وزارة الحرب ستسلم طائرات “إف-35” الجديدة بدون رادارات وغير صالحة للقتال.
وبينما يحتاج الجيش معدات ناجزه لحربه على إيران، ويفترض حصوله على احتياجاته لتحقيق “النصر”، يبدو الواقع مختلفا، فقد أفاد موقع “بريكينغ ديفنس” بأن استلام طائرات “إف-35” بدون رادارات سيبدأ أواخر 2026.
تفاقم مشكلة الجاهزية
تكمن المشكلة في تأخر شركة نورثروب غرومان في إنتاج رادارات متطورة لطائرات “إف-35” كجزء من تحديث البرنامج. ويفترض أن تساعد هذه الرادارات الطائرة المقاتلة على رصد وتتبع واستهداف التهديدات المعادية.
طائرات “إف-35” الجديدة هذه لم تصمم لاستيعاب الرادارات الحالية، لذا لا يزال بإمكانها التحليق، لكن يقتصر استخدامها على التدريب فقط ما لم يتم تحديثها بالرادارات الجديدة، ما يعني استبعادها من ساحات القتال.
وأكد النائب روب ويتمان لموقع “بريكينغ ديفنس”: “حاليا، سيتم إنتاج طائرات “إف-35” مزودة بكتل معدنية للتوازن [بدل الرادارات الجديدة]،.. ولن تكون جاهزة للقتال قريبا”، وستتفاقم مشكلة الجاهزية التي يسببها هذا التأخير. ويرجح خبراء عدم توفر الرادارات الجديدة قريبا، وقد يكون تحديث رادارات الطائرات مكلفا وطويلا ويتجاوز عام 2027.
يهدد الفشل الحالي لنظام الرادار بفقدان معدات عسكرية حيوية في خضم حرب أمريكا على إيران، وإلحاق أضرار بالغة ومدمرة بأصول عسكرية أساسية، منها طائرة “إف-35″، خلال المواجهات. يرى خبراء أن تسليم طائرات “إف-35” بدون رادار دليل آخر على فشل برنامجها.
رغم ذلك، جنت الشركات مئات الملايين من الدولارات كحوافز يفترض أن تشجعها على تسليم أنظمة الأسلحة في موعدها طوال سنوات برنامج “إف-35″، الذي سيكلف نحو تريليوني دولار.
لا يعتبر الكاتب والضابط السابق بحرب فيتنام، ديك داوديل، هذا فشلا لعمليات الشراء والتعاقد، بل هو النظام الذي يعمل كما صمم تماما. وقد شرح الرئيس دوايت أيزنهاور للشعب الأمريكي آلية عمل هذا النظام في خطاب وداعي قبل مغادرته منصبه. لكن هناك من يرفض الإصغاء.
ما أدركه أيزنهاور ويُنسى باستمرار
أوصل هذا النظام الجيش الأمريكي لموقف إستراتيجي هش فعلا، ليس بفعل العدو، بل عبر منطق دوافعه المتراكمة، وحرب اختيارية شنت في تحد صارخ للقانون ونصائح الحلفاء، وتفكيك هيئة كبار الضباط المحترفين، مما سيُبقي أثره أطول من أي عطب آخر لحق بالجيش مؤخرا.
في 17 يناير/كانون الثاني 1961، بنهاية رئاسته الثانية، ألقى دوايت أيزنهاور- جنرال الـ5 نجوم، القائد الأعلى لقوات الحلفاء، ومخطط غزو نورماندي- خطابه الوداعي محذرا من مؤسسة أمضى فيها جل حياته: “في دوائر الحكم، يجب الحذر من اكتساب المجمع الصناعي العسكري نفوذا غير مبرر، بسعي منه أو بدونه”.
لم يكن يصف مؤامرة. كان يصف نظاما، يعزز نفسه ذاتيا، ويستحيل كبحه سياسيا، ودوافعه الداخلية لا تتوافق بالضرورة مع المصلحة القومية. وبعد 64 عاما، وصلت الفاتورة.
يستدعى تحذير أيزنهاور روتينيا، ويساء فهمه روتينيا تقريبا. لم يتنبأ بلجوء تلك الشركات للرشوة وصولا لنتائج سيئة، مع أن ذلك يحدث، بل كان يشير لأمر أكثر هيكلية وديمومة: أن صناعة دفاعية دائمة وضخمة، متداخلة في اقتصاد دوائر انتخابات الكونغرس بكل ولاية تقريبا، تنشئ ضغوطا مؤسسية تعمل خارج المنطق العسكري.
لا يهتم هذا المجمع باحتياجات البلاد، بل بما يمكنه بيعه، ثم يشكل البيئة، عبر الضغط السياسي والعلاقات المتبادلة بين البنتاغون والصناعة واستمالة أعضاء الكونغرس؛ لضمان بيع ما يمكنه بيعه.
والنتيجة المشهودة عقودا: ثقافة شراء تفضل دائما منتجات باهظة ومعقدة، بهامش ربح عال على منتجات مفيدة ومستدامة ورخيصة. وتعد مقاتلات “إف-35” الهجومية مثالا صارخا لذلك.
فبتكلفة تقارب 103 ملايين دولار للطائرة الواحدة- 82.5 مليون دولار للهيكل، بجانب 20.4 مليون دولار للمحرك تم التعاقد عليه منفصلا- استهلك برنامج “إف-35” نحو 428 مليار دولار في تكاليف الاستحواذ وحدها، أي بزيادة قدرها 84% عن التقديرات الأصلية، لتتجاوز تكاليفه دورة حياته الإجمالية تريليوني دولار حتى عام 2088.
عام 2024، أفاد مكتب محاسبة الحكومة بتأخر تسليم الطائرات بمتوسط 238 يوما، ومع ذلك، حصلت شركة لوكهيد مارتن على مئات الملايين كحوافز. ولم يحقق أي طراز منها أهدافه المتعلقة بمتوسط جاهزية لخمس سنوات متتالية.
دروس حرب فيتنام
يقول داوديل، وصلت إلى فيتنام ضابطا بالجيش الأمريكي، وخدمت مستشارا لقيادة المساعدة العسكرية الأمريكية في دلتا نهر ميكونغ. عدت للوطن بفهم عميق لحدود التفوق التقني، ولا يمكن لأي إيجاز مضاهاته.
كانت القوة النارية الأمريكية بفيتنام هائلة بكل المقاييس. أسقطت على فيتنام ذخائر تفوق ذخائر الحرب العالمية الثانية بأكملها، وبقدرة على تدمير أي شيء تقريبا. المعضلة أن التدمير والحسم ليسا شيئا واحدا.
فالخصم الذي يقاتل على أرضه، لأجل وجوده، ويدرك أن البقاء بذاته انتصار، لا يحتاج لمجاراة تقنية عدوه. بل يحتاج للتفوق في تحمل التضحيات.
أكدت حربا العراق وأفغانستان هذا الدرس بالتفصيل. فالجيش المهيأ للمواجهات التقليدية الحاسمة- بمدرعات كثيفة، وتفوق جوي، وإمدادات لوجيستية تتقدم خطيا- يحدث دمارا هائلا ضد خصوم غير نظاميين، لكن لا يحسم النتيجة. فالخصم يتكيف ويتفرق وينتظر. وبالنهاية، يعود صاحب حاملات الطائرات لدياره.
يرى داوديل أن حرب إيران هي الفصل الراهن، وضرورة توضيح ما حدث بدقة: شنت الحرب بلا تفويض من الكونغرس أو دعم الحلفاء، وعلى أسس وصفها مدير وكالة الاستخبارات المركزية بـ”المهزلة”.
هدد ترمب بمحو الحضارة الإيرانية، وأعلن هيغسيث صراحة سياسة “لا هوادة لا رحمة”، وهي عبارة ذات مغزى قانوني محدد بموجب قوانين النزاعات المسلحة التي ساهمت أمريكا بصياغتها في جنيف. لم يبد أن أيا منهما لاحظ أو اهتم، بأنهما يلزمان البلاد علنا بسلوك يصنف جريمة حرب بموجب معاهدات وقعتها أمريكا.
كانت النتيجة متوقعة تماما. استوعبت إيران الضربات، وفعلت إستراتيجيتها بمضيق هرمز، وأنهت الجولة في وضع إستراتيجي أقوى مما بدأت. لم يُعِد وقف إطلاق النار الوضع السابق، بل وثق نفوذ إيران الجديد.
كل خصوم أمريكا الآخرين، بمن فيهم الصين المتمركزة عبر مضيق تايوان، راقبوا ذلك المشهد وعدلوا حساباتهم. والدرس المستخلص لا يطَمئن.
مشكلة المستهلكات.. نظام يعمل كما صمم
يعاني الجيش الأمريكي حاليا نقصا حادا في معدات يستهلكها القتال: صواريخ توماهوك كروز، وصواريخ باتريوت الاعتراضية، وقذائف المدفعية، وذخيرة الرشاشات والأسلحة الصغيرة. هذه المستهلكات تسحب من المخزون عند بدء إطلاق النار، ويجب تعويضها بقاعدة صناعية قادرة على إنتاجها سريعا بكميات كبيرة.
لقد سمح لهذه القاعدة الصناعية بالضمور. هذا ليس إهمالا عابرا، بل نتيجة منطقية لثقافة “شراء” تحكمها هوامش الربح. فمثلا، صواريخ توماهوك باهظة الثمن، لكنها تقنية ناضجة نسبيا.
بعكس ذلك، تعد طائرة “إف-35” مصدر دخل دائمٍ، إذ تتجاوز تكاليف تطويرها وتحديثاتها التقديرات الأصلية بالمليارات، وتمتد عقود صيانتها حتى 2088.
وإذا ما خير النظام بين تمويل تعويض المخزون وتمويل جيل المقاتلات القادم، فإنه يدرك الخيار المفضل. وأعضاء الكونغرس من دوائر تصنع فيها هذه الطائرات، يدركون خيارهم المفضل.
والنتيجة جيش استهلك جل ذخائره الدقيقة عالية التقنية في 6 أسابيع فقط ضد إيران- التي تنفق 3.33% من إنفاق أمريكا على الدفاع- ويضعف في الوقت ذاته الدفاع الصاروخي فوق كوريا الجنوبية لسد الفجوة.
إن قدرة كوريا الشمالية على إطلاق الصواريخ الباليستية حقيقية وفعالة وباتجاه محدد. وإضعاف هذا الدرع لتعويض تهور بجبهة أخرى ليس هامشا لوجيستيا، بل إقرارا عبر العتاد، بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الوفاء بجميع التزاماتها القائمة معا.
الحساب ليس معقدا، فعندما تتجاوز التزاماتُك مواردك، لا يمكنك الوفاء بجميعها مرة واحدة. تحديدا، هذا الموقف لا تستطيع القوى العظمى تحمله، وهو موقف دفع إليه المجمع الصناعي العسكري بتركيزه جيلا كاملا على الربحية بدل الجاهزية.
متغير هيغسيث: جرح لا يلتئم ذاتيا
يرى داوديل إمكان تعويض نقص المعدات، فهو يتطلب المال والوقت والإرادة الصناعية، وقيادة بفهم واضح لطبيعة الجيش الحقيقية.
لا شيء بسيطا بين هذه الأمور، لكنها جميعا متوفرة مبدئيا. أما ما يفعله بيت هيغسيث بضباط الجيش فهو نوع مختلف تماما من العطب. ولننظر لمعنى أن يعيد هيغسيث تشكيل هيئة الضباط على شاكلته.
تعتمد الجيوش ثقافة مهنية. وهيئة الضباط هي مكان صياغة هذه الثقافة ونقلها وفرضها- أي الخبرة المؤسسية المتراكمة حول كيفية اتخاذ القرارات تحت الضغط والحفاظ على تماسك الوحدة والموازنة بين المهمة ورفاه الأفراد تحت قيادتك. يستغرق بناء هذه الثقافة عقودا، ويمكن تفكيكها خلال فترة رئاسية واحدة بفرض معايير أيديولوجية ودينية بدل المهنية.
إن اختيار هيئة الضباط بناء على ولائها لراع سياسي وتوافقها مع أيديولوجية معينة، بدل كفاءتها المهنية وحكمها المستقل، يجعلها أقل فاعلية ميدانيا بل وعاجزة بنيويا عن تقديم تقييمات نزيهة للقيادة السياسية لمنع أخطاء كارثية. إنها تخبرها بما تريد سماعه. تتضح النتيجة مع فشل أول الاشتباكات، وتأتي العواقب سريعا بلا رجعة.
ثلاثة تعبيرات لمشكلة واحدة
إن ثقافة الشراء القائمة على تعظيم هامش الربح، وعدم تعلم دروس الحرب غير المتناظرة، وإعادة تكوين هيئة ضباط الجيش أيديولوجيا؛ ليست مشكلات منفصلة وتتزامن صدفة. بل هي مشكلة واحدة: إخضاع الفاعلية العسكرية لمصالح أخرى، وتتجلى في ثلاثة مجالات معا.
تقع حرب إيران عند تقاطع هذه المشكلات: فقد تقررت في تحد للقانون والاستخبارات، ونفذت بموارد لا يمكن تعويضها، واحتفلت بها قيادة مدنية بلغة جرائم الحرب دون وعي، كما يظهر انطباق هذا المصطلح عليها.
أدرك أيزنهاور الآلية بوضوح قبل عقود، وصرح بذلك صراحة وهو يغادر منصبه. لم يكن يتنبأ بالهلاك، بل كان يشخص نزعة تتطلب يقظة دائمة لكبحها، ويحذر من صعوبة استدامة هذه اليقظة بمواجهة ضغوط بالغة متواصلة.
يلخص داوديل اللحظة: تراجعت اليقظة، تفاقمت الضغوط، وهذا هو الحصاد!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






