أنجيلا ميركل…أيقونة لا تنطفئ !

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

بعقلانيتها المعهودة وعاطفتها الغير معهودة, وبثلاثين عاماً من العمل قد أنجبت ستة عشر عاماً من الأمل, ومن صبر العلماء الى مصداقية الزعماء, ومن العلم الذي وهَبها ثوب الكيمياء كَرِداء, وببضعة الوانٍ جاد بها الوقار على الكساء, لم تنشغل بضوءٍ فعلى عتباتها تكدّست الاضواء, لقّبوها بالأم التي لطّفت عهدهم الجديد, ووصفوها بالمرأة التي خُلقت من حديد, تلك هي أنجيلا ميركل التي طاوعت فلاسفة الحياة, بأن السعادة تكمن في متعة الانجاز, وتتجلّى بنشوة الإبداع.

من سينسى تلك المرأة التي وظّفت تطميناتها العقلانية وهي تجلس أمام علمي الاتحاد الاوروبي والمانيا, واستلهمت جاذبيتها العاطفية وهي تتحدث عن اختبار الوباء الغير مسبوق, وطالبت بروح التضامن لصون الحياة العامة وديموقراطيتها, فصدقها وآمن بنهجها من سمعها او رآها, فقد سمع شعبُها المعلومة, ورأى كيف ينصهر الفرد والزعيم في قالب واحد, ومن سينسى لتلك المتربّعة بلطفٍ على العرش الالماني, وهي تبقي حدودها مفتوحة للفارين من محرقة الصراعات الدامية, فاستقبلت أكثر من مليون مهاجر واحتضنتهم بخير, لتدفع بعدئذ ثمناً حزبياً وسياسياً باهظاً ينوء غيرها عن تحمّل تبعاته, ومن سينسى ايضاً تلك المحنكة التي أدارت ملف العلاقات الالمانية الروسية المعقد والمثقل بضلاله الجيوسياسية بكل حرفية واقتدار, خاصة بعد ضمّ شبه جزيرة القرم الى الفِناء الروسيّ الممتد.
لو سددنا الآذان وأغلقنا العيون, أمام جملة العناوين القيادية لتلك الزعيمة التي قادت ما يقارب الثمانين مليون المانيّ بإخلاص منقطع النظير, لم تشوبه تجاوزات تُذكر ولا انتهاكات حتى التي تُغفر, ثم أدركنا أنجيلا ميركل الإنسانة التي لم تمارس المحاباة والمواربة, لم يرافقها الخُيلاء ولم تدعي تحقيق المعجزات وصناعة الأمجاد, لم تتفوه بهراءٍ لإعلاء الذات ولم تتلون لإرضاء غرور زائف, لم تعتد التجوّل في شوارع برلين لغاية التصافح والتقاط الصور إرضاء لرغبة الظهور وشهوة الصفحات والأغلفة, كانت ببساطة أنجيلا وليس أكثر.

سالت دموع المستشارة الالمانية وسكب الكثيرون من أعضاء حزبها الكثير من الدموع وهم يودعونها, وامتلأت قاعة حزبهم بعاصفة من التصفيق منقطع النظير, وخارج تلك الأبواب كانت الملايين تحيي “أمهم الثانية”, وتخبرها بأنها لن تنساها أبداً, وخارج تلك الحدود ربما كانت اوروبا تسأل نفسها عن غدها ما بعد ميركل, بينما التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والهجرة غير الشرعية ماثلة خلف ابوابها وأمام نوافذها, أما أنجيلا فأجابت من سألها, بأن أول شيء ستفعله بعد خروجها من الحكم هو “لا شيء”…

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...