عشرون عاماً على الحادي عشر من سبتمبر… أفغانستان تتصدر المشهد من جديد

إيطياليا تلغراف

 

 

 

 

*إيفا كولوريوتي

 

في الثامنة وخمسة وأربعين دقيقة صباحاً بتوقيت نيويورك عام 2001 كان أبو عبد الرحمن المصري محمد أمير عطه يضرب بطائرته البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في ما عرف حسب تنظيم القاعدة بغزوة مانهاتن أو ما سمي أمريكياً و دولياً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر-أيلول ، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة كان البيت الأبيض قد اتخذ قراري حرب الأول هو أن تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن يقف خلف هذا الهجوم وبالتالي على أمريكا أن تعلن حربها على أفغانستان ، بينما كان القرار الثاني هو الحرب على العراق ريثما يحاول عناصر السي أي ايه أن يجدوا أي دليل يربط القاعدة بالعراق أو حتى لو اضطرت هذه الإدارة لاختراع نظرية أسلحة الدمار الشامل لتبرير هذه الحرب ، وبينما كان طائرات الإف 16 و ال بي 52 تضرب جبال تورا بورا في ولاية قندهار و على الحدود الأفغانية الباكستانية كانت صحيفة التايمز تعنون غلافها بـ “آخر أيام طالبان” ، قرار الحرب هذا قد يكون له مسبباته التي لا دخل لها بما جرى في يوم الحادي عشر من سبتمبر-أيلول عام 2001 إلا أن الأكيد هو أننا اليوم و من بعد عشرين عاماً من هذه الحرب و التي هي الأطول للولايات المتحدة الأمريكية يمكن لنا القول أن واشنطن اليوم هي ليست واشنطن قبل عشرين عاماً بينما يبقى السؤال الأهم حالياً إن كانت طالبان اليوم هي نفسها طالبان قبل عشرين عاماً ؟

الأحداث السابقة

في زيارة لرئيس الوزراء الروسي الأسبق عام 1998 للهند أطلق السيد يفكيني بريماكوف بدعوة نحو تشكل تحالف استراتيجي في آسيا يضم كلا من روسيا والهند والصين، هذه الدعوة التي لم تأخذها وسائل الإعلام الدولية على قدر الأهمية إلا أن الأكيد هو أنها شكلت إنذاراً لراسمي الاستراتيجيات في واشنطن والذين بدورهم بدأوا وضع الخطط لمنع أي تقارب جيوسياسي بين الهند من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى ، وبناءً عليه كان من الضروري على واشنطن أن تكون قريبة جغرافياً من هذا التحالف المزمع، وهنا أصبحت أفغانستان هي الهدف، ضمن الاتجاه نفسه فإن الموقع الاستراتيجي لهذا البلد سيعطي واشنطن قدرة على تقليص نفوذ بكين وقطع أي طموح للتوسع الاقتصادي نحو الشرق الأوسط ، كما يمكن لواشنطن أن تستغل وجودها في أفغانستان نحو فتح صفحة جديدة للعلاقات مع نيودلهي بشكل ينسي الإدارة الهندية العلاقات الامريكية الباكستانية المهمة، كل هذه الأفكار وغيرها كان تراود الساسة الأمريكيين لأهمية أفغانستان وضرورة الوجود الأمريكي هناك منذ ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر-أيلول 2001 و التي شكلت فقط الذريعة والغطاء لتنفيذ هذه المخطط المعدّة مسبقاً والتي مع الوقت انهارت وتصدعت نتيجة تغير المشهد في واشنطن وتغيرت الاستراتيجيات في ظل تغير نظرة رؤساء واشنطن المتعاقبين، و لتكون خاتمته مشهد الطائرات الأمريكية العسكرية وهي تهرب من مطار كابل والآلاف من الأفغان يحاولون الإمساك بها هرباً أو أملاً. 

بعيداً عن مسببات هذه الهزيمة التي تلقتها واشنطن وحلفاؤها في الناتو ” وهنا يجب التأكيد على كون ما جرى أنه هزيمة و ليس أي شيء آخر ” إلا أن النقطة الجوهرية هي ما ذكرها السيد بايدن قبل أسابيع عندما قال ” إن أفغانستان هي مقبرة للغزاة ” ، درساً احتاج الأمريكيون عشرين عاماً لتعلمه رغم أن كتب التاريخ البريطاني قد كتبت عنه قبل نحو المئة عام ومدارس موسكو نشرت تفاصيله قبل أربعين عاما لكن في النهاية وكما يقول المثل : ” أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل ” ، و في ظل خلافات بدأت تطرأ على السطح بين طرفي حلف الناتو الأوروبي والأمريكي نتيجة لامتعاض الجانب الأوروبي من شكل هذه الهزيمة وهو ما دفعهم لعقد مؤتمر عاجل أكد على ضرورة تشكيل قوة عسكرية أوروبية للحالات الطارئة ، كانت موسكو أكثر هدوءًا بينما كانت الصين الأكثر شجاعة ً وكانت الهند الأكثر تخوفاً وكانت باكستان الأكثر ابتهاجاً ، فالأكيد أن الأشهر المقبلة بشكل أو بآخر قد تؤثر على هؤلاء اللاعبين سواء سلباً أو إيجاباً وعليه أصبح من الضروري قراءة سريعة لأولويات كل منها في المشهد الأفغاني .

ملفات الغرب

في أوروبا و من الواضح أن ملف الهجرة واللاجئين يتصدر المشهد، فاليونان سارعت لطلب اجتماع عاجل لوزراء خارجية دول الاتحاد والتي بدورها أكدت على ضرورة أن يستقر المشهد الأمني في أفغانستان لمنع أي حالة من عدم الاستقرار تفضي لموجات هجرة تعيد مشهد عام 2015 وضمن هذه الرؤية فإن أوروبا بمجملها ترغب باستقرار سياسي في أفغانستان على الأقل في الوقت الحالي حتى لو تحت حكم طالبان، هذه الرؤية قد لا تتطابق مع رؤية الحليف الأمريكي الذي يعاني انقساماً ضمن بيته الديمقراطي بين وجهتي نظر: الأولى ترى أن أي حالة من الانفلات الأمني والحرب الأهلية في أفغانستان قد يعيد إحياء تنظيمات متشددة أهمها القاعدة و تنظيم الدولة وبالتالي يضطر واشنطن من جديد لإحياء ملف الحرب على الإرهاب ، بينما يرى الطرف الآخر أن أي حرب أهلية هناك سيعني وضع العبء الأمني على كل من بكين وموسكو و قد تنتقل حمى عدم الاستقرار بحكم الجغرافيا لهذه الدول وهذا قد بحد ذاته انتصاراً أمريكياً ، و بين هذا الطرف والآخر يقف بايدن و إدارته بحذر لمتابعة ما سيجري في أفغانستان و طريقة عمل طالبان نفسها وخططها وسياساتها و بناءً على تطور المشهد ستختار واشنطن استراتيجيتها التالية .

في بكين الأجواء أكثر هدوءا والخطط و المشاريع المعدّة مسبقاً تنتظر الضوء الأخضر، فالإدارة الصينية والتي كانت من أولى الدول التي رحبت بحكومة تصريف الأعمال التي أعلنتها طالبان قبل أيام تعلم يقياً أن الجغرافيا الأفغانية تشكل حجر أساس في مشروع الحزام والطريق من جهة وأن الثروات المعدنية الموجودة في أفغانستان يجب أن تكون ضمن نطاق نفوذ شركاتها من جهة أخرى، بالطبع هذا الهدوء لم يأت دون تواصل مباشر جرى سابقاً مع ممثلين من طالبان حتى قبل انتهاء الحرب حيث تلقت بكين وعوداً بالانفتاح الاقتصادي، هذا الاندفاع الصيني شكّل دافعاً ودعماً مهمين لحركة طالبان التي كانت تتخوف من حصار اقتصادي يفرضه الغرب وبناءً عليه كان خيار الحركة تشكيل حكومة جميع الوزراء من قادة الصف الأول من الحركة و بعضهم من المطلوبين أمريكياً ، هذا التحرك الصيني قوبل بتردد روسي من هذه الحكومة المؤقتة، حيث ترى موسكو ضرورة أن تبقي قنوات تواصل مع طالبان منعاً لأي نوع من الفوضى خوفاً من أن تنتشر هذه الفوضى في دول الجوار الأوزبكي أو الطاجيك والتي تشكل عمق الأمن القومي الروسي.

وبينما يحاول مراكز البحث في واشنطن ونيويورك و لندن فهم عقلية القادة في طالبان ثم الذهاب عميقاً في رسم مواضع الاختلاف و التشابه بين المذهب السلفي والمدرسة الديوبندية كان الملا هيبة الله أخوند زادة و من قندهار بيت الحركة الدافئ يعلن عن وزراء حكومة تصريف الأعمال مع بيان أكد فيه أن الحكومة ستمهّد لحكومة مقبلة أكثر توسعاً ، تشكيلة الحكومة التي ضمّت ابن مؤسس الحركة الملا محمد يعقوب ابن محمد عمر كوزير للدفاع وسراج الدين حقاني ابن جلال الدين حقاني كوزير للداخلية، بينما كان مسؤولو مكتب الحركة السياسي يلتقون مسؤولين صينيين وقطريين وروسا مؤكدين خلالها على انفتاحهم الاقتصادي ورغبتهم ببناء دولة مستقرة، هذا المشهد المعقّد والمتناقض والذكي أدى لحالة من التيه في واشنطن والغرب، فعلى أي خطط سيستقرون ؟

هل الحركة لاتزال كما هي أم أنها تغيّرت لتصبح أكثر انفتاحاً ؟ تساؤلات تؤكد بما لا شك فيه أن طالبان اليوم ليست فقط أكثر قوة عسكرياً و إنما أكثر حنكة سياسياً .

*محللة سياسية يونانية مختصة في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...