*دكتور. أسامة جادو
الحمد لله تعالى على تفضله علينا وعلى الناس أجمعين ، لولا أفضاله و نعمه ما طاق الخلقُ عيشَ لحظة فضلاً عن التنعم بها .
وسط عتمات الحياة و أقدارها المؤلمة تنسابُ إلينا نسمات من الرحمة و اللطف و العون ، تخففُ وطأة القدر المؤلم ، و تعين على نوائب الدهر ، وتمسح عنا الأسى و تهونُ عنا التعب و تلطف علينا ما بقى من عمرنا .
انقطعتُ عن الكتابة و النشر و المتابعة ثلاثة أسابيع ، ألمت بي جائحةُ المرض فألزمتني الفراش ، راحة إجبارية وما هي براحة ، تتقلب بنا أحوالٌ من التعب و الشعور بالعجز و استشعار دنو الأجل وقرب اللحوق بالسابقين الراحلين إلى الله تعالى ، و تشبث بالبقية من عمر لا يعرف مداه إلا ربُّ البرية سبحانه وتعالى ، و طمع في لطف الله و عافيته و رحمته ، و تطلع إلى اجتياز محنة المرض واستئناف مسيرة العمل ما بقى في العمر بقية .
الحمدلله .. لقد تعافيتُ ، و استأنفتُ القيام بواجباتي ، وفق البرنامج المُعدّ، و أشكرُ الله تعالى ، و أشكرُ كلَّ من اهتمَّ بأمري ، وأدعو الله تعالى أن يحفظكم جميعاً ويمتعكم بالصحة والعافية و يتمهما عليكم و يديمهما، ويرزقنا وإياكم الشكرَ عليهما. الحمدُ لله على عطائه وأقداره ، إنَّ أقداره كلُّها لنا خيرٌ .
– القدَرُ ضيفٌ يحمل لنا رسالة من عند الله تعالى
حين يزورنا ضيفٌ كريمٌ نفرح به و نبتهج على حسب مكانته عندنا أو حسب ما يحملُ من هدايا و يعطينا، والأقدارُ ضيوفٌ من عند ربنا ، تحلُّ بنا حيناً و تترك فينا رسالة من الله تعالى.
مرت بنا أيامُ المرض ، و اشتدَّ البلاءُ بكثيرٍ من أحبابنا ، و في ضيافتنا لقدر المرض و البلاء كانت خاطرتي؛ كيف أقرأ رسالة الله لنا ؟
لحظات الضعف و التعب والمرض تجعلُ المسلمَ يُحسنُ اللجوءَ إلى الله تعالى، ويستشعرُ ضعفه و عجزه ، ما أضعفَ هذا الإنسان !!
البلاءاتُ التي تنزلُ بنا تُخفِّفُ من سطوة النفس وانتفاشتها و تذكرُها بضعفها وتفاهتها، وتساعدها على الأوبة من قريب إلى خالقها، كما أنَّها تهذبُ النفسَ العاصيةَ وتحدُّ من تفلُّتها و تجبرها و شعورها بالإستغناء، فالنفسُ إن رأت المال أو الصحة أو السلطة أو القوة استغنت، وكلما طال بها العمرُ وهي تمتلك زاد شعورها بالإستغناء عن الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ (8)} [سورة العلق ] وتنسى كثيراً، فتأتي البلاءاتُ و الأقدارُ المؤلمةُ لتهذِّب النفس العاصية و تكون قرصةَ أُذنٍ وعلامة تنبيه و هزة إفاقة.
لذلك أقول :
– قدرٌ في ظاهره مؤلمٌ لكنَّه من لُطف الله تعالى بنا. ما أجملَها من لحظات صدق اللجوء إلى الله تعالى، و ما أعذبَها من ساعات ضعف بين يدي القوي العزيز ، و ما أرقَّها من نسمات رحمة تهبُّ على المريض فيُشفى فينتزع الحمدَ لله من قرارة النفس و أعماقها فيخرج الحمد لله بحجم الأرض والسماء، فتطيبُ النفس بالشفاء و تنعمُ بالعافية و تنالُ الأجر من الله.
لذلك صحَّ عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و سلم قولُه : «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذىً وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». متفق عليه.
وَعَنْ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً؟ قال: «أجَلْ، إِنِّي أوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ». قُلْتُ: ذَلِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قال: «أجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا». متفق عليه.
ولذلك يُسنُّ لمن يزور مريضاً أن يدعو له و يقول له : طهورٌ إن شاء الله تعالى .
تفقدوا إخوانكم و أحبتكم و جيرانكم، و دعموهم بالدعوات الصالحات، في جوف الغيب أو ظاهره، خاصة إذا طلبَ المريضُ أو أهلُه منكم الدعاء، لعلَّ دعوة صادقة انطلقت وفتح لها القبول، فكانت رحمة و شفاءً و عافية و صحة ولطفاً تسلل إلى حياة المريض و أهله، فتنسم الحياة و قوى من بعد ضعف و نشط من بعد رقود، و قام يستأنفُ مسيرة الدعوة و العمل و العبادة.
ختاماً ..
دعاءٌ مسَّ قلبي :
يا من تسمع الأصوات وإن خفيت
وتقضي الحاجات وإن عظمت،
وتجيب الدعوات وإن ثقلت،
وتغفر الزلات وإن كثرت،
اللهم يا كريم يا ذا الجلال والإكرام, نسألك أن تكسينا وإخواننا حلل السعد والمهابة، وأن تحفظنا وإخواننا من الهمِّ والكآبة، وأن تلهمنا وإخواننا الدعاء أوقات الإجابة. إنك على كل شيء قدير. اللهم آمين
وصلى الله و سلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.
*عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بغازي عنتاب سابقا.





