بعد جمود امتد لـ34 سنة.. المغرب يراجع معايير تصميم الطرق ويطلق أكبر ورش لتحديث شبكته ورفع جودتها بـ80 في المائة قبل 2030

إيطاليا تلغراف متابعة

بدأ المغرب مرحلة جديدة في تحديث بنيته التحتية الطرقية بإطلاق ورش تقني غير مسبوق، يستهدف مراجعة المرجع الوطني المعتمد في تصميم ورصف الطرق لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، في خطوة تعكس التحولات التي يشهدها قطاع النقل واللوجستيك بالمملكة، وتواكب الارتفاع المتواصل في حجم الاستثمارات العمومية والاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030.

وأطلقت وزارة التجهيز والماء طلب عروض دوليا لإعادة صياغة الدليل التقني الخاص بتصميم ورصف الطرق، وهو المرجع الهندسي الذي ظل معمولا به منذ سنة 1992 دون مراجعة شاملة، رغم التغيرات الكبيرة التي عرفتها حركة النقل، وتطور المركبات الثقيلة وظهور تحديات جديدة مرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر الجوية القصوى التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على عمر البنيات التحتية الطرقية.

ويأتي هذا المشروع في سياق ارتفاع غير مسبوق للاستثمار العمومي بالمغرب، بعدما بلغ حجمه خلال سنة 2026 ما مجموعه 380 مليار درهم، بزيادة تناهز 65 في المائة مقارنة بسنة 2021 التي لم يتجاوز فيها 230 مليار درهم، وفق معطيات مديرية الميزانية ويعكس هذا التطور توجها حكوميا نحو تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى وتعزيز العدالة المجالية من خلال تطوير شبكات النقل والربط بين مختلف الجهات، إلى جانب الاستثمار في قطاعات الصحة والتعليم والماء.

وتتجاوز أهمية مراجعة الدليل التقني مجرد تحديث وثيقة هندسية، إذ يتعلق الأمر بإعادة النظر في الأسس العلمية التي يتم على أساسها تصميم وصيانة شبكة طرقية تمتد على حوالي 48 ألف كيلومتر من الطرق المعبدة وتفوق قيمتها الإجمالية 300 مليار درهم، ما يجعل أي تحسين في منهجية التصميم أو الصيانة ينعكس مباشرة على كلفة الاستثمار العمومي وجودة البنية التحتية وسلامة مستعملي الطريق.

وفي هذا الإطار، أكد وزير التجهيز والماء نزار بركة أمام مجلس النواب أن تحسين جودة الطرق أصبح أولوية استراتيجية بالنسبة للوزارة، مشيرا إلى أن 66 في المائة من الشبكة الوطنية والجهوية توجد حاليا في حالة جيدة أو جيدة جدا، بينما تسعى الحكومة إلى رفع هذه النسبة إلى 80 في المائة بحلول سنة 2030.

وأوضح الوزير أن هذا الهدف لن يتحقق فقط عبر بناء طرق جديدة، وإنما أيضا من خلال تغيير فلسفة تدبير الشبكة الحالية، إذ أصبحت الصيانة تستحوذ على 46 في المائة من الميزانية المخصصة لقطاع الطرق، في تحول يعكس انتقال السياسة العمومية من منطق الإنشاء إلى منطق المحافظة على الأصول العمومية وإطالة عمرها الافتراضي.

كما كشف أن الوزارة برمجت ابتداء من سنة 2026 سلسلة من التدخلات ذات الأولوية في المقاطع التي تعرف معدلات مرتفعة لحوادث السير، بهدف تحسين شروط السلامة الطرقية والرفع من جودة التنقل وضمان استدامة المنشآت.

وفي موازاة ذلك، يواصل المغرب توسيع شبكة الطرق السريعة، التي بلغت مع نهاية سنة 2025 حوالي 2300 كيلومتر، بزيادة قدرها 819 كيلومترا خلال أربع سنوات فقط، وهو تطور يعكس حجم الاستثمارات التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

ومن بين أبرز المشاريع التي تعمل الوزارة على إنجازها الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الربط بين شمال المملكة وأقاليمها الجنوبية، إضافة إلى الطريق السريع فاس ـ تاونات، والطريق المداري الشمالي الشرقي لأكادير، الذي ينتظر أن يخفف الضغط المروري داخل المدينة ويحسن الربط بين محاورها الاقتصادية.

أما على مستوى الطرق السيارة، فقد وصلت الشبكة الوطنية إلى حوالي 1800 كيلومتر، مع استمرار تنفيذ مشاريع توسعة جديدة، من أبرزها الطريق السيار الرابط بين جرسيف والناظور، الذي خصص له غلاف مالي يبلغ 7.9 مليارات درهم، في إطار دعم الربط بميناء الناظور غرب المتوسط وتعزيز تنافسية الجهة الشرقية.

ولا تقتصر الرؤية الحكومية على المشاريع الجارية، بل تمتد إلى هدف استراتيجي يروم رفع طول شبكة الطرق السيارة إلى نحو 3000 كيلومتر خلال السنوات المقبلة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز التكامل الترابي وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.

ومن الناحية التقنية، ستستغرق عملية مراجعة الدليل المرجعي الجديد اثني عشر شهرا، وستعتمد على تشخيص هندسي شامل وتحليل إحصائي لبيانات مراقبة حالة الطرق، قبل إعداد دليل عملي جديد لتقوية وصيانة البنيات الطرقية وفق معايير أكثر دقة وحداثة.

وتهدف هذه المنهجية الجديدة إلى اعتماد أدوات حساب أكثر تطورا تمكن من تحديد سماكة البنية الطرقية ونوعية المواد المستعملة بشكل أكثر دقة، بما يسمح بتفادي مشكلتين أساسيتين: الأولى تتمثل في ضعف التصميم الذي يؤدي إلى تدهور الطريق بشكل مبكر، والثانية تتمثل في المبالغة في التصميم بما يرفع كلفة المشاريع دون مبرر تقني، وهو ما تعتبره الوزارة مدخلا أساسيا لترشيد النفقات العمومية.

وتخصص الدولة سنويا نحو 3 مليارات درهم لصيانة الشبكة الطرقية، وترى الوزارة أن تحديث أدوات التصميم سيسمح باستغلال هذا الغلاف المالي بكفاءة أكبر، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي على المدى الطويل.

ويكتسي هذا الورش بعدا إضافيا مع اقتراب احتضان المغرب لكأس العالم 2030، حيث تتسارع وتيرة إنجاز المشاريع الطرقية الكبرى المرتبطة بالمونديال، وفي مقدمتها الطريق السيار القاري الجديد الرابط بين الرباط والدار البيضاء، الذي رصد له غلاف مالي يبلغ 6 مليارات درهم، وسيسهم في تحسين الولوج إلى منطقة بنسليمان التي ستحتضن ملعب الحسن الثاني الكبير.

كما جرى توقيع اتفاقية شراكة بقيمة 5 مليارات درهم لتحديث وتأهيل الشبكات الطرقية المحيطة بالمشاريع الرياضية الكبرى، بما يضمن انسيابية التنقل واستيعاب الارتفاع المرتقب في حركة المسافرين والزوار خلال التظاهرة العالمية.

وأكد نزار بركة أن هذه الأوراش لا تواجه أي إشكاليات تمويلية، مشددا على أن الحكومة تعتبر تحديث البنية التحتية للنقل أحد أهم مرتكزات تعزيز التنافسية الاقتصادية واللوجستية للمملكة خلال العقد المقبل، في ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد المغربي وتزايد رهانات الربط بين الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية والأسواق الداخلية والخارجية.

وتعكس مراجعة الدليل التقني لتصميم الطرق توجها جديدا في السياسة العمومية لا يقتصر على توسيع الشبكة الطرقية، بل يمتد إلى إعادة صياغة المعايير الهندسية التي ستحدد شكل الطرق المغربية لعقود مقبلة، بما يجعل هذا الورش أحد أكثر مشاريع التحديث التقني تأثيرا على مستقبل البنية التحتية بالمملكة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...