إذا كان التصويت على مكاتب المجالس البلدية يمرّ في أجواء التنافس العادية في كثير من أقاليم المغربية، فإن مدناً أخرى شهدت صدامات قوية بين المتنافسين وصلت إلى حد العنف، علاوة على ترديد تهديدات بالقتل، وإطلاق اتهامات بمحاولة الرشوة والابتزاز. والمثير أن مستشارا سياسيا من مدينة كلميم جنوب البلاد أقدم على الانتحار أمس الثلاثاء.
وأفادت صحيفة “الأخبار” المغربية، في عدد أمس الثلاثاء، أن أجواء انتخاب رئيس بلدية في ضواحي مدينة مراكش غلب عليها العنف واستعمال أسلحة بيضاء، ما أدى إلى نقل مستشار عن حزب “التجمع الوطني للأحرار” إلى المستشفى، وقيام الدرك باعتقال متورطين في هذا السلوك الذي وصف بكونه بعيدًا عن قيم الديمقراطية والتنافس الشريف والحق في الاختلاف.
وفي العاصمة الرباط، فجرت مستشارة من حزب “التجمع” مرشحة لنيل منصب عمدة المدينة، قضية بالغة الخطورة، بالقول إنها تعرضت للتهديد بالقتل. وشهدت أطوار انتخابات رئاسة البلدية، أول أمس الاثنين، ملاسنات حادة وحالة هيجان كبير بين المنتمين إلى الأحزاب المتنافسة، أدت إلى انهيار المستشارة من الحزب المذكور، ما دفع برئيس الجلسة إلى تأجيل التصويت.
وأفادت صحيفة “الصحراء المغربية” أن رئيس جلسة انتخاب عمدة الرباط قرر رفع الجلسة وتأجيلها إلى وقت لاحق بسبب الفوضى وتعالي الأصوات، التي عمت المكان بعد إغماء إحدى المستشارات عن حزب “التجمع”، بعد زعمها تعرضها للتهديد من أجل التصويت لأحد المرشحين.
وعاش مقر ولاية الرباط أجواء من التوتر عمّت خلالها الفوضى وتعالت معها الأصوات، وتبادل الاتهامات بين أنصار مرشحين اثنين لمنصب عمادة العاصمة الرباط. كما امتد الصراع بين الطرفين إلى خارج مقر انعقاد الجلسة بمقر الولاية، حيث عرف محيط المقر إنزالاً قوياً لأنصار المرشحين الذين دخلوا في مشادات كلامية، واحتكاكات جسدية، مما دفع رجال السلطة للتدخل واعتقال من وُصفوا “بالبلطجية” بعد مهاجمتهم رئيس الجلسة.
وتقدم لمنصب رئيس المجلس البلدي للرباط، كل من أسماء غلالو عن “التجمع الوطني للأحرار”، ولحسن لشكر عن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، وبديعة بناني عن حزب “العدالة والتنمية”.
وحسب تصريحات للصحافة، أكد رئيس الجلسة أن المداولات كانت عادية رغم تأخر انطلاقها، كما أن النصاب القانوني كان متوفراً حيث حضرها 60 مستشاراً من مجموع 82، إلا أن الأوضاع تفجرت بعد إعلان إحدى المنتخبات من “التجمع” للتهديد بالقتل في حالة لم تصوت لصالح لشكر، موضحاً أن المستشارة “تؤكد أن هذه الاتهامات تلقتها هاتفياً من أطراف محسوبة على تحالف ثلاثي يضم لشكر”.
وقالت المستشارة نسيمة شوقي، في تصريح للصحافة: “تعرضت للتهديد بالقتل والخطف من منزلي، لقد تم نسف الديمقراطية”، موضحة أن أعضاء من حزبها تعرضوا للتهديد والمساومات من أجل شراء الذمم، داعية في الصدد نفسه إلى فتح تحقيق حول هذه الممارسات.
أما عمر البحرواي، العمدة السابق للمدينة، فقد اعتبر أن “ما وقع في جلسة انتخاب عمدة الرباط أمر عادي، يدخل ضمن الصراع الديمقراطي”، نافياً تعرض أي من المنتخبين لأي تهديدات، قائلا: “أعتبر ما ادعته هذه المستشارة أمراً مصطنعاً”.
ووفق الصحيفة، انقلب البحراوي في الساعات الأخيرة على التحالف الذي يضم كلاً من “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال” إضافة إلى “الحركة الشعبية”، ليصطف إلى جانب لشكر عن “الاتحاد الاشتراكي”، موضحة أن البحراوي المنتمي إلى “الحركة” قلب الموازين بانسحابه من التحالف، بعدما حاول الضغط للحصول على منصب النائب الأول للعمدة، الأمر الذي لم تقبله غلالو وحلفاؤها.
وأضافت المصادر نفسها أنه بعد عدم حصوله على منصب نائب العمدة، لجأ البحراوي إلى دعم ترشح لشكر، الشيء الذي زعزع التحالف المسبق الذي كانت بموجبه ستحصل غلالو على رئاسة المدينة؛ مؤكدة أن البحرواي لم يتوقف عن محاولة استقطاب منتخبي الأحزاب الأخرى للتصويت لصالح لشكر الذي يعده بمنصب النائب الأول للعمدة.
وفي مدينة سيدي قاسم (غرب البلاد) ذكر مصدر محلي أن عزيز أخنوش، رئيس حزب “التجمع”، تدخل بشكل مستعجل من أجل تنفيذ اتفاق التحالف الثلاثي الموقع بين حزبه وحزبي “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”، من أجل دعم وکیل لائحة حزب “الاستقلال”، عبد الله الحافظ، المرشح للتنافس على رئاسة المجلس البلدي، بعدما أصر مرشح آخر من حزب “التجمع” على الدخول إلى حلبة المنافسة على المنصب ذاته.
وفي مدينة مكناس، قرر حزب “التجمع” وضع شكاية لدى القضاء، ضد مستشار أطلق اتهامات ضد حزبه تتعلق بالارتشاء والابتزاز.
وحسب بيان صادر عن التنسيقية الجهوية للحزب في فاس ومكناس، فإن الفرع الإقليمي “عزم على وضع شكاية لدى السلطات القضائية لمتابعة المعني بالأمر على اتهاماته المسيئة والمرفوضة جملة وتفصيلاً”. وأضاف البيان الذي اطلعت عليه “القدس العربي” أن الحزب فتح تحقيقاً داخلياً للوقوف عند حيثيات هذه الاتهامات، والتأكد من مدى صدقيتها قصد ترتيب الجزاءات التي أقرها النظام الأساسي للحزب.
وذكرت مصادر محلية أن لحسن خربوش، مستشار في حزب “التجمع”، أثار خلال جلسة انتخاب رئيس بلدية مكناس، ضجة كبيرة، باتهامه أطرافاً طلبت منه 300 ألف درهم مغربي (33 ألف دولار أمريكي) للحصول على التفويض، و500 ألف درهم (حوالي 55 ألف دولار) مقابل الترتيب في لائحة ترشيح الحزب.
وقال المستشار، في لحظة انفعال لوسائل الإعلام، إنه عاش أياماً تحت الضغط، وعانى الأمرين جراء ما وصفها بـ”لائحة الفساد”، لأنه تعرض، حسب زعمه، لمساومات للترتيب ثالثاً في اللائحة، والحصول على التفويض في المجلس البلدي، مع أنه من قدماء المستشارين، ومناضل في الحزب، فضلاً عن كونه “رجلاً مسكيناً” يعيش في بيت والديه.
وشهدت مدن المغرب أمس الثلاثاء، الانتخابات المتعلقة بمجالس العمالات (المحافظات) والأقاليم، شارك فيها أكثر من 30 ألف مستشار محلي ممن فازوا في الانتخابات البلدية الأخيرة، أو من يسمون بالناخبين الكبار.
وتختص مجالس العملات والأقاليم، التي يدبّر شؤونها مكتب مسير يتكون من رئيس ونواب له ولجان دائمة وكاتب للمجلس ونائبه، بأدوار مهمة في خدمة التنمية المحلية، حيث يمكنها القانون من وضع برامج للتنمية، وإحداث وتدبير شركات للتنمية على صعيد العمالة أو الإقليم، وتدبير المرافق العمومية التابعة لها، وعقد شراكة مع القطاع الخاص. كما توكل لهذه المجالس مهام تعزيز النجاعة والتعاضد والتعاون، من خلال العمل على توفير التجهيزات والخدمات الأساسية خاصة في الأرياف، وتوفير الخدمات وإنجاز المشاريع أو الأنشطة التي تتعلق بالتنمية الاجتماعية، ومحاربة الإقصاء والهشاشة في مختلف القطاعات الاجتماعية.
وتتعلق تلك المهام بتوفير خدمات النقل المدرسي، وإنجاز وصيانة الطرق والمسالك في البوادي والجبال، ووضع وتنفيذ برامج للحد من الفقر والهشاشة، وتشخيص الحاجيات في مجالات الصحة والسكن والتعليم والوقاية وحفظ الصحة، وتشخيص الحاجيات في مجال الثقافة والرياضة. وتمارس مجالس العمالات (المحافظات) والأقاليم اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة.
وتشتمل الاختصاصات الذاتية على الاختصاصات الموكولة للعمالة أو الإقليم في مجال معين بما يمكنها من القيام، في حدود مواردها، والمتعلقة بالتخطيط والبرمجة والإنجاز والتدبير والصيانة. وتشمل الاختصاصات المشتركة بين الدولة والعمالة أو الإقليم الاختصاصات التي يتبين أن نجاعة ممارستها تكون بشكل مشترك في مجلات تأهيل الأرياف في ميادين الصحة والتكوين والبنيات التحتية والتجهيزات، وتنمية المناطق الجبلية والواحات، والإسهام في تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب والكهرباء، وبرامج فك العزلة عن المناطق الريفية، والمساهمة في إنجاز وصيانة الطرق الإقليمية، والتأهيل الاجتماعي في الميادين التربوية والصحية والاجتماعية والرياضية.
وتشمل الاختصاصات المنقولة الاختصاصات التي تنقل من الدولة إلى العمالة أو الإقليم بما يسمح بتوسيع الاختصاصات الذاتية في مجال التنمية الاجتماعية، وإحداث وصيانة المنشآت المائية الصغيرة والمتوسطة خاصة في الوسط القروي (الأرياف). كما يمكن أن تمارس مجالس العمالات (المحافظات) والأقاليم اختصاصات تعاقدية إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من العمالة أو الإقليم، لتمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بشكل تعاقدي مع الدولة، إذا تبين أن هذا التمويل يساهم في بلوغ أهدافها.
ويبقى المنعطف المأساوي هو إقدام مستشار اسمه عبد الوهاب بلفقيه على الانتحار بعدما كان يرغب في رئاسة جهة (محافظة) كلميم واد نون جنوب المغرب. وتفيد الصحافة المغربية أن بلفقيه أطلق النار على نفسه أمس الثلاثاء وجرى نقله الى المستشفى العسكري في كلميم، ولكنه لقي حتفه ساعات بعد ذلك.
وكان بلفقيه ينتمي سابقا الى حزب الاتحاد الاشتراكي، وترشح في الانتخابات الأخيرة باسم حزب الأصالة والمعاصرة، لكن المكتب السياسي للأخير قرر سحب التزكية منه ومنعه من الترشح لرئاسة “الجهة”. ولم تصدر النيابة العامة حتى الساعات الأولى من مساء أمس الثلاثاء بيانا يتحدث عن ملابسات هذا الانتحار.
وضمن ردود الفعل، طالب محمد أبودرار مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لرئاسة جهة كلميم واد نون، من وزير الداخلية فتح تحقيق معمق في وفاة عبد الوهاب بلفقيه المرشح السابق لرئاسة الجهة. كما دعا أوبودرار أيضا النيابة العامة إلى فتح تحقيق في الموضوع .
وجاء في تدوينة لأبودرار على صفحته بالفيسبوك:” ما تعرضنا له هاد اليومين كفريق أعضاء الجهة ، المتكون من أغلبية مريحة ، من بلطجة وترهيب وترغيب ، وضغوطات أمر غير مسبوق يستدعي الوقوف عنده”.
وأضاف أبودرار: “دم عبد الوهاب بلفقيه على رقبة كل مسؤول لم يلزم الحياد وكان طرفا في العملية الانتخابية عبر أساليب الترهيب والترغيب…”





