توتر العلاقات الجزائرية المغربية.. في جذور الأزمة وأبعاد النزاع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*يحيى عالم

 

 

برزت إلى السطح في الأشهر الأخيرة خلافات حادّة بين الجزائر والمغرب، اتخذت واجهات متعددة من الشد والجذب، منها ما هو دبلوماسي تمثل في إعلان الجزائر قطع علاقاتها الرسمية مع المغرب من جهة واحدة وسحب السفراء، ثم منع المغرب من استخدام المجال الجوي الجزائري للطائرات المدنية والعسكرية على السواء، تلك الإجراءات المتخذة، والخطاب المتداول في الإعلام من الجهتين بالجزائر والمغرب يزيد من تعميق الهوّة بين شعبين ودولتين يجمعهما أكثر مما يفرقهما، بل إن تصعيد حدّة النزاع يفوّت على البلدين آفاقا رحبة للتعاون، سينعكس حتما على نهضة وتقدم شمال أفريقيا برمتها، ويجنبها ويلات الاستقرار الذي يطبع الإقليم، وهذا يجعل التساؤل عن الدوافع التي جعلت النزاع الذي كان متخفيا يخرج إلى العلن أمرا مشروعا، وكذلك النظر النقدي في أبعاده وآفاقه بالمنطقة المغاربية.

أصل النزاع وخطر الانفصال

في الواقع؛ إن حالة التأهب والإجراءات المعلنة مما يشبه وجود حالة حرب بين الدولتين في جذورها ليست جديدة، إنما هي خلافات قديمة منذ حرب الرمال سنة 1963، وبالأساس قدم المشكلة المصطنعة “الصحراء المغربية” لتجزيء المغرب وتفتيته إلى كيانات صغرى، وفي أدنى الحالات من أجل إنهاكه بقضية وحدته الترابية وإبقائه منشغلا بقضية الصحراء.

تحتفظ الذاكرة المغربية والجزائرية بأشكال من الكفاح المشترك ضد الاستعمار، بل إن المغرب في واقع الأمر شكّل سندا للجزائر في ثورتها كما تؤكد ذلك كثير من الوقائع والوثائق التاريخية، بحيث كانت المدن الشرقية المغربية؛ ومدينة وجدة أساسا، ملاذا لقادة التحرير ومركزا لانطلاق التعبئة والحشد ودعم الثورة الجزائرية بمختلف الأشكال، فلم تكن هناك فروقات حادة بين المغرب والجزائر، سواء على مستوى النسيج الاجتماعي وعلاقات المصاهرة والرحم والثقافة، أو على المستوى السياسي ومقاومة الاستعمار، منذ الأمير عبد القادر إلى ثورة التحرير، إذ رفض السلطان المغربي محمد الخامس تسوية الحدود في الصحراء الشرقية مع فرنسا، باعتبار ذلك سيتم مع الأشقاء الجزائريين بعد التحرير، باعتبار الهم المشترك ووحدة المعركة ضد المستعمر، إذ إن أي تسوية مغربية فرنسية للحدود حينئذ كانت ستمنح شرعية للاستعمار الفرنسي للجزائر وستضرّ بنضال الجزائر في مسارها التحرري.

هذا المسار الوحدوي حدث فيه خدش عقب استقلال الجزائر واختيار كل دولة من الدولتين التموقع في قطب من القطبين الدوليين آنذاك، وذلك جعل الجنوب المغربي، أي الصحراء المغربية في سياق استقلالها عن الاستعمار الإسباني تصبح مدخلا لنزاع سيمتد إلى اللحظة الحالية، بمدّ جبهة البوليساريو الانفصالية بالعتاد والسلاح من طرف الأنظمة الإقليمية المنتظمة في الحلف الشرقي “الاتحاد السوفياتي”، ومنذ ذلك الحين ما زال النظام السياسي الجزائري يقدّم مختلف أشكال الدعم لجبهة البوليساريو تحت مسمى تقرير المصير وتصفية الاستعمار، في حين يجلي التاريخ شيئا آخر.

المغرب أكبر متضرر من الاستعمار في خريطته الجغرافية التي تعرضت للبتر، سواء من الجهة الشرقية حيث قامت فرنسا بإلحاق صحرائه الشرقية بالجزائر آنذاك، أو في أقاليمه الجنوبية، وبالأخص بلاد شنقيط، وهي سياسة استعمارية كانت الغاية منها تقزيم المغرب في بقعة جغرافية شبه معزولة عن العمق الأفريقي، الذي كان يشكل مصدر تهديد لأوروبا الاستعمارية، ليس في اللحظة الحالية فقط، وإنما منذ الفتح الإسلامي للأندلس، مرورا بالمرابطين والموحدين.

فالمخيال الإسباني ما زال يحتفظ في جزء منه بتخوفات نابعة من الذاكرة تجاه المغرب في شمال أفريقيا، لا سيما أن قضايا عالقة قد تطرح على طاولة المفاوضات إذا حاز المغرب قوة تؤهله لذلك، وأقصد قضية سبتة ومليلية والجزر المستعمرة، ومن ثم فإن إبقاء قضية الصحراء موضع نزاع، ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو هو في الحقيقة يبطن نزعة استعمارية تعمل على إضعاف المغرب وتفكيكه، وإن أي مسعى في هذا الاتجاه يخدم الاستعمار بشكل مباشر أو غير مباشر، أما مقولة تصفية الاستعمار في علاقة بالصحراء فلا تعدو أن تكون من موروثات خطاب سياسي يعود للحرب الباردة، ويستعمل لتحقيق مصالح ومكاسب سياسية ضيقة، في حين أن الواقع والتاريخ يفنذها.

يعدّ السعي في هذا المنحى نزوعا إلى غرس فتيل التفكك في المنطقة برمتها، والأخطر منه زرع الأحقاد بين شعبي البلدين، لا سيما أن هناك سرديات في الخطاب السياسي ظلّت متخفية وخرجت إلى العلن، وأضحى التوتر مكشوفا على غير العادة، منذ حادث الكركرات والاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، بحيث ازدادات حدّة الانفعال في المواقف من طرف القادة السياسيين والعسكريين الجزائريين، وذلك ولّد رد فعل مضاد لدى المغرب بخصوص منطقة القبايل، كرد حجاجي كما عبر عن ذلك رئيس الحكومة المغربي سعد الدين العثماني حينذاك. يعني ذلك أن إثارة المغرب لمشكلة القبايل كانت بغاية التنبيه على خطر الانفصال الذي تدعمه الجزائر في الجنوب المغربي، وليس بغاية التبنّي السياسي للقضية، في محاولة لثني صانع القرار الجزائري إلى تجنب دعم جبهة البوليساريو، بحيث يمكن أن تصير التعددية التي تطبع مجتمعات شمال أفريقيا عامل تفرقة وتجزيء ليس في المغرب وحده، وإنما في الجزائر كذلك، مما يجعل خطاب الوحدة عنصر قوة لدول المنطقة، أما التجزيء فعنصر إضعاف.

صيرورة الأزمة وأبعادها
كانت أحداث الكركرات التي وقعت يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 على حدود الصحراء المغربية وما أعقبها من اعتراف أميركي بسيادة المغرب على صحرائه واستثمار المغرب في ذلك السبب المباشر في تأجيج الوضع والدفع بالتوتر الذي كان متخفيا ومنضبطا بحدود معينة إلى الخروج للعلن في تصريحات متشنجة هنا وهناك، مما يشير إلى أن العلاقة بين الدولتين الجارتين دخلت منعطفا جديدا قد تكون له تبعات سلبية.

في الواقع، لم تكن أحداث الكركرات عادية من حيث أبعادها وبالنظر إلى الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي تحتله المنطقة باعتبارها بوابة المغرب نحو أفريقيا، مما يفسر التدخل المغربي، وللتذكير بالحدث، فقد ولجت عناصر من جبهة البوليساريو عبر المنطقة العازلة بين الحدود الموريتانية المغربية، لينصبوا خياما في نقطة العبور التي تربط المغرب بالعمق الأفريقي، وذلك دفع المغرب إلى التدخل لفض الاعتصام وإزالة الخيام بعد إحاطة الأمم المتحدة بما يجري على موقع يعدّ شريانا للحياة الاقتصادية والتجارية للمغرب، وجسرا يربطه بالدول الأفريقية، وهي الدول التي أضحى التمدد الاقتصادي والسياسي المغربي بها يتمدد منذ عودته للاتحاد الأفريقي، مما يشكل هو الآخر دافعا لاشتداد النزاع.

ما حدث لم يكن مجرد إزالة لخيام على الأرض، إنما حجب إمكانية الدخول إلى المحيط الأطلسي، وربط المغرب لحدوده مع موريتانيا، وذلك يعني التخلص من كل القلاقل التي قد تأتيه من هناك، وإنهاء حلم قيام ما يسمى بـ”الجمهورية العربية الصحراوية”، على طول امتداد المنطقة العازلة ابتداء من تندوف التي تقع داخل التراب الجزائري، فالمغرب عمليا ضيّق مجال التحرك على جبهة البوليساريو، لتبقى شبه محاصرة بعد أن كان ترسيم تسللها قد يجعله محاصرا، ومما يؤكد ذلك هو تمشيطه العسكري لطول الحدود من خلف الجدار، فأضحت جبهة البوليساريو بحق مشكلة تحتاج إلى حل، كونها أصبحت معزولة داخل تندوف، مما يرفع التكلفة لدى الأطراف الداعمة والمحتضنة لها.

إن جزءا من رد الفعل الجزائري الحاد الذي يسعى إلى تصوير المغرب كونه عدوا ويشكل تهديدا، بما يشبه خطاب الحرب الباردة التي تعمل على توظيف سردية تقوم على الحشد النفسي والتعبئة ضد خصم خارجي لصرف النظر عن قضايا رئيسة، يعود في جانب منه إلى إنهاء رغبة تطويق المغرب بترسيم وجود الجبهة الانفصالية كأداة على حدوده الجنوبية، ومن ثم النفاذ والولوج إلى المحيط الأطلسي، وهو ما قد يغير موازين القوى في المنطقة ويؤثر سلبا في المغرب، وفي جانب آخر فإن انكماش البوليساريو في تندوف حوّل الكيان الانفصالي إلى مشكلة داخل الحدود الجزائرية، من دون أن نغفل عن أثر الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء والتحاق دول أخرى بذلك، وهذا يحدث تحولا إستراتيجيا في التموقع المغربي إقليميا على المستوى السياسي والاقتصادي.

مقابل هذه الدوافع والمسارات التي اتخذتها العلاقة الجزائرية المغربية، أو تغذى عليها النزاع، فإن المغرب، باستثناء نقطتين اثنتين مسيئتين لصورة المغرب، يظل نهجه يتسم بالهدوء في تدبير العلاقة، ونقصد بهما مسألة التطبيع وتصريح وزير الخارجية “الإسرائيلي” في ندوة صحفية بحضور وزير خارجية المغرب، الذي أشار فيه إلى الجزائر من الرباط من دون رد من المغرب، ثم إثارة نقطة القبايل في الأمم المتحدة التي أشرنا إلى الغاية منها سابقا، أي تذكير الجزائر بمخاطر الانفصال.

إذا تتبعنا ما يرد على المستوى الرسمي في المغرب، خصوصا خطاب ملك المغرب الذي مدّ فيه اليد للجزائر لطي صفحة الخلاف والتعاون من أجل مصلحة البلدين بما يحقق التقدم، والبرقيات المتعددة في المناسبات الوطنية، فإننا سنجد أن نهج المغرب في علاقته بجيرانه يلتزم الحياد ويتجنب الاضطلاع بالدور السلبي والانفعالات اللحظية، وهذا يعود بالأساس إلى طبيعة النسق السياسي في المغرب الذي يجر خلفه تجربة 3 قرون، مما يعني وعيا إستراتيجيا وذاكرة تاريخية تفيده في تدبير العلاقات وتجنيب البلاد الانزلاق إلى مواجهات مباشرة، وهي الخبرة التي قد تنعدم في الأنساق ذات الطابع العسكري، وربما كان نجاح الحراك الشعبي في الجزائر، أو حسم إشكالية السلطة وعدم الارتهان للجيش على حساب الساسة والمدنيين، فضلا عن تجاوز خطاب يستمد أصوله من أدبيات الأنظمة الشمولية، سيدفع الجزائر كذلك إلى مدّ اليد للمغرب عوض احتضان جبهة البوليساريو.

ختاما.. تحمل التوترات الحالية بين الجزائر والمغرب في طياتها تأثيرات سلبية متعددة ينبغي تجاوزها أو عقلنتها في حدود معينة، منها ما يزرع أحقادا في النسيج المجتمعي للبلدين الذي توحده القسمات والخصائص نفسها، بالإضافة إلى تأثيرها في اقتصاد الدولتين، بل إن حدّة النزاع تحول الإمكانات التي يتوفر عليها المغرب والجزائر من عناصر يمكن أن تسهم في بناء مغرب كبير وفق تطلعات مشتركة للتقدم والنهوض إلى عنصر إضعاف وتفكيك، فضلا عن أن كل محاولات تغذية التجزئة تخدم بشكل ضمني إستراتيجيات الاستعمار، وتعد سقطة أخلاقية لساسة ودول تجمع شعوبها الثقافة نفسها والتاريخ المشترك والمصير.

*باحث سياسي مغربي في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...