هندسةُ الانزياحِ الصامت: بين فائضِ التأويلِ وتماثُلِ الرمزِ في مشاهدِ الشرعيّةِ المتآكلة
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
لا تَنفَكُّ بعضُ المنعطفاتِ السّياسيّةِ تُعيدُ إنتاجَ نَفسِها، غير أنّها، في حالاتٍ بعينها، لا تكتفي بإعادة ترتيب الوقائع، بل تُعيد تشكيل الذوات التي تعبرها.
فحين يتآكل الإحساس بالحظوة والمكانة، ويتراجع الدور من موقع الفعل إلى هامش التلقي، لا يعود الخطاب مجرد قراءةٍ للحدث، بل يتحوّل إلى آليّة دفاعٍ رمزيّ، تُرمِّم ما تَصدَّع في صورة الذات.
هنا، لا يعمل التأويل بوصفه أداة فهم، بل بوصفه تعويضًا عن فقدٍ مُضمَر، حيث تُعاد كتابة الواقع في ضوء ما ينبغي أن يكون، لا ما كان.
حتى أنا ذات يوم جاءني رجلٌ وبيده رَقّ زعَم أنه من جلد غزال، سُطِّر بحبر الزعفران، يضمّ شجرةَ نِسبةٍ تزعم انتسابي إلى رابطة أولاد آيت سيدي ومولاي، وقد أقحَم فيها اسمي ونَسَبي.
ثم خاطبني بمنطق المواثَبة: «تبيّن لنا من أرشيف الضريح أنك من الشرفاء المنحدرين من آل البيت».
فابتسمت وقلت: «هذا شرف لا أدّعيه، وتهمة لا يرمي بها إلا جاهل بالأنساب. أنا عبد الله بن الحاج عبد الكبير بن التوزري بن علي بن الحاج محمد…
فكيف تستقيم لك إعادة صياغة أصولي على هذا النحو؟» حينئذ اختلّ اتِّزانه، وانكشف غرضه: معاملة إدارية يبتغي تمريرها. هنالك تجرّدت الدعوى من ردائها، وتبيّن أن الجهل لا يُصيِّره التزيّي بالوثائق عِلمًا، وأنّ الادعاء إذا طعّم بالحبر لا يتحول إلى حقيقة.
غير أن هذه الطريفة ليست مجرّد نادرة، بل مفتاح لمنوال نظري دقيق يمكن تسميته: اقتصاد الشرعنة الوهمية، أو سوسيولوجيا القداسة المُنْتَحلة.
يُروى أنّ عمر بن الخطاب، غداةَ اجتماعِ السّقيفةِ ومُبايَعةِ أبو بكر الصديق رضيَ اللهُ عنهما، أشار إلى فجوةٍ دقيقة بين القاعدة وروحها، محذرًا من تكرار لحظةٍ جرت على غير نسقٍ مكتمل. لم يكن التحذير موجّهًا إلى النتيجة بقدر ما كان تنبيهًا إلى ما قد يختبئ في طرق تشكّلها. وفي الظلّ، يلوح طيفُ سعد بن عبادة: حضورٌ وازن لم يُترجم إلى موقع، وثقلٌ لم يجد قناته في القرار.
غير أنّ هذا الطيف، حين يُستدعى خارج سياقه، لا يعود مجرد علامة تاريخية، بل يتحوّل إلى مرآةٍ نفسية تعكس قلق الإقصاء أكثر مما تفسّر الحدث.
في هذا المستوى، يتبدّل معنى الانزياح: لم يعد فقط انزياحًا إجرائيًا داخل بنية السلطة، بل انزياحًا إدراكيًا داخل الذات. إذ مع تراجع الموقع، تنشأ حساسية مفرطة تجاه كل تفصيل، فتُقرأ التحولات بوصفها استهدافًا، وتُؤوَّل التعقيدات باعتبارها تدبيرًا مقصودًا. وهكذا يتضخم الفائض التأويلي، لا بوصفه إثراءً للمعنى، بل كعلامة على خلل في التناسب بين الحدث وإدراكه. فحيث يضيق الأفق الواقعي، يتسع أفق الظنون.
ضمن هذا الأفق، يغدو استدعاء الرمز التاريخي آلية إسقاطٍ أكثر منه أداة تحليل: يُستحضر المثال لا لقياس الحاضر عليه، بل لتكثيف شعورٍ دفين بأن ما جرى لم يكن نتيجة توازناتٍ ظاهرة، بل حصيلة تدابير خفية. ومع تكرار هذا النمط، يتشكل نسقٌ مغلق: كل واقعة تُقرأ باعتبارها حلقة في سلسلة، وكل اختلاف يُعاد تفسيره كدليل.
هنا تقترب السردية من حدّ الهلوسة السياسية، حيث تتداخل الرغبة في استعادة المكانة مع بناء عالمٍ تفسيريّ يفسّر كل شيء ولا يُفَسَّر.
ولكي يُفهم هذا التحول ضمن إطارٍ قابل للفحص، يمكن إعادة تركيب النموذج في ثلاث دعائم معدّلة:
1. الانزياح الإدراكي: انتقال الحدث من مستوى الوقائع إلى مستوى الإسقاطات، حيث يُعاد تفسيره وفق موقع الذات لا معطياته.
2. التضخم التأويلي: اتساع شبكة الدلالات بما يفوق قدرة الحدث على الاحتمال، فيتحول التأويل إلى بديل عن البرهنة.
3. التماثل الإسقاطي: استدعاء الرمز التاريخي كمرآةٍ نفسية تُسقط عليها الذات شعورها بالفقد، بدل أن يكون أداة مقارنة معرفية.
بهذه البنية، لا يعود السؤال عن الحدث في ذاته، بل عن الكيفية التي يُعاد بها إنتاجه داخل الوعي. إذ حيث يتراجع التوازن بين المكانة والإدراك، يتقدّم وهم النسق على نسق الواقع، ويغدو الخطاب حبيس دائرةٍ تفسّر كل شيء بقدر ما تُغلق كل إمكانٍ للفهم.
وهكذا لا يعود المعنى صدىً للوقائع، بل صدىً لفراغٍ يسعى إلى الامتلاء؛ رنينًا حادًا، لكنه صادرٌ من الداخل أكثر مما هو مستجابٌ له من الخارج.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





