مصعب البدور
لم تقف الحداثة عند بعض الممارسات اليومية من خلط اللغة العربية باللغة الانجليزية في الحياة اليوميّة، ولا عند شرب القهوة والتأمل بفنجانها والحديث عنها بإفراط، أو مشاركة صورة عبر مواقع التواصل في أحد الشوارع المشهورة، بل صار للحداثة عناوين جديدة تجاوزت هذه الشكليات، فصيحات الموضة لا تنحصر في الأزياء بل تتعداها وصولا إلى الخطوط الحمراء .
ففي ظل الانفتاح غير المسبوق في تاريخ العالم، وتداخل الحضارات، وتنافر بعض الثقافات وتآلف بعضها، وفي ظل انسلاخ الكثيرين عن ثقافاتهم الأصيلة ذات العمق التاريخي والرقي الحضاري، ظهرت صيحات كثيرة عند الحداثيين العرب، تلفت الأنظار وتثير التعجب والاستغراب.
ما أسهل الطرق لتنضّم إلى صفوف الحداثيين ؟
إذا كنت تريد أن تكون من حداثيي الوطن العربي فما عليك إلا أن تردد معهم واحدة من الصيحات التي يقضون أيامهم بتسويقها والتحدث عنها ولنبدأ بأول الصيحات
” الإسلام دين الوحشيّة” فهو عند الحداثيين دين دموي ويحضّ على خطاب الكراهيّة الدينية والتمييز بين الذكر والأنثى وبين المسلم وغير المسلم، ولا تنس هنا أن تشارك الحداثيين في الدفاع عن الأديان الأخرى لكي يعتقد الجميع أنك متزن وصاحب طرح وسطي، وناقش مصير الناس في الدار الآخرة فكل أصحاب الديانات سيكونون في الجنّة من وجهة حداثيّة، فأصحاب الديانات عند الحداثيين أصحاب ذوق وصدق وخلق- باستثناء المسلمين- والله لن يظلمهم .
ولا يمكننا تجاهل رفض الحداثيين لبعض المصطلحات ومنها مصطلح كافر، فهذه شتيمة وكلمة همجيّة وعدوانية، فالله للجميع وليس حكرا على أحد – بغض النظر عن إذا ما كان واحدا أو ثلاثة أو كان خالقا كاملا أم حجرا مُصنّعاً -، ولا يخدعنّك علماء العقيدة إذا قالوا لك أن الكفر مصطلح قرآني عقدي يبين حدود الإسلام ويضبط عقيدته، وأنّ الكفر ليس سبة أو تهمة، فالحداثي هو بذاته عالم في كلّ شيء حتى لو كان لا يحسن القراءة والكتابة.
ولا تفوت الفرصة الحداثيّة في وضع قوانينك الخاصة للتعامل مع الأديان، فالعربي الحداثي يرفض التعامل مع غير القرآن وإن كان لا يحفظ شيئاً منه، أو لا يجيد قراءة الفاتحة بشكل صحيح، وإن كان لا يفهم آية على وجهها لكنه مصرّ على التعريض بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، والتعليق عليها، ولا يترك علوم الشريعة دون انتقاد وانتقاص منها لأن الحداثيين لا يقبلون أي فهم للتشريع غير فهمهم.
العقليّة الدولية صيحة حداثيّة متميّزة :
لم يتوقف الحداثيون عن إنتاج المصطلحات الجديدة وتسويقها، فالبداية كانت (الانفتاح) ثم (حوار الأديان) ثم وصلنا إلى (العقليّة الدوليّة ) والتي تنادي بأن الإنسان متحرر من كل قيد، فلا يوجد ما يدعى قيود دينيّة كالحلال والحرام، ولا يقبل الحداثيّ قيود المجتمع كالعادات والتقاليد، فالدين والعادات بالنسبة للحداثي قيود تمنع من انخراطه بالبشرية، وتحد من التعايش الإنسانيّ، والعقلية الدولية المتحررة من القيود الموروثة ثقافتها إباحة، وتقدمها عريّ، وحريّتها تعاطٍ للمخدرات ومعاقرة للخمور، وهذا سبيلها لنتساوى جميعًا في الغريزية التي سبقتنا إليها الحيوانات.
المرأة صيحة حداثيّة حساسة :
لا يخفى على أحد اليوم أنّ المرأة أيقونة الحداثة والحياة، وتراها تُقْحَم في كل مكان حتى على عُلب الكبريت، وعبّوات طلاء السيارات، وعلى آليات الحفر وشقّ الطرق، ولأن المرأة رمز الجمال عند الحداثيين فلا بد أن ترى أجمل ما فيها، وأجمل ما فيها لا يتمثل في قيمة الأنثى مكمّلة المجتمع أو في قلبها أمّا أو زوجة أو أختا بل وهو عند الحداثيين جسدها المجرد من كل ساتر، نعم تبرز قيمة المرأة عندهم مع ما يظهر من جسدها فالمرأة كما يرون تكون أكثر تطورا عندما تكون أقل ثيابا فالعلاقة بين الستر والتطور علاقة عكسية عندهم.
وهنا ترتسم مسألة غاية في الأهمية وهي الحريّة فالحداثي يكثر الحديث عن الحريّة والتحرر، فهو يقدر حرية زوجته وابنته وأخته في اختيار الظهر المكشوف أو ما يقصر عن الركب، ويحترم أي اختيار مشابه من حيث المبدأ وإن اختلفت طريقة العرض، لكن الحرية لا تمنح لمن اختارت حجابها ولباسها الشرعي، فهذه لا حرية لها ولا تقدير لرأيها، وهي مرغمة مقهورة مجبورة، فالحداثي لا يتخيل أن يجد امرأة تخاف الله وتطيع أمره، تقهر هواها وتخبت لأمر خالقها.
نتائج حداثية
تَلْفِتُ نتائج الصيحات الحداثيّة الأنظار فهي نتائج مبهرة ولا نظير لها، فبعد مناقشة كثير من القضايا وجدنا أن للحداثة العربية منجزات يصعب حصرها على شخص واحد وتحتاج إلى فريق لحصرها وعدّها، نجمل منها وجود اثنين وعشرين دولة عربية لها حدود وهميّة ، وجود أغلب دول الوطن العربي في ذيل قافلة الاقتصاد العالمي، وكذلك وجود جيل لا يعرف عن هويته الحضارية وأبعادها التاريخية والدينية أي شيء .
لا تتردد في كتابة النتائج التي شاهدتها أنت لربما لم أستطع مشاهدتها.





