د. التجاني بولعوالي
كلية الإلهيات والدراسات الدينية
جامعة لوفان – بلجيكا
مقدمة
تشكل المواطنة عاملا موحدا لمختلف شرائح المجتمع ومكوناته، التي يجعلها محكومة بالتناغم واالتفاعل والتقارب، لا التنافر والتشتت والتباعد، لاسيما إن هذه القيمة الأخلاقية والاجتماعية تنطوي على إمكانيات هائلة وعجيبة، إذا تم استثمارها بشكل عقلاني ومتوازن سوف تترتب عنها نتائج محمودة للشعب والأمة والبيئة.
وما أحوج المجتمعات الإنسانية اليوم إلى هذه القيمة التي تضع جميع مكونات المجتمع وشرائحه على قدم المساواة، وتعامل الكل من منطلق المواطنة العادلة لا التوجه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ومن شأن ذلك أن يرد الاعتبار خصوصا للشرائح المسلمة والأجنبية المستقرة في المجتمعات الأوروبية والغربية عبر كسر الثنائيات العنصرية التقليدية الأنا/الآخر، النحن/الهم، المتحضرون/البرابرة، ويبدد أو يخفف وطأة التمركز الغربي عبر منح فسحات مناسبة للهوامش قصد التعبير عن وجودها التاريخي والحضاري.
لقد أدرك الكثيرون؛ مؤسسات وأفرادا الأهمية القصوى لمسألة المواطنة، لاسيما في زمن النكوص الاجتماعي والتردي الأخلاقي والطغيان السياسي، فراحوا يلتمسون الحلول والبدائل في هذه القيمة الجوهرية، التي صارت اليوم حديث مختلف النوادي التربوية والدينية والاجتماعية والسياسية والإعلامية. وقد تمت تنمية قيمة المواطنة وتطويرها من مجرد مفهوم صوري إلى منهج عملي يحضر في مختلف المؤسسات التربوية والاجتماعية والسياسية.
ونركز في هذه الورقة على السبق التاريخي الإسلامي في إرساء قيمة المواطنة وفق التوجيه القرآني وفي ضوء الهدي النبوي، في زمن كانت تسود فيه العالم الجاهلية الأخلاقية والضلال الروحي والظلم الاجتماعي. بالإضافة إلى التطرق لأهم المحطات التاريخية للمواطنة في أوروبا والغرب، منذ العهد الإغريقي إلى اليوم، مع مناقشها من المنظور الإسلامي.
سبق تاريخي إسلامي
إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها ونحن نقارن بين قيمة المواطنة في الإسلام ولدى الغرب، هي أن هذا المفهوم قطع أشواطا طويلة ومتنوعة في الغرب قبل أن يبلغ الدرجة التي هي عليه، في حين أنه ولد في الإسلام مكتملا، وهو يستمد روحه ومبادئه من نصوص الوحي وأحاديث النبوة، التي كثيرا ما تتمحور حول المواطنة الصالحة والحسنة، وتخطط لمجتمع مثالي يحضن كل مواطنيه دون تمييز أو إجحاف، حيث الجميع سواسية كأسنان المشط.
وقصد استيعاب الفهم الغربي لمسألة المواطنة لا مناص من التطرق إلى أهم الأطوار التاريخية والمعرفية التي مرت بها منذ العصر اليوناني إلى اليوم (باتريكا براندر، 2001)، مع مناقشتها من وجهة النظر الإسلامية.
جذور إغريقية للمواطنة
كان المواطنون في المجتمع اليوناني القديم هم الفئة الاجتماعية التي يُخول لها القانون المشاركة في شؤون الدولة، غير أن الجميع لم يكن يتمتع بصفة “مواطن”، خصوصا العبيد والنساء الذين اعتبروا رعايا ومواطنين من الدرجة الدنيا، ويمكن أن نستحضر في هذا الصدد تشبيه الفيلسوف أفلاطون مجتمع “دولة المدينة” بأنه بمثابة جسد ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: أولها الرأس الذي يحمل العقل أو بتعبيره الاستعاري الرأس بكونه كرسي العقل (اللوغوس)، وثانيها الصدر الذي تنبع منه الطموحات والعواطف السامية والنبيلة (التيموس)، وثالثها الأطراف السفلى من الجسد حيث توجد العواطف الدنيا والمنحطة (الإيروس). يمثل الجزء الأول من الجسد الاجتماعي أصحاب العقول وهم الفلاسفة، أما الجزء الثاني فيمثله ذوو الأخلاق النبيلة وهم حراس دولة المدينة، في حين يمثل الجزء الثالث الجماهير العادية من الشعب، (وليان شخينكل، 2008).
في مقابل هذه الوضعية العنصرية، رسّخ الإسلام منذ ظهوره مبدأ المساواة بين الناس كافة، وعدم التمييز بين الرجل والمرأة، بل وحفز الإسلام المجتمع على تحرير الإنسان من الاستعباد، فأقر القرآن والسنة حكم تحرير رقبة العبد من الاسترقاق في مختلف المناسبات، كما هو الأمر أثناء إعطاء زكاة الأموال التي يمكن تخصيصها لعتق الرقاب، {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ}، (التوبة:60).
بين المواطنة والهوية الوطنية
سادت هذه الرؤية طويلا لدى الأوروبيين، حيث تنامت النزعات القومية والوطنية، التي ظلت ترهن المواطن بالمجال الترابي الذي يستقر فيه، وتشحنه بالعصبية الجاهلية والعرقية الضيقة، ما فسح المجال أمام الصراعات المريرة بين مختلف الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية. ولعل أهمها ما يعرف في التاريخ الأوروبي بالحروب الدينية المسيحية التي نشبت في القرنين السادس عشر والسابع عشر بين الكاثوليك والبروتستانت، واستغرقت أكثر من 130 سنة، سادها قتال شرس عمّ معظم الإمبراطوريات والدول الأوروبية، توقف بشكل نسبي عقب عقد اتفاقية مونستر عام 1648، (هانك فروم، 2003).
على العكس من ذلك تماما، يركز الإسلام في قضية المواطنة على البعد الديني الجامع، الذي يتخطى الإحداثيات الجغرافية ليوفق بين الشعوب المسلمة أينما كانت، وكيفما كانت، ما يعني أن الإسلام يرفض ذلك التشبث الأعمى بالهوية الوطنية بالمفهوم الغربي الضيق، ويدعو إلى ما هو أوسع من ذلك، وهو مفهوم الأمة الذي يستوعب المسلمين كلهم أجمعين، بغض النظر عن انتمائهم العرقي ولون بشرتهم ولغة حديثهم وتموقعهم الجغرافي، وهذا ما يشدد عليه القرآن الكريم بشكل واضح: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، (الأنبياء:92).
من البعد الليبرالي إلى البعد الاجتماعي
بدأت إرهاصات البعد الليبرالي للمواطنة تبزغ منذ القرن التاسع عشر، وتحديدا عقب اتفاقية مونستر، حيث انصب التركيز على مصالح المواطنين، على اختلاف شرائحهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم، الذين أصبحوا يتمتعون بالحقوق السياسية والانتخابية. ولعل ذلك يشكل قفزة نوعية في التاريخ السياسي والفكري الأوروبي، الذي كانت قد مهدت له فلسفة عصر الأنوار، التي ما هي إلا ثمرة لما غرسه العلماء والفلاسفة المسلمون. غير أنه كما يكشف فيلسوف الدين الهولندي هانك فروم ظل تنزيل بنود معاهدة مونستر على أرض الواقع نسبيا، لأن حاكم أو أمير كل منطقة أو دولة كان يسود البلاد في إطار ما تقرره تعاليم كل دين، وهذا ما لم يكن أبدا في صالح الأقليات الدينية الأخرى.
وانطلاقا من القرن العشرين سوف ترتفع أصوات تقول بأن الحقوق المدنية والسياسية ما هي إلا جزء مما ينتظره المواطنون من الدولة، لأنه فضلا عن ذلك، هناك حقوق جوهرية تتعلق بتحسين ظروف العيش والعمل. وقد ترجمت هذه المطالب منذ منتصف القرن العشرين في شكل مواثيق عالمية مشتركة تصدرها منظمات دولية، تأتي منظمة الأمم المتحدة على رأسها.
وقد سجل المسلمون أيضا السبق التاريخي في هذا المجال منذ قرون طويلة، لاسيما أثناء مرحلة حكم العمرين رضي الله عنهما؛ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، اللذين طبّقت عدالتهما الآفاق، فذاق عسيلتها الداني والقاصي، المسلم وغير المسلم. ولعل العهدة العمرية التي وجهها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل إيلياء أثناء فتحه التاريخي للقدس تظل خير شاهد على قيمة المواطنة، التي جاء بها الإسلام في سياق كان محكوما بالظلم والاستبداد والهمجية.
التربية على المواطنة
أصبح هناك اليوم نوع من الإجماع على أن المواطنة ليست مسألة فطرية، وإنما تُكتسب بالتعليم والتربية، لذلك عملت الكثير من المؤسسات البيداغوجية الأوروبية والغربية على إدخال مسألة المواطنة في البرامج التعليمية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى الأنموذج الهولندي الذي اعتمد المواطنة، بصيغة رسمية في المناهج الدراسية منذ عام 2006، حيث يتم التفريق بين المواطنة بكونها نتيجة والمواطنة باعتبارها ممارسة.
يُركز في المقام الأول على المعارف والأدوات التي يكتسبها الطالب أثناء الدراسة، ليستثمرها فيما بعد بكونه مواطنا في المجتمع. أما في المقام الثاني، فيساهم الشباب في الحياة الاجتماعية، ويتعلمون كيف يكونون مواطنين من خلال المشاركة في مختلف الممارسات الاجتماعية والثقافية داخل الأسرة، في وقت الفراغ، في العمل، في المدرسة وغير ذلك، حيث يتم التفاعل مع الآخرين (خيرت تن دام، 2010).
لقد سبقت الإشارة إلى أن المواطنة ولدت في الإسلام مكتملة، ليس على المستوى النظري فقط، بل على صعيد التطبيق والتنزيل الواقعي أيضا، لاسيما أثناء المرحلة النبوية والخلافة الراشدة، حيث تم إرساء دعامات المجتمع الإسلامي الأنموذج، الذي كان متميزا سواء عن المجتمع الجاهلي المحلي أو عن المجتمعات الأجنبية الرومية والفارسية، فظهرت لأول مرة في تاريخ الإنسانية مفاهيم الكرامة، المساواة، العدالة، الشورى وغيرها، التي تشكل اللبنات الأساسية لمسألة المواطنة، ليس في ذلك الزمان والمكان فقط، بل عبر كل الدهور والجغرافيات. وهذا ما يسري، بشكل أو بآخر، على مسألة المواطنة كما يُنظّر لها اليوم في مختلف البلدان الغربية.
مواطنة غربية بروح إسلامية!
نقترح في هذا الباب وثيقة رسمية حول ما يطلق عليه “المواطنة المسؤولة”، أصدرتها وزارة الداخلية الهولندية عام 2009، وقد دبّجتها بالفقرة الآتية:
“نحن نتمتع بحقوق، لكن في الوقت ذاته نخضع لقوانين، ونسعى إلى حياة مستقلة، ولا مجال هنا للنقاش. بالإضافة إلى ذلك، توجد قوانين، آراء وسلوكات غير مقننة بواسطتها نساهم جميعا في صياغة المجتمع. هذه العناصر التي تتركب منها المواطنة المسؤولة تعتبر مفتاح المجتمع الحيوي والديمقراطية الجيدة. إن المواطنة بهذا المعنى، لا تقتصر على الخضوع أو الجرأة، وإنما تتضمن عناصر الموقف النقدي والمواجهة البناءة، وأثناء النقاش حول المجتمع في هولندا يشكل تأهيل وتعضيد التعايش أهم منطلق”. (وزارة الشؤون الداخلية الهولندية، 2009).
تتأسس هذه المواطنة المسؤولة، حسب هذه الرؤية الهولندية الرسمية، على أربع دعامات جوهرية هي: الاحترام، التكافل الاجتماعي، حماية البيئة وتأهيل آلية الديمقراطية، حيث تم شرح كل عنصر على حدة، كما يتحدد من خلال الاقتباسات الآتية:
الاحترام: وينبني على مبدأ الكرامة الإنسانية باعتبارها توفر مناخا من الاحترام المتبادل للذوات والمواقف والحقوق والممتلكات الاجتماعية، مع الوعي العميق بتأثير سلوك الإنسان على الآخرين.
التكافل الاجتماعي: الذي يحفز شعور الأمن والطمأنينة، ويرسخ قيم التقارب والاعتناء المتبادل التي تعضد التكافل الاجتماعي من جهة، والارتباط سواء فيما بين الناس أو فيما بين الناس والمحيط من جهة أخرى.
حماية البيئة: ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار المحيط والطبيعة، ونعتني بهما دون إهدار وتبذير، حتى لا نحرم الأجيال القادمة من حقها في ذلك. لهذا، يتحتم علينا أن نكون في خياراتنا وسلوكاتنا واعين بالمستقبل.
تأهيل آلية الديمقراطية: الديمقراطية تعتبر مكسبا يجب تثمينه، حيث يحق للجميع أن يساهم في هذا المسار، ليس بنيل الحقوق فقط، بل بالمحافظة على هذا المكسب أيضا.
بناء على ما جاء في هذه الوثيقة الرسمية من أفكار تعتبر المحددات الجوهرية لمسألة المواطنة في الغرب عامة، يظهر أنها لا تختلف كثيرا عن الرؤية الإسلامية العامة لهذه القضية، حيث كرم الله تعالى الإنسان غاية التكريم، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}، (الإسراء:70). وتسامح مع غير المسلمين الذين ضمن لهم القانون الإسلامي مختلف الحقوق المدنية والدينية والاجتماعية، كما هو منصوص عليه في العهدة العمرية وغيرها من الاتفاقيات التاريخية. كما رسّخ الإسلام مبدأ التكافل الاجتماعي الذي صان حرمة الفقراء والمساكين والمحتاجين، ودعا إلى التعاون والتضامن بين مختلف فئات المجتمع، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، (المائدة:2) دون أن يغيب المحيط الذي هو بمثابة المأوى الطبيعي للإنسان، فحث على حماية البيئة والرفق بالحيوان ونظافة المحيط وما إلى ذلك. ولن تتحقق هذه الأمور إلا في ظل مجتمع متوازن ومنفتح تحكمه العدالة والمساواة والشورى، {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، (الشورى:38).
خلاصة
إن المواطنة أصبحت تشكل اليوم أهم قيمة يتقاطع فيها ما هو اجتماعي وأخلاقي وسياسي، وتشترك فيها مختلف الفلسفات والثقافات والأديان، فهي ليست ثمرة الديمقراطية الغربية، كما تدّعي بعض النظريات الفكرية والفلسفية الغربية، بل نتيجة واقعية للحاجة الوجودية لدى الإنسان في العمران البشري بالمفهوم الخلدوني، فرغم إن محدد الصراع يظل حاضرا في العلاقات الإنسانية، ليس فقط من أجل النفوذ الترابي بالمفهوم القديم للاستزادة من الماء والكلأ والأرض، ولا من أجل التوسع الاستراتيجي بالمفهوم الحديث للتحكم في الاقتصاد والمال والإعلام، بل من أجل الحق/الحقيقة الذي هو مدار الأسطورة والفلسفة والدين والقانون، فهذه الحقول المعرفية على تباين منطلقاتها وآلياتها تسعى كلها إلى إقرار الحق وادعاء الحقيقة. وهذا ما كان يقتضي عبر الأزمنة والأمكنة إشعال فتيل الصراعات وتأجيج الحروب، إلا أن ذلك لم يحجب رغبة الإنسان الدفينة في التقارب والتعايش والاجتماع، إذ يشهد التاريخ الإنساني على التقاء الحضارات وتداخل الثقافات وتمازج الشعوب في غير ما مرحلة أو منطقة. واليوم قد تهيأت مختلف الأسباب الثقافية والسياسية والاقتصادية والتواصلية لأن يجتمع الناس من شتى الثقافات والهويات والأعراق في مجتمع واحد تحكمه قيم العدالة والديمقراطية والمواطنة. وكلما شكلت المواطنة إطارا أخلاقيا منظما لعلاقات الناس فيما بينهم على اختلاف أروماتهم ومعتقداتهم ومشاربهم، تبددت غمائم الخوف المتبادل بين مكونات المجتمع الواحد، وتلاشى القلق الوجودي الذي يقف حائلا بين الذات والآخر، بين المتحضر والبربري وبين الغرب والإسلام.





