فزاعة الإسلام “السياسي” في أوروبا سخافة الإتهامات وعبثية الصراع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو

 

 

جرت العادة في الدول الأوروبية والغرب عامة على اتهام جماعات الإسلام الحركي أو المنظمات و الهيئات ذات المرجعية و الصبغة الدينية المستمدة نهجها من تراث الفكر الإسلامي والتي تنشط في أوروبا ، حيث دأبت السلطات والنخب والمثقفين ووسائل الإعلام على إضفاء مصطلح “الإسلام السياسي” على أنشطة هذه الحركات ، مختزلة أعمالها التي هي عبارة عن مجموعة متعددة ، منها ما هو نشاط اجتماعي تربوي، و ثقافي تعليمي ، و تنموي اقتصادي ، وكذلك لها الحق في المشاركة السياسية و عملية تدبير الشأن العام الذي تكفله دساتير هذه الدول التي تدّعي إفساح المجال وتهيئة مناخ الحرية والديمقراطية دون تمييز أو إقصاء ، أو اتهام أو إلغاء ، ما دامت تكفُل لجميع المواطنين حرية الإختيار لممثليهم طبعا تحت مظلة القوانين المنظمة لتكوين الجمعيات والأحزاب وكل هيئات المجتمع المدني التي تعمل بشفافية ووطنية من أجل المنفعة والصالح العام لجميع المواطنين والرعايا والأقليات متمتعة بالحرية الديمقراطية والتعددية السياسية ، ومراعية لمبادئ المواطنة الإيجابية من جانب المساواة والعدالة الإجتماعية، وبدون امتيازات فئوية أو استعلاء ثقافي أو ديني .

– رسوخ مبادئ الديمقراطية والحرية في روح الإسلام

حتى الآن تظل الديمقراطية هي أنجح وسيلة لتحقيق حقوق الإنسان ومشروع الحركة الإسلامية الفاعلة يعتبِر الديمقراطية تعايشا سلميا بين كل فئات المجتمع وتبادل السلطة فيه سلميا ودستوريا والمساواة بين الناس في تطبيق القانون أو في ممارسة الحقوق والحريات .. والحرية في حد ذاتها قيمة إسلامية ملزمة كفلتها الشريعة الإسلامية وحفظتها لكل بني البشر من السلب أو التعرض لها بالظلم والإعتداء كما حفظت المقاصد الخمس، ومن أجل بقاء حريات الناس محفوظة ومستمرة حرم الإسلام الإكراه بكل صوره ، إلا إذا كان إكراها بحق، وجعل للمكره أحكاما خاصة مراعاة لهذا المعنى.
كما حرم تقييد حريات الناس، ظلما وعدوانا، وجعل الظلم هو الشيء الوحيد الذي حرمه الله تعالى على نفسه: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. ولا أدل على ذلك من كلمة عمر بن الخطاب التي خاطب بها عمرو بن العاص يوما، فقال له:

“متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.
ويقول العلامة الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة: “ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: (الشارع متشوف للحرية) واستقراء ذلك واضح من تصرفات الشريعة التي دلت على أن من أهم مقاصدها إبطال العبودية وتعميم الحرية ، و دأب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام دل بها عن إبطال العبودية بوجه عام وتعويضها بالحرية”. كما يقسمها ابن عاشور إلى أربعة أقسام “حرية اعتقاد -يقول عنها إنها أوسع الحريات دائرة- وحرية التفكير ، وحرية القول ، وحرية الفعل”.

– تطبيق الحدود في الشريعة أحد مغذيات الإسلاموفوبيا

يلوذ المناوئون لمشاركة الحركات الإسلامية في تدبير الشأن العام إلى استخدام فزاعة الشريعة لتخويف الناس من ثقافة المسلمين الأصولية من أنهم إذا تمكنوا من أخذ الفرص في تمرير وتثبيت قوانينهم وأعرافهم بحيث تهدد مبادئ الحرية والليبرالية والحداثة وتعود بهم إلى الظلامية والبربرية مثل إقامة الحدود كالرجم والجلد وقطع الأيادي والرؤوس ، سبق أن ناقشني أحد الأساتذة الإيطاليين في مسألة قطع يد السارق فقال مازحا: “إذا طُبّق هذا الحد في إيطاليا فحتما سَيصير نصف الإيطاليين مبتوري الأيادي”. أجبته قائلا و مُطَمْئنا: “أن هذه العقوبات القانونية هي عقوبات رادعة أكثر بكثير من كونها عقوبات تنفيذية ، و هي تمثل في الشريعة الإسلامية ما نسبته 10 بالمائة تقريبا من أحكام الشريعة” .. و مع ذلك فقد استحوذت على كل اهتمام المحللين والمتابعين مما يعطى انطباعا بأن هذه القوانين والعقوبات الرادعة هي كل الشريعة. والدارس المتعمق لهذه القوانين يجد أنه كلما ازدادت قوة الردع في القانون ازدادت قيمته في حفظ تماسك المجتمع و صونه و احتمال إصلاح المجرم. و الأصل في الإسلام أن كل شيء مباح إلا ما حُرم بنص قطعي الدلالة والمحرمات معلومة ومحددة.

– حرية المرأة وحرية الإعتقاد ونهج العنف تهم لاصقة بالإسلاميين

لاشك أن هناك صور بئيسة وأفكار نمطية وأحكام مسبقة تدفع بالذين يتصدون لهذه الاتهامات أن ينطلقوا من موقع الدفاع عن النفس لأنه غالبا ما تُتهم الحركات الإسلامية بهذه الأفكار الرمادية والتوصيفات الحصرية ، ولابد من جهد أكبر ليتمكنوا من تصحيحها عند الدارسين والباحثين في أوروبا و للوقوف عند معرفة الرؤى الكاملة لخطاب الجماعات الإسلامية أثناء مزاولتها لنشاطها الحركي والسياسي، موضوع حرية المرأة في الإسلام واضحا وقد سبق كل الحضارات بما فيها النهضة الأوروبية في إعطاء المرأة الحق في المشاركة في توجيه حركة المجتمع وتولي المناصب مثلها مثل الرجل، و نذكر هنا أن المرأة في أوروبا مثلا لم تنل حق التصويت إلى بعد الثلث من القرن العشرين ففي إسبانيا عام 1933، وفرنسا في عام 1944، وإيطاليا في عام 1946، واليونان في عام 1952، و موناكو في عام 1962، وسويسرا في عام 1971.

ومشروع الإسلام الحركي الإصلاحي يحمل للمرأة دورا كبيرا في التنمية والتقدم (المرأة الإنسان) التي هي نصف المجتمع و تربي النصف الآخر ، المرأة الطبيبة والمعلمة والمهندسة .. و مسألة حجاب المرأة في الإسلام يدور فقط وفق مفهوم الاحتشام فهو لا يغطى عقلها ولا شخصيتها ولا إنسانيتها، بل يُشعرها بكامل الحرية في التصرف في جسدها ومفاتنها.
و يؤكد الإسلام على الحق الكامل للمرأة في إدارة شؤون الأسرة مع زوجها عن تراض وتشاور بينهما كما يذكر القرآن الكريم.

أما حرية الإعتقاد فالقرآن يقر المبدأ الواضح من هذا الحق وهو “لا إكراه في الدين”. “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وهي أهم الحقوق في المجتمع المسلم بل ويكفل حرية التعبد لغير المسلمين ومبدأ التعايش على أساس المواطنة حتى يستطيع هذا المجتمع أن يعيش متماسكا بغض النظر عن الدين أو المذهب أو اللون في ظل دولة العدل والمساواة والقانون.
أما إذا انتفى العدل وتفشى الظلم وغابت قيمة التسامح وحل محله العنف الذي فضلا عن أنه يتناقض مع مبادئ ومناهج الإسلام فهو أيضا ضد مصلحة المسلمين، وفهمهم الصحيح للإسلام يجعلهم يثقون كل الثقة بالطبيعة الإنسانية وبقدرة الإسلام على التفاعل الخلاق مع هذه الطبيعة في أجواء الحرية والتنافس الديمقراطي الذي يحترم التنوع و التعدد و الاختلاف في السعي نحو بناء مجتمعات جديدة.

وهنا لابد من شرح واضح لمصطلحات العنف والإرهاب، والفرق بين المقاومة للباغي والغاصب المحتل، وبين الترويع و التفزيع و سفك الدماء البريئة . والمطلوب حقيقة من الغرب الذي يتهم المسلمين، عليه أن يتطهر هو تاريخيا وحاضرا من العنف والحروب وعليه إعلاء قيم التسامح والسلام.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...