وزير الصحة المغربي يثير الجدل بشأن جواز التطعيم ضد فيروس كورونا….”الأقلية ليست مَن ستفرض رأيها علينا”
ماجدة أيت لكتاوي
بعدما أثاره قرار إلزامية جواز التطعيم في المغرب لولوج الأماكن العامة والمطاعم والمقاهي من جدال، حيث أخرج الآلاف من المغاربة للاحتجاج في عدد من المدن المغربية، كشف وزير الصحة المغربي، خالد آيت الطالب، أن الجواز “لم يُعتمَد ليُقيّد المواطنين، بل على العكس من ذلك”، موضحاً أنها “وثيقة رسمية سوف تؤدي دوراً محورياً في السماح للأشخاص الذين تلقوا لقاحاتهم باستئناف حياة شبه طبيعية”.
وأكد الوزير على ضرورة جواز التطعيم بالقول إن “الحفاظ على المكتسبات التي حققها المغرب علاقة بعملية التطعيم الناجحة، يجب معها الحفاظ على الإجراءات الاحترازية والتَّباعد وارتداء الكمامات وكذلك التوفر على جواز التطعيم لأنه وثيقة تحمي الناس عند الولوج لمكان معين”.
المغاربة.. أغلبية وأقلية!
وزير الصحة، وخلال حديثه في جلسة الأسئلة الشفهية في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان المغربي) أكد أنه من اللازم “حماية الأغلبية أكثر من الأقلية، لأن هذه الأخيرة ليست مَن ستفرض رأيها علينا، لأنها تضم الرافضين ومَن لهم موانع ومن يخضعون للاستشفاء”، وفق تعبيره.
وكشف آيت الطالب أن عدد المغاربة المستفيدين من جرعة واحدة على الأقل بلغ 24 مليوناً و233 ألفاً و292 مستفيدة ومستفيداً، أي ما يزيد عن 64 في المئة من العدد الإجمالي للسكّان. ومن بين هؤلاء 22 مليوناً و97 ألفاً و957 شخصاً محصّناً بالكامل (أي بجرعتَين)، بنسبة تزيد عن 57.6 في المئة من العدد الإجمالي للسكّان (نحو 36 مليوناً و900 ألف نسمة)، إلى جانب مليون و434 ألفاً و692 مستفيدة ومستفيداً من الجرعة الثالثة التعزيزية.
وأبرز الوزير أن المملكة المغربية في حاجة إلى أقل من خمسة ملايين محصن ضد كوفيد-19 حتى تتمكن من بلوغ المناعة الجماعية.
وقال المسؤول الوزاري في تصريحات للصحافة أعقبت جلسة البرلمان: “إن عملية التطعيم ناجحة في المغرب والجميع يُشيد بها على الصعيدين الوطني والدولي، ومن اللازم أن نُكلِّل هذا النجاح، بما أننا وصلنا لأزيد من 24 مليون مستفيدة ومستفيد، و21 مليون متلقٍّ للجرعة الثانية، ممن يمثلون نسبة عالية ومحترمة”، معتبراً أن الأقلية هي التي بقيت دون تلقيح ضمنها شرائح تعاني المرض، لافتاً إلى أن هذه الشريحة تم إيجاد حلول لها من خلال الحصول على شهادات والتَّمتع بنفس امتيازات الملقَّحين”.
وأضاف وزير الصحة أن لا شيء يمنع من أن يكون جواز التطعيم سلوكاً حضارياً يستطيع أي مواطن تقديمه بشكل تطوعي حين يرغب في الاستفادة من الخدمات، والغاية هي الحفاظ على المكتسبات منعاً للبؤر التجارية والسياحية والحفاظ على اليد العاملة، وأضاف: “نتحدث عن حقوق من لا يملك جوازاً لتلقيح، لكن من سيتكلم عن الأغلبية الملقحة؟”.
مرض «بهجت».. لا يمكنني أخذ اللقاح
“على الرغم من إصابتي بمرض “بهجت” النادر، إلا أنني توجهت طواعية لتلقي أولى جرعات اللقاح”، تحكي (وفاء س.) “حين سألني الممرض إن كنت أعاني من أي مرض أو أتناول الأدوية، شرحت له حالتي، فوجهني صوب طبيب عسكري أخبرني بالحرف أنه ممنوع اللقاح في مثل حالاتي لأن هناك من أصيب بالعمى بعد الجرعة الأولى، وقرر أن يمحو اسمي من اللوائح حتى يرفض جميع المراكز تلقيحي بسبب خطورة الأمر على صحتي، فيما وجَّهني صوب طبيبي المعالِج من أجل أن يمنحني وثيقة طبية تقوم مقام جواز التطعيم، وهنا بدأت المشكلة”.
وكشفت الشابة المغربية التي تعاني هذا المرض النادر منذ كانت في الـ 14 من عمرها، أن طبيبها المعالج رفض منحها الوثيقة، “أخبرني أنه لا يستطيع اتخاذ هذا القرار من عدمه، وأنه بإمكاني التطعيم دون أن يتحمل أي مسؤولية، فيما قمت بالاستشارة مع طبيبين آخرين أثق في رأيهما أحدهما طبيب عيون، فجاءت إجاباتهما متناقضة تماماً ما وضعني في حيرة من أمري، ولم أستطع اتخاذ القرار الذي يصبّ في مصلحة حالتي الصحية إلى الآن”.
مصدر طبي، رفض الكشف عن هويته أن الأطباء يتخوفون من منح مرضاهم وثائق تعفيهم من تلقي اللقاح، مخافة أن يتم اعتبارهم ضد التطعيم أو مشككين في جدواه، ما يمكن أن يعرضهم للمساءلة أو المشاكل مع الوزارة”، على حد قوله.
الحقوق والحريات للجميع
مصطفى كرين، طبيب ورئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، فضل أن يعلق على تصريحات وزير الصحة المغربي عبر طرح مجموعة من الأسئلة منطلقاً من السؤال عن مفهوم الديمقراطية، وتابع: “هل هي أن نحرم الأقلية من حقوق المواطنة، وكم عدد السكان المغاربة المتحدثين بالأمازيغية وكم عدد المتكلمين باللغة العربية، وهل هذا يعني أن علينا فرض اللغة العربية على المتحدثين بغيرها؟ ولماذا اضطررنا لأن نعتمد اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية دستورياً؟”.
مصطفى لكرين، أوضح أن منطق الأغلبية والأقلية هي مبادئ تحكم صناديق الاقتراع وليس منطق ممارسة الحقوق والحريات داخل الوطن، فليس هناك تمييز في حقوق المواطنة بين من صوت للأغلبية ومن صوت للأقلية.
من هذا المُنطلَق، يؤكد المتحدث أن فرض جواز التطعيم على المواطنين من خلال حِرمانهم من الوُلوج للحقوق الإنسانية والمواطنة وحرمانهم من الولوج للمؤسسات الإدارية والخدماتية وغيرها، هو عكس الديمقراطية التي يريد الوزير أن يجعلها مقياساً لفرض جواز التطعيم.
“أظن أن وزير الصحة لا يتحكم وفق رأيه الشخصي بل هو موقف الحكومة التي تريد أن تفرض على المواطنين ما تراه هي صحيحاً، إنها سابقة تؤسِّس لِما بَعدَها، فمن الآن فصاعداً أي حكومة أرادت أن تفرض قراراتها على المواطنين ستحرمُه من حقوقه الدستورية”، وفق تعبير رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية.
في المحصلة، يرى الطبيب مصطفى كرين أن المشكل أكبر من فرض جواز التطعيم، لأن الأمر يتعلق بمشكلة دستورية وقانونية ومشروع مجتمع، مشيراً إلى أن قرارات الحكومة تؤسس لحالات استبداد.
وختم كلامه بالقول: “كنت من الأوائل الذين حفّزوا المغاربة على احترام مسافة التباعد والإجراءات الاحترازية واستفدت من 3 جرعات من لقاح “كوفيد19″، لكني أفهم الديمقراطية بشكل صحيح، وإذا اخترت أن أتلقح فلا يمكنني فرض خيار التطعيم على الآخرين”.
استراتيجية جديدة
وبالعودة إلى تصريحات وزير الصحة في البرلمان المغربي، أكد آيت الطالب أن المغرب ليس في منأى عن انتكاسة وبائية أخرى، خاصة عقب التطور اللافت للوباء والتهديد الخطير الذي يسجل بعدد من البلدان في الآونة الأخيرة، لافتاً إلى أن وزارة الصحة قررت اعتماد استراتيجية جديدة تهدف إلى توسيع حملة التحصين لتشمل فئات أخرى، في مقدمتها المهاجرون السريون والأطفال البالغون من العمر أكثر من 12 عاماً والمتخلى عنهم وغير المتعلمين والأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة والأشخاص غير المحصنين لأسباب طبية.
وشدّد المسؤول الوزاري على أن المعادلة الأساسية اليوم، في سياق خطورة وباء “كورونا” وتهديده الحق في الحياة، تتمثل في أهمية التوفيق ما بين ضرورات حماية الصحة العامة وضمانات الحقوق، وتجنب انتهاك الحق في الصحة الذي من شأنه أن يؤدي حتماً إلى انتهاك باقي الحقوق.
إلى ذلك، سجل المغرب، إلى حدود الأربعاء، استمراراً في المنحى التنازلي للإصابات والوفيات بكوفيد-19. فقد سُجّلت 260 إصابة جديدة، ليرتفع بذلك إجمالي الإصابات إلى 946 ألفاً و543 إصابة منذ تسجيل الإصابة الأولى في المغرب في الثاني من مارس/ آذار 2020، فيما وصلت حصيلة الوفيات إلى 14 ألفاً و683 وفاة، مع تسجيل خمس وفيات في الساعات الأربع والعشرين الماضية، وتسجيل إصابة 260 حالة جديدة ولا تزال 4432 حالة تتلقى العلاج.





