ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

عبارة في سياق حديث شريف رددها مرارا سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحذر منها صحابته الكرام وقد أثار اهتمامهم بعدما كان متكئا فاستجمع جالسا لما بدأ في ترديدها وتكرارها وسط اندهاش الصحابة الكرام من عدم توقفه عن التكرار، يقول الراوي وكان أحد الحاضرين : “تمنّينا أنه لو سكت، شفقة عليه أو خوفا من شديد وعيدها” هذه الواقعة تفيد تأكيد تحريم شهادة الزور، وعظيم قبحها، وسبب الاهتمام بذلك هو كون شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر لكونها مفسدة عظيمة، تصيب الأبرياء بسبب الكذب والإفتراء الذي هو من أقبح الأمراض الفتاكة والتي تؤدي إلى الفجور وبالتالي إلى النار والعياذ بالله. وهذه الآفة للأسف من المحرمات بل من الكبائر والتى أصبحت آفة منتشرة بين المسلمين والمسلمات في جميع البلدان الإسلامية بل وحتى بين المسلمين بلاد الهجرة. واكتوى بنارها العديد من الناس البُرآء الذين عانوا من الظلم والسجن وسلب حقوقهم فقط بقول أو عبارةٍ تدين بها متهم ليس له ناقة ولا جمل بل هي شهادة مزورة تلفّظ بها أحد شاهدي الزور من أجل منفعة أو مصلحة مادية أو معنوية أو دفع خطر أوخوف من أحد أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل المسيء شاهد الزور يبيع دينه بعرض من الدنيا.

يخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في باب الكبائر عن أبي بكرة عن أبيه قال قال: “كنَّا عند رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: (ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور – أو قول الزور)، وكان رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – مُتَّكِئًا، فجلَس، فما زال يُكرِّرها؛ حتى قلنا: ليتَه سَكَتَ”.
وعن ابن مسعود أنه قال: “شهادة الزور تَعدِل الشِّرك بالله”، ثم قرَأ الآية: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: 30]”.

ومن أشهر التعريفات للكبائر هي ما نقل عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم أن الكبائر: «كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب» فإذا كانت هذه هي الكبائر فما بالك بأكبر الكبائر وأشد من أكبر الكبائر وهو قول وشهادة الزور، وجاء التأكيد على حرمته أكثر من الإشراك بالله وعبادة الأوثان وعقوق الوالدين لأن الشرك لا تتعدى مفسدته إلى غير المشرك أما شهادة الزور فهي تتعدى مفسدتها إلى من قيل في حقه الشهادة.

قال قتادة في الزور إنه مجالس الباطل. ووردت فيه معان أخرى. وقول قتادة رحمه الله في شهادة الزور أنها كذلك حضور مجالس الباطل، فكل من حضر مجالس اللهو الحرام والغناء، وأعياد المشركين التي فيها المنكرات، وحضر مجالس الكذب وغيرها من المحرّمات فهو داخل في معنى شهادة الزور التي نفاها الله سبحانه عن عباد الرحمن حيث قال: “والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً”.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحذر : “من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار”. وهنا ينسى شاهد الزور الذي أخذ مقابل شهادته مالا ليس من حقه وحرم منه صاحب الحق وأعطاه لمن هو ليس أهله، أنه إنما أخذ قطعة من نار بسبب كذبه وافتراءه، ولو أنه عبَدَ اللهَ وصام وتصدق فلا يقبل منه، لأنه من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه، ويصوم ويجهد نفسه.

وقد شوهد أنه يتردد على أبواب المحاكم أناس ضعيفي الهمم والإيمان وليس لهم رادع ديني امتهنوا هذه المهنة يعرِضون أنفسهم ليشهدوا زورا وكذبا من أجل مال معدود، وقد قطعوا بفعلتهم هذه حبلهم مع الله. وصارت بذلك المحاكمات تأخذ مجرى منافي للحقائق وبعيدة عن تحقيق العدالة بسبب هؤلاء الكذبة بعد أن كانت مهمتها هي إعطاء لكل ذي حق حقه.

و التحذير من هذه الآفة الشنيعة الخطيرة ليس فقط في دين الإسلام بل كما جاء في الكتب السماوية الأخرى أنها هي الوصية الثامنة من الوصايا العشر التي يتعبد بها أهل الكتاب: “لا تتكلم بشهادة الزور”.

وبهذا وجب على المسلمين الإبتعاد عن هذه الكبيرة وعدم الوقوع فيها مهما كانت المغريات لأنها من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب ووجب التحذير منها ومحاربتها والتبليغ عن من يتخذها مهنة لكي يعاقب أو يتوب منها وكفارة شهادة الزور وغيرها من المعاصي هي التوبة إلى الله عز وجل، وإذا ترتب عليها ضرر في حق آدمي فيجب تحلله منه وردّه إليه.

*كاتب وباحث مقيم بايطاليا 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...