رحلة المدرسة من التعليم إلى التجارة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مصعب البدور

 

 

تنبع أهمية المدرسة من كونها الحاضنة الأولى للأجيال، ولأنها كذلك استُهْدِفَت المدرسة من قبل الجميع، من قبل المصلحين والسياسيين،والعميين، والتجار، والإرهابيين، ومن قبل من لم تر عينك ومن لم تسمع أذنك، وهذا الاستهداف مبرر مقبول لأن المدرسة أقرب الطرق لترويج الأفكار والمعتقدات الفكرية، فهي نقط الصفر التي يمكن لأي مدّ فكري أن يلتقي بالأجيال من خلالها.

المحطة الأولى بداية الرحلة
عُرِفَتْ المدرسة العربية منذ وجود دولة للعرب، وقد ركزت المدرسة العربية بدايةً على علوم التشريع الإسلامي وعلوم اللغة، ثم توسعت المدرسة لتشمل علوما أخرى، وقد كان العلم آن ذاك اختياريا وكانت العلوم تؤخذ على وجهها، فنشطت حركة التأليف والترجمة في مرحلة تاريخية معينة، وقد ساهمت المدرسة العربية في كثير من المجالات مثل عمل المتخرجين منها في دواوين، وأثرهم في الاقتصاد والعمل في الجيش وغيرها، مع أن المدرسة في تلك المحطة عبارة عن مجموعة من حلقات العلم المنتشرة في المساجد ثم ظهرت بعد ذلك دار الكتّاب لتعليم الناشئة، ومن جماليات هذه المحطة من محطات التعليم أن لها إنتاجا أوضح من شمس النهار، فأسماء علماء تلك المدارس مازالت تتداول في أروقة الجامعات ومراكز البحوث إلى يومنا هذا.

لافتة على الطريق :المدرسة ومكانة المعلم
ومن غير المنكور أن المدرسة في عصرنا الحاضر لها وجودها في الساحة وفيها كثير من القضايا التي تلفت الأنظار، ومما يلفت الأنظار هو تبدل مكانة المعلم بين منتصف القرن الماضي وبين مكانته الآن فقد كان للمعلم مكانته في سالف الأيام وكان له حضوره في المجالس والأماكن وله تقديره لدى الشعوب والوجهاء كما كان له مهابة في نفس الطالب، وسرعان ما ظهرت التشويشات حول المعلم، ابتداء من دعوات التعليم الحديث ونبذ التعليم التقليد، وصولا إلى إدخال المعلم إلى السجن في بعض الأحيان،وهنا أشير إلى تبدّل ما كان راسخا في أذهاننا عن المعلم بأن المعلم ليس بصاحب جاه ولا بثري كثير المال إنما المعلم قيمة اجتماعية ومتى ما تجاوزنا القيم فهذا هو الانحدار عينه ،وحالنا اليوم ينطق أكثر من أقلام الكتاب وحروف الصحافة، وعلى المعلم أن يفهم طبيعة مهنته وأنها ذات روح قِيَمِيَّة عالية ولا علاقة لها بالمناصب والوجاهات .

لافتة على الطريق :أولياء الأمور والمدرسة
هناك رابط قوي في الواقع بين أولياء الأمور والتعليم ‏ فيعتقد كثير من أولياء الأمور أن النمط التعليم الصحيح والأكثر نجاحا هو ذاته النمط الذي تعلموا به ،وهذا ما يدفعهم إلى رفض أي نمط جديد أو مختلف عن تعليمهم لذلك تجدهم يبادرون إلى الشكوى حول استراتيجيات التعليم واتهام المعلمين بالضعف وقلة الدراية وانعدام المعرفة ، وهنا يعصف سؤال في الأذهان لماذا لم نر هذه الأجيال تتصدر اقتصاد العالم ولماذا لم تنافس العالم في العلوم الطبية والهندسية وغيرها ؟
وأما التحول الخطير في تاريخ أولياء الأمور هو تَحَوّلُ مكان تركيزهم في عملية التعليم، فباتت هموم أولياء الأمور بعيدة عن جودة التعليم، وإنما تركز في المرافق ومدى جاهزيتها لتناسب أمزجة أبنائهم، فالمرافق أهم من جودة التعليم، والمسابح والساحات والمسارح مقدمة على حقيقة التعلم، وكذلك أصبح تداول صور الأبناء على مواقع التواصل وهم يكرمون لأي سبب من الأسباب أهم من مدى تقدمهم وتحصيلهم في المواد الدراسية.

المحطة الثانية ‏ملامح تجارية
‏لا يعيب المدرسة أن تكون ملكا خاصا أو ملكا للدولة ‏إنما المعيب هو ممارسات بعض المدارس أو المؤسسات التعليمية وأبرزها فرض رسوم عالية على الطلبة من أجل أن يتلقى الطالب تعليما جيدا، مما يخلق مبدأ طبقية التعليم فحصر ارتفاع رسوم الدراسة التعليم المتميز في فئة معينة من الناس وحرم الكثير من تلقي نفس التعليم، فبعض متعلمي الأنظمة الدولية، يرسمون مساراتهم الأكاديمية منذ صفوف مبكرة ويجعلهم متقدمين على أقرانهم في المدارس الحكومية أو الخاصة غير الدولية، ويرافق الرسوم المرتفعة سلوك آخر هو تقديم أقل أجور ممكنه للعاملين في القطاع التعليمي والذي بدوره تسبب في توتر العاملين في هذا القطاع وانشغالهم في البحث عن مسار التعليم الخصوصي بعيدا عن أروقة الصفوف والمدرسة مما جعل مستوى التعليم مرتبط بالمستوى المادي لذوي الطالب، لتبدأ هنا دائرة التجارة من سلوكات المدرسة التي ستدفع المعلم إلى سلوك تجاري جديد، ومن الملامح التجارية تقليل عدد المعلمين بهدف خفض النفقات مما يزيد من الأنصبة المتوقعة وزيادة أعباء المتابعة اليومية على المعلم، مما يجعل تحضير المادة العلمية أقل جودة ويقلل فرصة الطالب بتلقي تغذية راجعة احترافية تدعم مسيرته التعليمية كما ينعكس سلباً على مدى تحصيل الطلاب.

المحطة الثالثة التعليم الدولي :
تتسابق المدارس العربية في عصرنا الحاضر إلى اعتماد أنظمة التعليم الدولي كالبكالوريا الدولية أو الثانوية البرطانية أو النظام الأمريكي، ولتقديم تعليم دولي حقيقي للطلبة في المدارس الدولية داخل الوطن العربي ليتساوى أبناء بلداننا العربية مع أبناء أوروبا وأمريكا، وبالفعل انتشرت هذه المدارس في أنحاء الوطن العربي الكبير ويتلقى بعض طلابنا تعليما حقيقيا يوازي التعليم في الدول المتقدمة، وهنا تبرز تساؤلات كبيرة لماذا للآن تقتصر القيادة التربوي في التعليم الدولي على إدارات غير عربية، ولماذا للآن تُفَضّل المؤسسات التعليمية المعلم الأجنبي (حامل الجواز الأوروبي أو الأمريكي ) على المدرس العربي في المواد الأساسية؟ ألا يُعْتَبَرُ هذا التفضيل اعترافا صريحا بضعف جودة المنتج التعليمي العربي ؟
‏ ولماذا نرى أعداد الخريجين من كليات التربية في جامعاتنا على اختلاف مراحل التعليم العالي مهولة وأبحـاثـم عددها أشبه بالفلكيّ، ولم تتقدم مسيرة التعليم ؟
ولماذا عدد المحللين والكتاب التربويين وضيوف الحلقات التلفزيونية المتحدثين عن التعليم يصعب حصره، ومازلت الجامعات العربية خارج حسبة الجامعات المتقدمة وما زالت مدرستنا في الوطن العربي متأخرة مترهلة ؟
ولماذا هذا الكم الهائل من المنشغلين بتطوير التعليم والمدربين ومطوري المناهج والاختبارات ومازالت المناهج بنفس المستوى أو تراجعت قليلا عمّا كانت عليه؟

منعطف في الطريق :تصورات التعليم عند المدرسة العربية
تحمل العملية التعليمية تصورين لأنماط التعليم الأول تصور التعلم التقليدي الذي بدأنا رحلتنا به في عالمنا العربي ، والذي كان محوره الانضباط والجد والحزم وكان الفاعل فيه هو المعلم ، وكان التحصيل فيه هو الطالب ، وكانت المادة العلمية هي المعيار ، وامتلاكها والتمكن منها أساس القوة والنجاح وأما التصور الحديث المرتكز على متعة التعلم والتعلم باللعب والتعلم الجماعي والتعلم المتمايز الذي يجعل الطالب يبحث عن رفاهية التعليم واندماج الطالب في المجتمع المدرسي لكي يتعلق بها ويبقى مصدرا تجاريا مستداما لدى بعض المدارس في الوطن العربي، في ظلّ هذين التصورين وجدنا من يهتم لشكل التعليم الحديث ولا يهتم لحقيقته لأن التعليم الحديث له ركائز حقيقية لكنها تذوب أمام المطامع التجارية عند المؤسسة التي تتاجر بالتعليم مما خلق مفهوما رافضا لدى الكثير من العاملين في القطاع التربوي ولا سيما أصحاب التصور التقليدي للتعليم .
أخيرا يبقى السؤال المفتوح لماذا لا ينتج الوطن العربي نظاما تعليميا دوليا ينافس به أنظمة التعليم الدولية ؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...