أين هي الحكومة المغربية من تمتين الجبهة الداخلية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.أحمد براو

 

 

رغم فجوة الثقة المتذبذبة بين الحكومة المغربية الجديدة والأوساط الشعبية ممثلة بأذرع المجتمع المدني كالنقابات والأحزاب والجمعيات ومؤسسات المجتمع، إلا أنه يلاحظ غياب هذه الفجوة فيما يتعلق بملف القضية الصحراوية والعلاقة المتوترة مع الجزائر الداعمة لجبهة البوليساريو، وحالة الالتفاف الشعبي خلف الموقف الملكي المتقدم في الدفاع عن الملف والحسم فيه، وكذلك الإتفاقات المبرمة فيما يخص العلاقة مع إسرائيل والتي اتخذت في الآونة الأخيرة منحى متصاعد خصوصا في ظل التفاهمات الأمنية والعسكرية، مع توالي أنباء عن مناوشات واشتباكات طول الشريط الحدودي الصحراوي واتهامات المؤسسات العسكرية والسياسية الجزائرية للمغرب باعتداءات واستفزازات متكررة.

وهذا ما يحتم على الحكومة في المرحلة المقبلة، تغيير قواعد التعامل وفتح حوار جدي مع تلك الأوساط المؤثرة داخل الشعب المغربي وضرورة تمتين وتقوية الجبهة الداخلية.

ويذهب مراقبون في الاعتقاد، إلى ضرورة قيام الحكومة وعبر أذرعها التنفيذية في مرحلة تعتبر سياسيا وأمنيا هي الأصعب التي تمر بها المنطقة، إلى ضرورة ملحة لفتح قنوات الاتصال والتواصل على مصراعيها وعقد لقاءات موسعة مع النقابات والطلبة والأحزاب السياسية وممثلي منظمات المجتمع المدني، والانفتاح إعلاميا وسياسيا عليها، لوضعها أمام مسؤولياتها شعبيا، وبلورة مواقف داعمة على الأرض، لا يكفي فقط نظريا عبر البيانات والتصريحات، في عملية مكاشفة حقيقية لموضوع العلاقة مع إسرائيل، موضوع التطبيع مع الكيان الغاصب الذي يعتبر أقل شعبية ويصعب على المغاربة ابتلاعه والتفريط في القضية الفلسطينية. وما يمثله كذلك من تحدي للجارة الجزائر التي تتوجس من هذه الحميمية بين المغرب وإسرائيل فيما يخص الدفاع والإستخبارات والتطور العسكري وبناء القواعد، وهذا الملف الحالي يعتبر الأخطر في تاريخ المنطقة، وينذر بتوترات مقبلة ستحرق الأخضر واليابس إذا ما اندلعت المواجهة العسكرية وإعلان الحرب في هذه الجهة الإستراتيجية من الإقليم الغربي للمتوسط.

لكن الملاحظ هو أن هذه الحكومة بدأت بقرارات مجحفة في حق الشعب من زيادة الأسعار واكتواء أغلبية الطبقة المتوسطة والفقيرة بغلاء المعيشة مع ظروف الجائحة، وبعض القرارات المترددة والطائشة فيما يخص الملف الصحي والإغلاقات والإحترازات وحالات الطوارئ والبيانات المتخبطة حول الجواز الصحي وكأنها تزيد الطين بلة، كما أن هناك سخط من طرف الجالية المغربية المقيمة بالخارج من كل السياسات ابتداءا من الإقصاء في الترشح والإدلاء في الإنتخابات الأخيرة وكذلك حذف وزارة الجالية أو إدماجها مع وزارة الخارجية ما ينذر عن تخلي الحكومة عن هذه الشريحة من المغاربة التي أظهرت وطنيتها والتفافها أمام قضايا وتوابث المملكة وساعدت كثيرا في التخفيف من وطأة الأزمة الإقتصادية الناتجة عن تفشي الوباء عن طريق زيادة التحويلات بنسبة جد مرتفعة رغم ما تواجهه هي أيضا من معاناة في بلدان الهجرة.

ثم جاءت القرارات الأخيرة لوزارة التعليم في اختبارات الولوج للسلك التعليمي مجحفة وصادمة لعدد كبير من الشباب المقبلين على اجتياز هذه المسابقات، وقد أثار خفض سن التوظيف في التعليم مع إعادة الانتقاء، موجة رفض عارمة وغليانا في أوساط الشباب الراغبين في الالتحاق بمجال التدريس.

ولا يتمكن 40 في المئة من خريجي الجامعات من الحصول على وظائف نظرا لقلة المناصب المخصصة للتوظيف سنويا، وتنص الموازنة الجديدة على إحداث أزيد من 26 ألفا و800 مائة منصب مالي.
وهذا القرار الغريب في إقصاء من هم فوق الثلاثين من الولوج لسلك التعليم زاد من التوترات الإجتماعية ووسع الفجوة بين المكونات الشعبية والحكومة الجديدة.

إن من مقومات النجاح في هذه المهمة الملقاة على عاتق السلطات التنفيذية تكمن في تمتين الجبهة الداخلية عبر إنجاز نقلة نوعية من أجل تمكين ديمقراطية حقيقية تمر عبر تنقية الأجواء السياسية والحقوقية كمدخل لإنجاز مصالحة شاملة مع وضع خطة إستراتيجية وطنية تروم لإنجاز تنمية مستدامة مع البحث بشكل تشاركي مع المواطنين المغاربة في الٱليات الأنجع لتنزيل المقترحات المساعدة على بث روح الثقة والديمقراطية والعدالة الإجتماعية، للسير بالتوازي مع التنمية الإقتصادية والبدء من الآن تدريجيا في تحسين العلاقة مع الجانب الأوروبي الذي يعتبر أهم من الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي فيما يخص ملف الصحراء و موضوع مقترح الحكم الذاتي، ولكي يرى النور لابد أن يكون مقرونا بخلق نقاش عمومي وطني حول توسيع مفهوم الجهوية المتقدمة للانتقال بالمغرب من دولة مركزية الى دولة مركبة تمكن الجهات من التسيير المتدرج لشؤونها الذاتية في إطار ما يعرف بالديمقراطيات المحلية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...