فاديا مطر
– لم يعد التصادم الامريكي مع الروس مجرد تفاعل مع التحديات التي تعتبرها واشنطن مقلب آخر لبسط اليسطرة بدلا من وسط آسيا التي خرجت منها واشنطن بخسائر شنيعة ، بل هي سياسة متداخلة مع الحليف الأوروبي في إسترداد مايمكن إسترداه من سيطرة تعوض قيمة الخسائر التي أثقلت كاهل الإدارة الأمريكية ولو بسيطرة الوكيل لا الأصيل ، فالإحترار الذي تشتد سخونته في البحر الأسود و أوكرانيا لم يكن ليحصل بعد إتفاق مينسك لو أن واشنطن إستطاعت تحصيل أي ثمار من إنسحاب أفغانستان و زجها في معادلة القوة الدولية بما يخدم مصلحتها فيما سمته ” مكافحة الإرهاب ” ، لكن ليس لأن ما فعلته واشنطن كان من وجهة نظرها في مصلحتها العظمى ، بل لأن إنسحابها كان قسريا˝ لجهة تعاظم الخسارة وفقدان للهيبة والسياسة أمام الداخل و الخارج الضاغط ، حيث سيطر ضغط الرأي العام الداخلي على الإدارة الأمريكية وأعتبر ما حصل يخالف مبادئ الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية ، و بذلك يكون لفت الإنتباه عبر إشعال توترات لا ترقى لمستوى حرب خارجية بعد إعلان إدارة بايدن بأن ليس هناك ضرورة لحروب طويلة الأمد ، هي وصفة مؤقتة لتهدئة الضغط الداخلي المتعاظم بشقيه السياسي و الإجتماعي ، لكن أي إشتباك سيكون من شأنه زج الجيش الأمريكي في أتون نار تمتد خارج جغرافيا ما يمكن حسابه أو محاصرته ، وخصوصا˝ إذا ما تطور ما صرحت به موسكو بأن الإستفزازات الأمريكية تهدف لإشعال حرب في دونباس و سيكون الرد قاسيا˝، و ربما يكون بما لا تستطيع واشنطن و حتى أوكرانيا تحمله إذا ما حصل في حدود ما إستقدمته واشنطن من قطع عسكرية و معدات للناتو إلى أوكرانيا و ما تراقبه موسكو عن كثب أكبر بكثير لجهة تصاعد أي صراع محتمل ، فهو ما تعتبره موسكو عبثا˝ بالأمن القومي الروسي الذي يستحق الرد خصوصا˝ أن موسكو حذرت واشنطن من تفتت معاهدة إنتشار الصواريخ المتوسطة المدى و محاولة نشرها في أوروبا الوسطى و من التدريبات العسكرية المشتركة مع الناتو في البحر الأسود و التي إعتبرتها موسكو تدريبات على توجيه ضربات نووية تحصل للمرة الأولى في القرن الحالي وتستهدف روسيا ، حيث باتت موسكو تعد جديا˝ لما يمكن أن يتطور لحرب في محيطها القريب بعد معادلة التشبيك الإستراتيجي مع كل من إيران و الصين في ساحة متقاربة السخونة مع إختلاف الجغرافيا ، فبحر الصين الجنوبي و مضيق تايوان والخليج العربي ليس بأقل حرارة من ساحة أوكرانيا و محيط بلاروسيا و حدائق روسيا الخلفية ، و هو ما ينتظر شرارة واحدة لإشعال مالا يمكن إطفاؤه بسهولة بحسب مصادر إعلامية أمريكية ، خاصة على وقع ضعف أوروبي واضح بعد البريكست و مآلات أزمة المهاجرين على حدود أوروبا الشرقية و التي هي أيضا˝ قابلة للتفاقم الدراماتيكي في ظل عجز أوروبي لدرء مخاطر ما يمكن أن يحدث إذا ما حصل إتفاق نووي ” غير معدل ” مع إيران بصيغة العام 2015 بما لا يرضي حلفاء واشنطن من الكيان الصهيوني وصولا˝ للخليج و مرورا˝ بأوروبا ، وعندئذ سيكون على واشنطن التصدي لجملة كبيرة من محاور شق عصا الطاعة التي يمكن أن تسبب ضعفا˝ يتكاثر في ما وراء الإتفاق النووي مع طهران ، فبأي خط رجعة ترى واشنطن أوراقها قادرة على حل معضلة أوكرانيا ؟ وهل تطور الأحداث سيبقي ذلك الخط مفتوحا˝ ؟
– فالولايات المتحدة الأمريكية ترى في إعلامها ما يمكن أن تقنع به العالم من أن تدخلها في تشابكات موسكو هو نزاع بصيغة إقتصادية و سياسية لا تشوبه رائحة العسكرة بعد خوض الحروب بالوكالة في سوريا و اليمن والعراق وما حصدته من إنكسارات برغم ملء فراغات التعسكر بالمجموعات الإرهابية التي إعتمدت عليها واشنطن من مجموعة الإخونة و تنظيم داعش و غيرها من مشتقات القاعدة التي لم تنجز سوى العجز عن نزع ميدان محدود القيمة لا تلبث أن تخسره لاحقا˝ ، لا بل يرتد تأثيره على صورة الداعمين في كيفية ضبطه بعد إنفلاته ، وهو ذات الإسلوب الذي إعتمدته تركيا في أغلب حروبها الخارجية التي ترزح تحت تداعياتها حتى في طياتها الداخلية و تعاضد المعارضة في وجه تلك السياسة برغم الإنفتاح الخليجي الآخير على أنقرة من بوابة الإقتصاد ، إلا أن تلك السياسة لن تنفع مع محيط موسكو وبكين وطهران في خلق بيئة تحارب فيها المجموعات الإرهابية بيد واشنطن بتجربة تشبه حرب القوقاز ، أو حروب تنجر إليها موسكو على شكل حرب أذربيحان و ليبيا ، فالحاصلة لن تكون مشاغلات ضغط عسكري تلغي نوايا واشنطن العسكرية فيما تسوقه من معبر إقتصادي في تسويغ إستفزازاتها لروسيا والصين ، وهنا لن ينفع الدخول من بوابة ” الديموقراطية ” لرأب ما يمكن أن يتجه له الميدان بما يخدم مصالح واشنطن و حتى أوروبا لا في شكل الإقتصاد و السياسة و لا حتى العسكرة
– فكيف إذا ما فشلت واشنطن في كبح الرد الروسي أو الصيني و إنجرت لتصعيد في شرق أوروبا أو بحر الصين الجنوبي ؟ فهل ستبقى تل أبيت بموقع المتفرج على ما تعتبره تراخي أمريكي في صد ما تسميه “نفوذ حلفاء روسيا ” ؟ أو إشعال جبهة الشمال مع لبنان لرد محرج لواشنطن او محاولة جرها لحرب إقليمية إضافية بساحة قتال أكبر ؟ ربما تكون تلك من خيارات الصهاينة في حال فشل الولايات المتحدة في صياغة إتفاق جديد مع طهران و بقاء التوتر قائم في شكله الحالي مع تهدئة محتملة لجبهة تايوان و أوكرانيا ترخي بظلالها على مشهد تشعله تل أبيب في مدخل آخر لم يكن في حسبان واشنطن ولا أوروبا لكشف أي الأخلاء أقرب على وقع مسارات الإشتباك المعدة مسبقا˝ و تعديل معادلات التشبيك الجديدة بصيغة “أنا أو لا أحد ” .





