ما السبب في تغيير نظرة الإيطاليين للأجانب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

الإيطاليون محقون تمامًا بشأن الأجانب الذين يعيشون في بلدهم، نعم هناك عنصرية بغيضة، ولكن من كلا الجانبين، إذا تمعنا في الأمر فهناك كذلك عنصرية مقيتة من المهاجرين تجاه المقيمين وهناك استهتار وترفع واستكبار في حق المقيمين أبناء البلد هذا شيء مؤسف لكنها الحقيقة.

غالبا ما نتساءل كثيرا نحن المهاجرون منذ سنوات عديدة عن سبب هذا المقت، والكراهية التي تكونت وتربّت وأينعت عند الإيطاليين رغم أن طبيعتهم الثقافية وعاداتهم المعروفة أنهم مسالمون وطيّبون وعطوفون، يتأثروا كثيرا بآلام المحتاجين وهذا يظهر جليا لانخراطهم بكثرة في الجمعيات الخيرية ومساعدة الفقراء وفتح الأبواب للسائلين، كما أن هناك العديد من المؤسسات الكنَسية الإيطالية التي تعمل في مجال المساعدة الإنسانية داخل البلد الجميل وفي شتى القارات خصوصا إفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا، بحيث ينشؤون المصحات والمدارس ويحفرون الآبار ويفتحون المشاريع الإنمائية، وكل ذلك فقط من مداخيل الحملات المتواصلة لجمع التبرعات من الشعب الإيطالي الكريم، والتي تعرف رواجا منقطعا خصوصا في أيام الإحتفالات الدينية.

وكم سمعنا من القصص خصوصا من أولئك الذين هاجروا إلى إيطاليا مبكرا في الثمانينيات وبداية التسعينيات عندما كان عددهم قليلا جدا كيف يحكون معاملات الإيطاليين لهم بالمحبة، والثقة الكاملة والبذل والعطاء، إلى حد أننا كنا نسمع قصصا خيالية تعز عند باقي الشعوب، حيث أن بعض الإيطاليين يؤدون ثمن التذاكر ويعطون الأموال لقضاء العطلة إذا أراد المهاجر وقت الإجازة زيارة بلده الأم.

أظن أن من بين الأسباب التي دفعتهم لذلك الخير هو المعاناة التي مرت بهم إبّان فترة الركود الإقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، وكما يحكي أجدادهم؛ فقد مرت بهم ظروف جد قاسية ومؤلمة، عرفت هجرات جماعية وفراق الأهل والعشيرة، والذهاب بعيدا إلى كندا وأمريكا وجنوبها التي استوطنوا بها نهائيا، بحيث بلغ عدد المهاجرين نصف الإيطاليين أي أكثر من 30 مليون مهاجر لما كانوا يذهبون بدون رجعة.

لقد ساعد كثيرا المجتمع الإيطالي الأجانب الذين أتوا لإيطاليا للإقامة بها والعمل ومنحوهم السكن والشغل والتطبيب والتعليم، وكل ذلك مجانا، فيما كان أغلب هؤلاء المهاجرين يستغلّون كل تلك الإمتيازات ويرسلون الأموال لبلدانهم أو تكديسها في البنوك أو شراء بعض العقارات وتركها فارغة إلا في العطل الصيفية، ولم يكن أغلبهم ينوي الإقامة الدائمة إلا بعد حصول التجمعات العائلية وإنجاب الأبناء، فصار من غير الممكنات إن لم نقل من المستحيلات العودة للعيش في البلد الأم، ومؤخرا حصلت الغالبية العظمى من الطبقة المهاجرة على الجنسية الإيطالية وأصبح الأبناء يعتبرون أنفسهم إيطاليين ذا أصول أجنبية، ولكن بقيت تلك العادات السيئة لاصقة بأذهانهم، وهي أنهم أتوا هنا فقط لجمع المال بأي وسيلة ولو خرقا للقوانين وخيانة الأمانة ونكران الجميل للبلد الذي الذي كان له الفضل عليهم حتى تحصّلوا على هذا النعيم الذي لو بقوا في بلدانهم، حتما لا يستطيعون الوصول إليه والحصول عليه.

والأدهى من ذلك والأنكى هو لما ترى السجون مملوءة بالأجانب بسبب تفشي الجريمة وامتهان السرقة والسطو والدعارة وتجارة المخدرات نهارا جهارا، حتى أصبح المهاجر المتسكع عنوانا للذعر ،يخيف المارة ويخلق الفوضى أين ماحل وارتحل، وبالتالي يرهق الدولة بسبب سعيها لتحقيق الأمن والسلامة لمواطنيها. فأصبحْتَ ترى الشوارع خالية في أوقات مبكرة خوفا من التعرض للأذى والتحرش والسرقة بعدما كانت سابقا مؤَمّنة، ويمكن أن تبقى فيها العائلات إلى آخر الليل. هذا غيض من فيض من المشاكل التي جعلت أغلب الإيطاليين يحملون غِلا وكُرها للأجانب، ولا يطيقون رؤيتهم لأنهم يساهمون في تلويث بلدهم الجميل، ومن لا يحقد عليهم يبتعد عنهم ويتحاشاهم ولا يثق فيهم أو يقترب منهم أمانا على نفسه.

إن عدم احترام المهاجرين لقيَم المواطنة والإندماج هو ما دفع الدولة إلى تبني عدة قوانين مجحفة في حق الأجانب بصفة عامة وأشهرها قانون “بوسّي- فيني” والذي ربط بطائق الإقامة بالعمل وحجّر على الأجانب والمقيمين غير الشرعيين والذين فقدوا مقر سكناهم وإقامتهم وكذلك رفع وثيرة الطرد بسبب الجرائم والعنف وتعكير صفو المناخ الأمني وغير ذلك، لأن الدولة والحكومة مسؤولة أمام ناخبيها عن معالجة مشكلة الهجرة والجريمة وتوابعهما، ولذلك نلاحظ أنه فقط في إيطاليا تدخل سياسات الهجرة ضمن اختصاصات وزارة الداخلية لأنها تصنف ويُنظَر لها نظرة أمنية وحفاظا على السلم العام والأعراف، وليس هناك ما يذهب له البعض من أن إشكالية موضوع الهجرة ذو ابعاد سياسية أو عنصرية، بل بالعكس تعتبر إيطاليا من الدول التي تحتاج إلى أيادي عاملة وهو ما جعل الحكومات تصدر تباعا مراسيم سنوية حول ما يسمى ب”مرسوم التدفقات” الموسمية “flussi”، ويعتبر الدخل العام من طرف للأجانب من الضروريات المادية التي لا يمكن للميزانية العامة الإيطالية الإستهانة بها، بحيث تفوق العشرة بالمائة وتساهم في إنعاش صندوق التأمين الوطني الذي يؤدي أجور المتقاعدين.

ما في الأمر أن هناك حاجة إلى نشر ثقافة وطنية تضامنية وبث روح التربية على المدنية والتحضر واحترام النُّظم والقوانين وإستعادة الثقة بين شرائح المجتمع ونزع النظرة السلبية من الشخص الأجنبي والمهاجر ليصبح عنصرا فعالا نافعا في المجتمع، بحيث لا ينظر إليه كَعالَة وكإضافة سلبية تزيد من تأزم الأوضاع، وهذا القلق يجب أن يشعر به الأجنبي أولا بحيث يعمل على تغيير نمطية تفكيره وعيشه وسعيه في هذا البلد.

هذه رسالة لمن ليس إيطاليًا. إذا كنت لا تحب نظام العيش في إيطاليا، ولا تعجبك أنماط حياتهم، فأنت مدعو بكل بساطة للمغادرة، وفي أقرب وقت لأننا لا نحتاج إلى المزيد من الأشخاص الذين يأتون إلى هنا ويمتهنون الجريمة ولا الذين يتصرفون بشكل غير لائق ولا يحترمون قواعد العيش الكريم والأسرة والمجتمع بشكل عام. من يأتي إلى هنا للإستفادة من الحرية والحقوق ويريد ذلك بدون حتى التفكير في المساهمة في بناء وتطور المجتمع الإيطالي، لا يهتم بالعمل أو بدفع الضرائب ولا بما يمكن أن يقدمه لبلده الثاني، ويظن أن كل شيء مستحق وممنوح له بدون مقابل.
فإذا كنت لا تريد أن تندمج وتتحضر فلتعلم أن هناك أجانب آخرون ليسوا مثلك، هم مستعدون لاحترام القانون والدفاع عن مكتسباتهم في بلدهم الثاني وأنت فقط تلوث سمعة الجميع وتجعلهم في سلة واحدة.

ثم ليس من الممكن أيضا أن نقبل بأولئك المهاجرين الذين يتهربون من الضرائب ويحتالون على الجمعيات والمنظمات الكنسية والتطوعية لكي يتحصلون على المساعدات والإعانات كالمواد الغذائية والدواء واللباس بشكل متواصل وهم ليسوا من مستحقيها وبالتالي يحرمون من هم في أمس الحاجة لها، وهذا يسمى غش وخداع، بل أكل أموال الناس بالباطل الذي حرمه الله على عباده.

*كاتب وباحث مقيم بايطاليا 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...