رب خسارة تكفينا شر جار حاسد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*محمد فرحات

 

نشر أحد الاخوة تدوينة في صفحته على الفايس بوك أراد بها التذكير بآفة الغرور كأحد أسباب عدم التفوق في مقابلة رياضية وحمد الله ان الامور انتهت لما يكف يد الشر على الآمنين.

دفعني هذا لان أحيي فيه الرزانة وحضور الحسن الفاضل وعدم الانسياق مع التحاليل السريعة وإن لم يمض وقت طويل على نهاية اللقاء الكروي بين منتخبي المغرب والجزائر لكرة القدم تفاعل مع الحدث وابدى الرأي السديد فيما يحسب رياضيا كهزيمة لفريقنا الوطني و دعا المهتم بهذا الشأن الرياضي وما عداه من أمور وشؤون تهم شعبين شقيقين و جارين للتحلي بالموعظة الحسنة وأخذ العبرة وأسبقية الأمن على فعل الشر.
فالعاقل من يستفيد من الهزيمة و يأخذ العبرة ليصلح ما يلزم إصلاحه ويعد العدة للقابل من لقاءات.

صحيح أننا نعيش جوًا مشحونا بضرب طبول الحرب مع الجارة الجزائر. وما أظهره اللاعبون من كلا الفريقين من اعطاء الاولية للنزال الشريف واحترام الخصم لا يعادله إلا حسن انضباط الجماهير من كلا الجانبين فكانت المقابلة عرسًا حقيقيًا وانتهت المقابلة على خير ورجع كل فريق إلى خندقه وكل مشجع الى منزله آمنا مطمئنا والحمد لله.
ليست لي أدوات التحليل الرياضي التقني لكل عناصر المقابلة فلهذا الميدان ناسه ورجالاته من ذوي الاختصاص. ما همني هو القراءة العاقلة التي تعطينا منظارًا آخر يمكننا من رصد مواطن أخرى .
وعليه تبقى الرياضة أحسن مؤشر وأدق محرار لقياس حرارة وضع قد يبدو ظاهريا بحالة رماد منطفئ االذي يطفو ويغطي الجمر الحارق.

للتذكير وأخذ العبرة فقد كان إلغاء الألعاب الأولمبية لسنة 1916 منذرا بالحرب العالمية الأولى كما وكان تنظيم الالعاب الاولمبية لسنة 1936 مؤشرًا على قرب حدوث أكبر حرب في تاريخ البشرية من حيث الخسائر البشرية والمادية.
فقد أصدرت القيادة النازية وابلًا من البروباغاندا الإعلامية السياسية منها و المجيشة استطاعت ان تخفي به لمدة أسبوعين همجية إيديولوجية اطلقت لها العنان بلا هوادة طوال ثلاث سنوات بالضبط بعد الألعاب وذلك باحتلال بولونيا في شتنبر 1939.

فما أثارني في لقاء منتخبي المغرب والجزائر البارحة هو تعاليق القيادة السياسية الجزائرية بدءا برئيس أركان الجيش الجزائري ورئيس الدولة اللذان لم يخفيا النزغ الحربي الذي يشيعونه ضد المغرب وانتهاء بوزير الخارجية لعمامرة الذي استغل فرصة انعقاد لقاء اقتصادي ليغرد خارج سرب المنتدى مضيفا قرونه لطاحونة البروباغاندا الجزائرية .
دروس وخبرة معطيات الحروب وتسجيل خوضها في التاريخ تعطي الدول وزعمائها فضيلة التروي و الانضباط والتريث والميل الى الهدوء والتهدئة فهم العارفون تبعات الحرب وتأثيرها في تركيبة الدول والشعوب واقتصاداتها وسياساتها وجغرافيتها.

فقهاء القانون الدولي والمتمرسين في ردهاته يعلمون أنه يحرم الحرب و يجيز حق الدفاع عن النفس. والنظام الأممي المؤسس بعد مؤتمر يالطا يقف بجانب المعتدى عليه، يدافع عنه وينزل أشد العقاب بالمعتدي، ولنا في الحروب الأخيرة التي عرفتها مناطق الشرق الاوسط و البلقان وافريقيا الوسطى ومناطق جورجيا والأرمن خير دليل على تبعات خسارة حرب من طرف المعتدي.
كما أن لنا في مؤلفات المنظرين كالصيني سون تزو والمغربي ابن خلدون والايطالي ماكيافيلي والمجري كلاوزفيتز خير مرجعيات لفهم أدبيات الحرب وفلسفتها وطرق خوضها. ويكاد يجمع كل هؤلاء على ازدواجية الحرب والسلم وعلاقتهم الحميمية وخروج كل منهما من ضلع الثاني.

اذا اود من جهتي أن أضيف الى هذا الزخم الفكري أن الحرب قد تبدو للوهلة الاولى انها واحدة لكنها تكون حبلى بالمعارك العديدة، وكما ان المعارك أشواط، وان الشوط نزال والنزال كر و فر وكل من هؤلاء مصيره الانتهاء بفرز منتصر وخاسر، إلا أن الحرب هي حقيقة حروب و لا يتحدد الفائز والخاسر بعد معركة واحدة و لا حتى حرب واحدة. لأن الحرب تشكيلة معقدة يتداخل فيها التكتيكي والاستراتيجي والمكونات الجسدية والنفسية للجيوش والتجهيزات العسكرية من آليات وأسلحة. الحرب والمعركة ترفض ضغوطات الزمان والمكان بل وتصبح مكونا من مكوناتها في تداخل حميمي و عنيف. فمن عمل بقواعدهما لا شك ستؤول له الغلبة برموزها من اكليل يتوج الجبين ومواثيق تدون استسلام المنهزم. لا تتاتى الغلبة إلا لمن يربح أم الحروب التي تؤسس لدوام وعظمة الشعوب و الأمم. ام الحروب تنتهي بالنصر سيد الانتصارات الذي ينهل شرعيته من التاريخ والجغرافيا والمكون البشري.

المملكة المغربية دولة يعود ذكرها ووجودها في عمق التاريخ الذي يسجل لها وقائع حروب خالدة كمعركة واد المخازن والزلاقة وواد اللبن و أمغالا وبئر انزران. ارضه محاطة ببحر ومحيط وتتخللها أنهار ووديان، تحميه طبيعة تضاريسه بصحاري وسلاسل جبال شاهقة تجعل توغل العدو في سهوله وتلاله من السبع المستحيلات.
أي حرب سجلها تاريخ جارتنا الجزائر إن كان لها أصلًا تاريخ ووجود كدولة قائمة بذاتها. فكل ما سجلته في بعض المناوشات بين جيشها وعناصر من القوات المسلحة الملكية هو خسارة مدوية في حرب الرمال سنة 1963 وهزيمة مدوية في أمغالا الأولى والثانية سنة 1976.

لذلك حافظ المغرب ولا زال يتشبث بمبادئ السلم وحسن الجوار واحترام الوحدة الترابية والسيادة الوطنية للدول.
قد يفوز فريق رياضي جزائري على فريق رياضي مغربي. تلك قاعدة المنافسة الرياضية السليمة والنزيهة. وكل المنافسات الرياضية منذ مؤسسيها الإغريق انبنت على هذه المبادئ. المنافسة الرياضية تشبه حجم وشكل كرة اللعب، دائرية بدون زوايا، تتدحرج في كل الاتجاهات. انتصر بحق فريق الجزائر وقضت الجماهير المتابعة وقتا رياضيا مشوقا وانتعشت ولو لمدة ساعتين علاقات الأخوة المغربية الجزائرية.

فما دعوى لعب قادة الجزائر لدور الكير والنفخ على نار قد تأتي على الأخضر واليابس.
ورغم كل هذا وذاك، فمن كان سفره طويلا اعد العدة بخير الزاد وقوة الراحلة. فالمليون شهيد جزائري يستحقون من قادة بلادهم أكثر من ان تدنيس ذكراهم ودماءهم الزكية عقب انتصار فريق كروي وتلطيخ عتبة بيت الجار. لان الجار يؤمن أشد الإيمان بأن لا خير في انتصار لا يتبعه نصر، وان النصر من نعم الله يمنحه للمؤمن الصابر والصادق من عباده.
فرُبَّ ضارة نافعة الفت بين قلوب إخوة يجمع بينهما اكثر مما يفرق. ورب عترة تهدأ بعدها القلوب والخواطر، ورب خسارة تكفينا شر غاضب حاسد ولو كان اخ أو جار.

*سفير سابق

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...