*الدكتور شنفار عبدالله
التَّوقُّعات الصحيحة والصّادمة للملائكة حول سلوك وتصرفات بني آدم حين خلقه؛ انطلاقًا من قوله تعالى: {أتجعل فيها مَن يُفسِد فيها ويسفك الدماء!؟} غير أن الله عز وجل قلل من أهمية هذا التهويل وموقفها من خلق آدم عليه السلام. حيث كان الرد منه يبحانه؛ أن علم آدم الأسماء؛ وكان في ذلك تحديًا للملأ الأعلى.
وفعلًا النفسُ البشريَّة الأمَّارة بالسُّوء؛ دشنها قابيل الذي سوَّلت له نفسه ارتكاب أول جريمة بشعة عرفها التاريخ؛ بقتل أخيه هابيل: [فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.] فعجز حتى عن: {كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ.} لولا غُرَاباً بَعَثَه اللَّهُ: (يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ.)
الصراع بين الخير والشر؛ هو صراع أبدي و أزلي ولن ينتهي أبدًا؛ حيث تحكمه العقدة الشيطانية: [أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ.] كرد فعل على الكرامة الوجودية للإنسان؛
وقد يأتي زمان يتغلب فيه أحدهما على الآخر. لكن؛ ومع ذلك سيبقى الصراع مستمرًا؛ ولو بشكل متقطع ومنفصل؛ حسب الصيرورة التاريخية؛ وحتى حين قيام الساعة.
كان ينتظر من هذا الخليفة أن يكون مصلحًا في الأرض بوعيه وعلمه وأفكاره؛ التي علمها الله إياه من خلال مُسْتَقِلاَّتٍ عقلية لكل إنسان؛ من أجل إعمار الأرض، وتفادي سفك الدماء.
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}؛ ثم؛ {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ}.
على الرغم من هذه الكرامة الوجودية للإنسان؛ فقد تجبر وتكبر في الأرض وعاث فيها فسادًا وسفك الدماء فعلًا؛ وهذا ما توقعته الملائكة.
فوراء شعارات داعش والقاعدة وأخواتهما من النصرة والمجموعات الارهابية المتعددة التلاوين؛ من ومِللٍ ونِحلٍ ؛ تحمل راية بتوب أسود كتب عليها: (لا إله إلا الله)؛ و(الله أكبر)؛ وتحتها ارتكبت أبشع الجرائم فضاعة وأقبحها دناءة ورعبًا.
وبذلك يكون قد شوه ذلك التكريم الإلهي الوجودي المطلق؛ حيث جاءت النتيجة العكسية للعلم.
حينما نستحضر مسارات الطغاة؛ والتاريخ المليء، والملطخ بالدماء؛ حيث إن الحياة هي صراع أزلي بين الخير والشر، وحيث كان لابد من وجود الطغاة والجبابرة والأشرار؛ كما وجد الأخيار والمصلحين فيها، هؤلاء وإن اختلفت أهدافهم وأسباب فسادهم، إلا أنهم لم يروا في البطش والدموية سوى الطريق الأمثل لتحقيق مآربهم.
نجد تاريخ البشرية مليء بالأمثال حول حكام صنعوا من الوهم والوعي الزائف غذاءً لهم؛ وخلفوا وراءهم الكوارث؛ وما دور الأتباع والمنافقين والمناصرين والمؤيدين بقليل؛ مرورًا بفرعون وهامان؛ {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ.} لذلك كان نبي الله لهم موسى عَدُوّا لهم.
إلى (نيرون) الطاغية الذي أحرق (روما) أعظم مدينة حضارة في التاريخ، وأشاع القتل والاغتصاب؛ لكن “نيرون مات، ولم تمت روما بعينيها تقاتل لازالت تقاتل.”
وصولًا إلى فتنة الرمز؛ (ادولف هتلر) الذي خاض حربًا راح ضحيتها ثلث الشعب وضحى بالرصيد الاحتياطي من الشباب الألماني. كان هتلر مسؤولا عن واحدة من جرائم الإبادة الجماعية الأكثر منهجية وفعالة في التاريخ.
و(جوزيف ستالين) الذي مارس العديد من عمليات التطهير العرقي، وكان مسؤولا عن مقتل ما يقرب من 20 مليون مواطن، سواء بسبب السجن أو الإعدام أو التهجير.
وأيضًا (بنيتو موسوليني)؛ المعروف أيضا باسم الدوتشي، كان واحدًا من الشخصيات الرئيسية في إنشاء الفاشية، وكان يعرف جيدًا بأنه مولعًا بالتكتيك الحربي الوحشي فضلًا عن الاستخدام الكثيف لغاز الخردل، وغيرها من الأسلحة الكيميائية.
وغالبًا ما تصل العدوى للرمز مع الجرعات الزائدة من التمجيد؛ فيخيل إليه من أمره أنه فوق التاريخ والوقائع؛ مع ارتفاع رصيد صفة الشعبوية والمبالغات وخلق الهالة والأبهة ويغيب زمام العقل والتعقل؛ وتصبح الظاهرة تبادلية يغذي بعضها بعضًا.
منذ قدم العصور؛ طرح السؤال حول ما هي الحقيقة؟ ولعل هذا أعظم سؤال ابستمولوجي طُرِحَ في تاريخ الإنسانية على لسان (بِلاطِسْ) حاكم ولاية جوديا على العهد اليوناني القديم؛ من حيث لا يدري مدى أهمية السؤال؛ ولا أهمية وعمق وأبعاد الجواب.
لعل من أشد اللحظات درامية على الإطلاق في تاريخ البشرية؛ تلك التي اقتيد فيها المُسَيَّح مقيدًا في سلاسله وأغلاله أمام (بِلاطِسْ) حاكم ولاية (جوديا) بتهمة أنه يتقول ويشكك في الآلهة اليونانية بكذا وكذا؛ حيث لمَّا وقف أمامه، سأله الحاكم (بِلاطِسْ): من تكون؟ فأجابه المُسَيَّح: إنما جئت لأكون شاهدا على الحقيقة! وبهزة كتف استطرد بلاطس قائلا: وما الحقيقة؟
لم يكن حينها (بلاطس)؛ يعلم أنه طرح أعظم سؤال في تاريخ العلوم؛ والأفكار والمثُلُ ونظريّة المعرفة؛
ولو أن السؤال في العلوم لا يكون بمجرد هزة كتف؛ حيث لحد الساعة لازال سؤال الابستمولوجيا؛ العلم إلى أين؟ وما هي حقيقة وكُنْهِ الأشياء التي جاء المسيح ليشهد عليها؟
يحاصر الأمل، الإنسان الشارد الذي يتوهم الإفلات من الحقيقة حصاراً شديداً.
في استئصال الوعي المزيف؛ حيث الناس قد ملَّت من إزدواجية الخطاب والشعارات الجوفاء البعيدة عن الواقع.
فتاريخ الأيديولوجيات؛ يصنع نوعًا من الوعي الزائف المفرغ من الحقيقة، وهو تاريخ مشبع بالحِكَم المزيفة والمخالفة للواقع. تاريخ؛ في أحسن الأحوال؛ يقود إلى المغالطات المنطقية؛ ومنها يرمي بأصحابه الذين يصبغون عليه تاريخ الميكانيكا؛ إلى التهلكة؛ ومع ذلك يحاولون عبثًا أن يبررونه بالحتميات.
فإذا لم يجدِ خطاب الدعوة والإقناع؛ فلن يجدِ استعمال القوة والعنف نفعًا؛ ولن يسعف استعمال السيف في شيء.
وبالتالي وجب استبدال لغة خطاب القوة الصلبة بلغة الدبلوماسية والقوة الناعمة من أجل تمرير الأفكار والبرامج والسياسات العامة وإقناع الناس بمشروع الأفكار التي نحملها؛ من أجل الرسالة التي حملنا بها؛ وهي إعمار الأرض، وليس إفسادها وسفك الدماء فيها.
*مفكر وكاتب وباحث وراصد مغربي





