بقلم زيد عيسى العتوم
عند الحديث عما جرى ويجري فوق الرقعة السورية, قد تتضارب العناوين وتتعارك المسميات, وتتشابك الرؤى فوق ارض السياسات وتحت سماء المقتضيات, فذلك الصراع المسلح الذي احتفل قهراً بسنينه العشر العجاف, قد كان سورياً واقليمياً ودولياً, وكان حرباً وأزمةً وثورةً, أوله بضعة من الاطفال في درعا المدينة, وآخره ثلة من القواعد المدججة في سوريا البلد, مروراً بالجماعات المعارضة والفصائل المسلحة والتيارات السلفية والجهادية, وعبوراً بالتواجد الروسيّ والامريكيّ والايرانيّ والتركيّ وحزب الله اللبنانيّ, كلّ هولاء وأكثر من هؤلاء لم يتوانوا عن الرقص الخشن ذي الايقاع العنيف, على اطلال واحلام ذلك البلد الجريح.
ليس غريباً أن تقوم روسيا بدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد معارضة متنوعة ومختلفة, فجعبة الغايات والمصالح الروسية في هذا الشأن لها ما يبررها بشدة لدى قادة وساسة الكرملين, متمثلة في الحفاظ على موطىء القدم الاستراتيجي شبه الوحيد في تلك المنطقة المحتقنة, وتعزيز مكانة وثقل روسيا القوية كصاحبة الريادة في استراتيجية الحل والربط في الشأن السوري وبامتياز, وليس غريباً أيضاً أن تنتقل اسرائيل من نهجها المفضل “أو هكذا ادعت” بعدم التدخل فيما سمّي حينها بالربيع العربي, والتنظير وقتها بضرورة تجريد دمشق من كل ما سُمي أسلحة دمارٍ شامل, حتى تنامت اعلانات المشاعر”الانسانية” لدى صنّاع القرار الاسرائيليين الى حد تدشين مشفىً ميدانياً للمدنيين السوريين الجرحى في هضبة الجولان “المحتلة”, فتنتقل الى المواضبة في شنّ مئات الغارات ضد سوريا, معللة ذلك بضرورة لجم الوجود الايراني العسكري قربها, وقطع دابر تزويد حزب الله بما لذّ وطاب من المنظومات التسليحية التي تراها اسرائيل خطراً محدقاً لا بد من معالجته استباقياً, لكن العجيب أن يتشابه لوناً وطعماً رد الدبلوماسية الروسية مع حليفتها السورية عند وقوع تلك الهجمات المتكررة, فمن اعتاد التنديد السوري والتأكيد على حق الرد في الوقت المناسب والمكان المناسب, أخذ يعتاد على الرفض الروسي “الناعم” لتلك الهجمات التي وُصفت بالغير بناءه والغير شرعية, والتي تراها موسكو بأنها غير انسانية وتنتقص من احترام وسيادة ووحدة التراب السوري, في الوقت الذي تتطاير فيه القذائف والصواريخ الاسرائيلية الموجهة متى وحيثما شاءت, قرب ترسانات انظمة الدفاع الجوي الروسي المتطورة ورادارته التي تغطي أرض وسماء سوريا, وليس بعيداً عن أبصار الطائرات الروسية حليفة الجيش السوري في حربه ضد خصومه في حلّهم وترحالهم.
لقد نجح الطرفان الروسي والاسرائيلي في منع الاصطدام المباشر أو الغير مباشر فيما بينهما بكل كفاءة متبادلة, رغم أن مصالحهما قد تتباعد أكثر مما تتلاقى في تلك البقعة الساخنة, لكنّ لسياسة الدول وغاياتها العميقة ما يبررها, ولستائرها الداكنة ما تخفيه في ظلالها, فلدى الحليف الروسيّ والعدو الاسرائيليّ خط ساخن من الاتصالات عالية المستوى تلامس رؤساء الدول أنفسهم, ولديهم خرائط ملونة بغير ما عهدنا من الوان البحار والسهول والجبال, فيها مناطق خالية من الضربات لأنها ببساطة خالية من الوجود الايراني أو تمركز عناصر حزب الله اللبناني, أما الطريف في تلك العلاقة المتناغمة براغماتياً, فهو التزام اسرائيل بضرورة ابلاغ الروس بإشعارٍ قصير المدى قبل قيامهم بأي هجوم ضد سوريا, لتُسكت روسيا صواريخها وتغمض عينيها طواعية, أما الأطرف إن واضبت القيادة العسكرية الروسية على تمرير تلك المعلومات العاجلة الى الجانب السوري للتصدي لتلك الهجمات, بينما اسرائيل تعلم ذلك وتغمض عينيها أيضاً!.
قبل بضعة أيام أُطلقت مجموعة من الصواريخ الاسرائيلية باتجاه سوريا, انطلقت من البحر الابيض المتوسط لتحط رحالها في ميناء اللاذقية, وأقل ما يقال عن ذلك أن النار قد وصلت السماء, وأن الانفجارات قد هزّت أمواج البحر, كلّ ذلك قرب أنظار الجنود الروس في قاعدتهم الجوية العسكرية جنوب شرق تلك المدينة, الا يكفينا ذلك لنعلم أن لعبة الأمم قد لا تدرك مصالح الشعوب, وأن سياسة عض الأصابع قد لا تتوانى عن قطع الأيدي وبتر الأرجل, وبعيداً عن الابحار في غياهب المؤامرة وتكهناتها, فهل ستخبرنا اللاذقية بأن لسوريا مصائب ومعاناة إنسانية, وأن بين روسيا واسرائيل تفاهمات عاطفية!.





