*منصف الوهايبي
لا نسعى في هذه المقاربة إلى الخوض في قضايا كلامية عفى عليها الزمن، وإن كانت لا تزال تطل برأسها من ثنايا أبحاث غير قليلة؛ وإنما إلى طرح قضية التلفظ في النص القرآني، استدراكا على الأصول، ومحاولة منا ما أمكن، لسد الفجوات الصامتة في أكثر من متتالية جُمْلية في النص القرآني، كلما كان الكلام مسندا إلى غير الذات الإلهية. وهي قضية لم نقف في حدود معرفتنا، على من تناولها، إلا أن يكون ذلك على سبيل التلميح والإشارة الخاطفة.
ما شغل الباحثين حقا إنما هو قضية الكلام الإلهي، أهو قديم أم حادث، سواء عند المعتزلة ومن والاهم، من الشيعة الإمامية من الذين قالوا بحدوث القرآن، أي أنه لم يكن ثم كان، أو هو ليس قديما قدم الذات الإلهية. وقد ساقوا في ذلك حججا من النص القرآني نفسه، وتذرعوا بكلمة «محدث» فالمحدث بمختلف تقليباته (حدث ـ أحدث ـ استحدث) يفيد الوقوع، والأمر الحادث وعكس القديم أو نقيضه، والإيجاد والابتداع، أو ما هو محتمل الوجود أو ممكنه. أما خصوم هؤلاء من الحنابلة فقالوا إن القرآن غير مخلوق، وهو كلام الله، وكلامه إنما هو هذه الحروف والألفاظ التي تنتظم النص القرآني. وذهب الأشاعرة مذهب الحنابلة، وخالفوهم فقالوا إن المقصود بالكلام الإلهي «الكلام النفسي» القائم في الذات الإلهية.
والقول بذلك مما ينجم عنه تقييد الذات الإلهية، بالزمان والمكان، ووصفها بالتحيز والتجسم، وما إلى ذلك من لوازم المادة ومواصفات الجسمانية. وكان من ذلك أن شبهوا الله بإِنسان له لحم ودم وشعر وعظم وأن له جوارح وأعضاء حقيقية من يد ورجل ورأْس وعينين وأن له وفرة سوداء، وشعرا قططا. ويُنسب إلى أحمد بن حنبل قوله: «والقرآن كلام الله تكلم به، ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول».
والجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم، وإنما هو يكون شيئا يعبر عنه، ويخلق صوتا فيسمعه؛ لأن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. وأما قولهم إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم، وشفتين ولسان، فيُستشف من ردود ابن تيمية عليه، أن الأشياء أو الجمادات، وما ليس له جوارح الإنسان أو الحيوان وأعضاؤه، يتكلم هو أيضا. ويتمثل على ذلك بالنسق الحواري الاستحالي، الذي يجري في مواضع غير قليلة من النص القرآني، حيث يُسند الكلام إلى الحيوان أو الإنسان، وهو ضرب من التجسيد، كان له شأن في ثقافة عرب ما قبل الإسلام.
ومن اللافت أن يرى ابن تيمية في هذا «الإخبار غير المألوف» الذي هو أس الاستعارة وكنهها «حقيقة لغوية» وكأن الحقائق اللغوية تتحدد بواسطة تصور بسيط لـ»أشياء العالم» أو بمجرد استحضار صورتها في الذهن، أو أن العالم قائم كما هو، بمنأى عن أي تدخل للغة، أو أن الشيء الذي يخص الموصوف هو الذي يحد الوصف ويوجهه إلى صفة دون أخرى. ولعل ما أوقعه في هذه القراءة أن الاستبدال الاستعاري في الآيات التي استأنس بها يكاد لا يقوم على المشابهة أو المماثلة، بل هو يبرح دائرة «الإمكاني» أو «الاحتمالي» وما هو عقلي أو قياسي، إلى «الإحالي» الذي لا سند له إلا المخيال الديني، حيث لا تتقيد المخيلة السماعية بالمخيلة البصرية، ولا يتسمى الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه، وما إلى ذلك من الأشياء المعدودة في تصنيف الكلام المجازي، كما جاء عن ابن رشد في حد المجاز.
وحاصل كلامهم أن الآيات تتضافر في توصيف الذات الإلهية بالكلام. وإنما الخلاف في حقيقة هذا التكلم إن كان قائما فيها من عدمه، وما تفرع عن ذلك من مسائل خلافية: صفة الذات وصفة الفعل والحدوث والقدم. على أن في النص القرآني صوتا ساردا يستوقفنا في أكثر من سورة. وقد يكون من المفيد في دراسته أن ننطلق من ذلك التمييز الدقيق الذي يجريه المعاصرون بين القصة أو الحكاية من جهة والقص والسرد من جهة أخرى. فالملفوظ السردي أو القول السردي ينهض برواية قصة أو مغامرة تنتظمها حبكة، يقوم بها شخوص يتحركون في فضاء وزمان مخصوصيْن. وهم يؤدون القصة في ضوء الممكنات السردية، وما يتعلق منها بالتغييرات الزمنية وإدارة فن الدخول إلى العالم المحكي، سواء أقيدته وجهة نظر داخلية أم لم تقيده. فليس ثمة ملفوظات سردية من دون سرد، أو من دون تلفظ سردي بعبارة أدق. والسؤال الذي لا يطرحه المؤمن عادة كلما تعلق الأمر بالنص القرآني: من هو المتكلم في هذا النص عندما يكون الكلام مسندا إلى ذوات غير الذات الإلهية؟ وأي وضع يشغله هذا الصوت الذي يستوقفنا في أصل كل سورة أكانت حكاية/ قصة أم لم تكن، وهو الذي تعود إليه كل الملفوظات السردية؟ فهل الكلام الذي يسوقه القرآن على لسان إبليس: «قال[إبليس]: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرضِ ولأغوينهمْ أجمعين إلا عبادَك منهم المخلصين» (الحجر -40) كلام إبليس أم كلام الله؟ وكيف نميز في سياق كهذا بين ذات متلفظة وذات ملفوظة؟
هل هذا الكلام الملفوظ (كلام إبليس وغيره) هو كلام هذا الغير بنظمه وتأليفه، حتى لو بلغته لنا ذات أخرى سمعته منه سماعا مطلقا بغير واسطة، وسمعناه نحن سماعا مقيدا بواسطة التبليغ؟ أم هل هو حكاية كلامه، أي هو كلام يشبه كلام هذا «الغير».
فإذا سلمنا بأن الذات المتلفظة هي الذات الإلهية، أو أن الله «يحكي» كلام إبليس، أو هو «يخبر»عن قوله، على نحو ما نجد في مدونة التفسير قديما وحديثا؛ فقد لا يكون لذلك من معنى سوى أن الله يترجم كلام إبليس، أو هو يوضحه أو يفسره بلسانه أو ينقله إلى اللسان العربي، أو يصفه. أما إذا سلمنا بأن إبليس هو الذات المتلفظة، وأن الله لا يُدخل رأيه ولا يحشر حكمه، في كلام إبليس؛ فلا مناص من الإقرار بأن النص القرآني جمع وليس فردا، أو هو «محاورات» بين ذوات شتى. وهذا افتراض قد يسوق إلى القول بإمكان محاكاته، ويسلبه «كماله» الذي لا يعتريه نقص ولا يشوبه عيب في مخيال المسلم؛ والقرآن في المتصور الإسلامي إبداع من غير أصل، ولا احتذاء وبلا آلة وبلا مكان ولا زمان: «بديع السماوات والأرض» (البقرة 117). بل قد يستتبع ذلك «استبعاد» الذات الإلهية من نصها، أو القول بـ«إقصائها» وما قد يعتري القارئ، بسبب ذلك، من خشية أو رهبة، أو ما يمنحه ذلك من متعة له أو لذة وهو يتتبع متحررا من سلطة صاحب النص، هيئات الدال وتقلباته إذ يراوغ مدلوله، وما استقر من ثوابته ومسلماته، أم نحمل قول إبليس على وجه اعتزالي فنقول إن الله هو فاعل الكلام وليس القائم به، أو هو يخلقه ويبثه في مخلوقاته؟
وهذا وغيره مما لا يتسع له مقالنا، قد يفيدنا في فهم الفرق بين الكلام والوحي، وبين القديم والمحدث، ونفي تجسيم الذات الإلهية المنزهة؛ ولكنه يقف مدفوعا مصدودا إزاء الإشكال الذي نطرحه. بل هو لا يفيدنا في فهم هذا الخطاب المنقول الذي يراوح بين هيئة الأسلوب المباشر وغير المباشر في النص القرآني. فالمباشر قول أمين أو هو «طبق الأصل» يُتمثل به، أو يتلفظ به شخص ثالث، فيما غير المباشر دمج خطاب هذا الثالث في نظم الخطاب الرئيس أي خطاب السارد. يحق لنا إذن أن نتساءل مستخدمين لغة السلف، إنْ كان هذا الكلام المسند إلى ذوات غير الذات الإلهية، وبعضه يكاد يتسع لسورة بأكملها؛ كما في سورة يوسف، هو كلام هذه الذوات تكلمت به بلفظه ومعناه، أو هي التي ألفت حروفه وتكلمت بها بصوتها؛ إذ يفترض في هذا الخطاب المنقول أو المروي أو «المخبر عنه» كما نفضل، أن له صوتا يخصه، ونغمة تخصه، وسجية تخصه، ذلك أن هذه الذوات سواء أكانت آدمية أم كائنات لا مرئية، إنما هي في المتخيل الإسلامي، «كائنات حقيقية» وإن لم تكن لها حقائق فيزيائية، وهي ليست «شخصيات ورقية» كما نقول عن الشخصيات القصصية.
وفي هذا ما يُسوغ سؤالنا: هل هذا الكلام الملفوظ (كلام إبليس وغيره) هو كلام هذا الغير بنظمه وتأليفه، حتى لو بلغته لنا ذات أخرى سمعته منه سماعا مطلقا بغير واسطة، وسمعناه نحن سماعا مقيدا بواسطة التبليغ؟ أم هل هو حكاية كلامه، أي هو كلام يشبه كلام هذا «الغير» على نحو ما نقول: هذا يحاكي هذا أو يحكيه أي شابهه وأتى بمثله، أم هو حكاية كلامه عنه، على نحو ما نقول: حكى عنه الكلام أي رواه عنه، وبلّغه عنه، ونقله عنه، وحدث به عنه؟
*كاتب وشاعر تونسي





