«أجندة سيد الأهل» لأحمد صبري أبو الفتوح… الشعب ضحية الفساد ولا فارق بين قاتل ومقتول

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*محمد عبد الرحيم

 

«هاتخربوها، مش هتسيبوا فيها طوبة على طوبة، ولا باب مقفول يستر أهله، ولا عربية راكنة في شارع، ولا واحد من الشعب ابن الوسخة آمن على نفسه… إفراااااج يا زبالة». (الرائد مجدي الحسيني)
العديد من الأعمال الأدبية تناولت ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، شعراً كانت أم نثراً، والأخير يضم اليوميات كحالة من حالات التوثيق، وهو ما ينقذ التفاصيل من النسيان، خاصة لو كان ممنهجاً من قِبل النظام الحاكم ووسائل إعلامه، ثم الشكل الأدبي الأكثر خيالاً، وهو (الرواية). ونجد تواتر الروايات التي تناولت بدورها الثورة المصرية، وحاولت سردها من عدة زوايا ووجهات نظر أصحابها إلى ما حدث وتبعاته. ومن هذه الأعمال نجد رواية «أجندة سيد الأهل» للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح، التي صدرت طبعتها الأولى في نهايات عام 2011 عن دار العين، ثم طبعة أخرى في 2015 عن دار ميريت، وقد انتهى أبو الفتوح من روايته في تاريخ يُثبته في نهايتها وهو 22 يوليو/تموز 2011.

رؤية مختلفة

رغم أن الرواية كُتبت في عام الثورة نفسه، ومع استمرار الأحداث دون اكتمالها، إلا أنه لم ينزلق إلى توهمات أو استعجال النتائج، بل جعل حدث الثورة خلفية لأحداث أكثر عمقاً في المجتمع المصري، متناولاً بذلك رؤية مختلفة لما تفجرت عنه أحداث يناير، من خلال شخوص قد نسمع عنها، ونراها ككتلة واحدة دون تفاصيل، وهم رواد السجون وأقسام البوليس من عتاة الإجرام، هؤلاء الذين أطلقتهم وزارة الداخلية وقت الثورة لترويع الشارع المصري وثواره، أو من أطلق عليهم المصريون (البلطجيّة) الذين ظهروا بشكل سافر في ما عُرف بـ(موقعة الجمل).
يقترب أبو الفتوح أكثر من عالم هؤلاء، موضحاً أسباب انحرافهم، فهم ضحايا في الأساس، وهم صورة صادقة لمجتمعهم وفساده، الفساد الذي يتجسد في شبكة العلاقات التي يرتبطون بها من رجال شرطة ونواب برلمان ورجال أعمال وحتى القضاة. مجموعة ترتبط مصالحهم بالنظام الذي تهدده الثورة، فيستميتون حتى يتم القضاء عليها.

رفاعة سيد الأهل

ينحدر رفاعة من أسرة متوسطة، أب مناضل قديم ـ من ثوار انتفاضة يناير 1977 ـ أطلق على ابنه الأول اسم (رفاعة) والثاني (شهدي) والأخيرة (دريّة) فهو صاحب نضال يساري مشهود. لكن موته عجّل بمصير رفاعة، المتخرج في كلية الحقوق، وتاجر المخدرات الصغير، الذي إن استسلم لعقوبة السجن، إلا أنه لم يستسلم للعمل كمرشد للبوليس، فكان عليه أن يتحمل عقوبة وأهوال رفضه ذلك، بأن يقبع في قبو أحد أقسام الشرطة دون أن يعلم به أحد. وفي القبو تظهر الشخصيات تباعاً.. أهمها عمار بن ياسر، الشهير بـ (تايسون) ثم سليمان الحكيم (اللنش) تامر العبد (تيمور الناعم) سيد القشاش، منصور الأعور. ولجميع رفاق القبو حكايات مأساوية، خلقتهم خلقاً آخر، فساوت بينهم في المصير نفسه.

لكن رفاعة من جهة أخرى يحاول حصر مَن قاموا بخط مصيره هذا.. ضابط القسم، رجل أمن الدولة، وكيل النائب العام الذي ساعد على تلفيق التهم له، وتايسون صاحب اليد الطولى في القبو. كل هؤلاء تضمهم (أجندة) في رأسه يعيش من خلالها، ليصبح حلم الانتقام، هو الأمل الذي يحيا من أجله. حتى تأتي لحظة انطلاق شرارة الثورة، التي يسمعون هتافاتها البعيدة وهم في محبسهم، ليقوم الضابط بفك أسرهم، وإطلاقهم على الثوار وتزويدهم بالسلاح، واستعمالهم في القضاء على الثورة.

السجن الكبير

يخرج رفاعة ورفاقه وهم يعلمون جيداً ما يفعلون. يتردد رفاعة بين المواصلة معهم أو الفرار والانضمام للثوار؟ لكن كيف سينفذ مخططه هو؟ هذا التردد يمتد به طوال الأحداث، خاصة بعدما خرج ووجد آخرين جديرين بالانضمام لأجندة انتقامه.. كشيخ الفضائيات الذي تزوج بشقيقة رفاعة وهو في محبسه، وعلاقة الشيخ بأحد رجال الأعمال وتجار المخدرات. فهل يستطيع وحده الانتقام من هؤلاء!

صفيّة

تأتي (صفيّة) حبيبة رفاعة كبارقة أمل وحيدة وسط كل هذا العفن، رغم حياتها القاسية هي الأخرى، إلا أنها لم تتلوث كما الجميع، وتحاول أن تستميل رفاعة إلى جانبها وجانب شقيقه شهدي/الثوار، دون تنفيذ مخططه الانتقامي، والاعتماد على الحل الفردي الذي ينتويه. يماطل رفاعة ويحاول محاولات تزيد من تعذيبه، كاختطاف طفلة ضابط القسم، وتركها قرب المقابر انتظاراً لمصير مشابه لمصير رفاق القبو. بينما مجموعة أخرى من قبو آخر يقومون بالمواجهة الفعلية، فيقتلون الضابط ويمثلون بجثته. ينجح رفاعة بمساعدة صفية في استعادة الطفلة، وإرسالها إلى أمها. وظل عليه أن يقرر، خاصة وهو يفر من رفاقه الذين إن تخلف عنهم لن يترددوا في قتله. ليأتي اختياره يوم موقعة الجمل بالانضمام إلى الثوار، ليصبح يوم نهايته على يد تايسون رفيق القبو الذي لا يرحم.

آلية إنتاج العنف

لا يدين الكاتب أياً من هؤلاء، فهم نتاج لظروف اجتماعية قاسية وفساد سياسي لا يريد سوى إنتاج المزيد من الأتباع والمقموعين، لاستخدامهم ضد بعضهم بعضا، وتحريكهم كالدُمى وقت الحاجة. لكن ما يكشف عنه أيضاً أن ما يُظن أنه المتحكم يصبح بدوره دمية لآخر أكثر منه قسوة وجبروتا، بينما الوقود الحقيقي للمأساة هم الشعب نفسه.

*كاتب مصري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...