ذ. أحمد براو
تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تكوين تصور الفرد للعالم المحيط به، وفي تكوينه للحقائق والآراء والمعتقدات حول هذا العالم، وازداد ذلك نتيجة التطور الهائل لأدوات الاتصال في العصر الحديث والذي أدى الى زيادة القوة التأثيرية على كافة الأنشطة الإنسانية وعلى جميع المستويات. وحسب عالم الإتصالات البروفيسور فيلبوك شرام المتوفي سنة 1987 فإن أكثر من 70% من المعارف والأفكار التى يبنيها الإنسان لعالمه مستمدة من وسائل الإعلام التى تتناقلها وخاصة تلك التى تتصف بالاستمرارية، وتلعب دوراً فى تكوين معارف الجمهور واتجاهاته تؤدى فى النهاية إلى تشكيل الصور العقلية التى تؤثر فى تصرفات الإنسان. أما الآن وبعدما شهد العالم هذه الثورة الرقمية وأصبح ميدان الإتصالات أكثر شيوعا وصار الإعلام أكثر تنوعا وأصعب اختيارا للوسائل الجدية والإحترافية للوصول للمعلومة، هنا أصبح دور الإعلاميين والكتاب الصحفيين محوريا وأكثر أهمية في بناء وعي المجتمعات وتطورها.
– توزيع المسؤوليات بين المنتج والملقي والمتلقي
اتضح جليا أنه من جهة يتحمل المتلقي المستهدَف أو المستلم للمعلومة المسؤولية الأكبر في تحصين أفكاره واختيار مواده ليس فقط استجابة للعواطف و التوجهات والمعتقدات والإديولوجيات التي تستجيب لمتطلباته وتقضي نهمه، ويستمتع بها حتى لو كانت منحازة ومجانبة للحقيقة والصواب، بل يجب عليه أن يتلقى حتى من الوسائل التي يعتبر القائمين عليها مخالفة لأفكاره ومعتقداته إذا كانت أكثر نزاهة وأقل تحيزا في نقل المعلومة ونشرها والتحقق من حقيقتها، فيما تقع المسؤولية من جهة أخرى – جراء التحيز المفرط التي تنتهجها الآلات الإعلامية والغاية المرجو إيصالها للمتلقي لإنشاء انطباعات وميولات
– على الساسة والحكومات والأجهزة الأمنية وكبار المقاولين في الميدان الإعلامي.
ودائما حسب شرام أنه كلما اقترب محتوى الرسالة من قيم المستلم، كان الاستقبال أفضل ؛ وثانيًا ، أن هناك آثارًا للاتصال لا يمكن للمُصدر التحكم فيها ، مثل شخصية الشخص الذي يتسلمها هو أو قواعد مجموعته الإجتماعية.
أما الإعلامي إذا تصورنا جدلا كونه مضطر للإنحياز بحكم الإلتزامات المهنية فهو كذلك تقع على عاتقه مسؤولية تجاه جمهوره وبناء العلاقة المتينة والثقة المتبادلة تجعل منه أيقونة تكوّن جبهة معجبين ومستمتعين ومشتاقين لمحتوياته،
وكما يجب على الكاتب الصحفي أن يأخذ في الإعتبار أيديولوجية وخبرات جمهوره المستهدف ، وكذلك البحث عن طرق لإيقاظ الاحتياجات الخاصة بهم ثم اقتراح كيفية إشباعها، من جهة أخرى يجب أن يتحرى الموضوعية والحيادية والعدل والإنصاف ما استطاع لذلك سبيلا ولا يجرِمنّه الشقاق أو الخلافات أن يسلك المسلك المغلوط فهو بذلك يتحمل وزر جماهيره ومتابعيه في توريطهم والتغرير بهم.
يختلف اعتماد الأفراد والمجتمعات على “الميديا” وسائل الإعلام حسب البيئة والسن والمستوى التعليمي ويهدف هذا الإعتماد إلى الفهم وإزالة الغموض، وتشكيل الإتجاهات والآراء، وزيادة النشاط والفعالية والمشاركة وهذه الأهداف تترك آثار سلوكية كالزيادة في المشاعر ودغدغتها ورفع منسوب الشعور بالخوف والقلق أو الإنتشاء والإرتياح والوحدة والإحباط والعزلة الإجتماعية، والتسلية والترفيه، كل ذلك يؤثر تأثيرا مباشرا على القرارت الشخصية والجماعية المختلفة، كما يزداد الإعتماد عليها عند الكوارث والحروب والنزاعات والأحداث الجسام.
– تأثيرات الإعتماد على وسائل الإعلام
يحدد الباحثان ديلفور وريكيتش الآثار الناجمة جراء الإعتماد على وسائل الإعلام إلى ثلاث فئات
1 آثار معرفية: إزلة الغموض الناتج عن نقص المعلومات، مع تشكيل الإتجاهات، وترتيب أولويات الإهتمام، وتوسيع دائرة المعتقدات وتوضيح أهمية القيم.
2 آثار وجدانية: وترتبط بالمشاعر مثل الفتور العاطفي أو اللامبالاة، والخوف والقلق، والشعور بالإغتراب
3 آثار سلوكية: وتنحصر في التنشيط بمعنى الإقدام على القيام بسلوك معين نتيجة التعرض للوسيلة الإعلامية، أو الخمول، يتمثل في العزوف عن المشاركة السياسية وعن المشاركة في أنشطة المجتمع وبشكل عام تتأثر عملية الإعتماد على وسائل الإعلام، بعدة عوامل أهمها: طبيعة الجمهور، وأهدافه من الإعتماد على وسائل الإعلام وطبيعة المجتمع ومدى توافر مصادر المعلومات وتنوع هذه وسائل، ثم نوعية المعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام طبقا الظروف العامة التي يمر بها الفرد والمجتمع.
– الإعلامي الناجح ودوره في نشر الوعي المجتمعي
يمكن لوسائل الإعلام أن تساعد على زيادة الوعي لدى الشعوب حول المجتمع والعالم، ويُعدّ الوعي السياسي والثقافي أمراً مهماً إذا أردنا إنشاء جيل من المواطنين المسؤولين اجتماعياً، ويكون ذلك من خلال القنوات الإخبارية، والمواقع الإلكترونية الإجتماعية، والمجلات، حيث يُمكّن الإعلام الناس من إدراك ما يدور حولهم في هذا العالم.
يُنظّر الفيلسوف الإيطالي نيكولو ميكيافيللي لمبدأ البرغماتية وهو أن الغاية تبرر الوسيلة ولكن هل يعقل أن يُترك المرء لاختيار أية وسيلة يريدها دون أن يضع لها معاييرا تحفظ المجتمع من الدمار والقتل والتفكك والفساد، فتصبح الحياة مليئة بالفوضى بعيدة كل البعد عن النظام الذي يحفظ الأمن والأمان، فالإعلامي هنا لابد أن يحدد قيمة الفكرة التي يقدمها وماهي المنفعة التي يمكن أن تقدمها الكلمة قبل أن يخطها أو يلفظ بها، واستخدامه لهذه الوسيلة الفعالة قد تكون إما سلبية هدامة أو إيجابية بناءة، لذلك فالكاتب الصحفي المرموق أو الإعلامي الناجح هو الذي يحسب الحساب لكل ذلك، هو الذي يؤدي مهامه باهتمام بالغ للمحتويات وأن يكون حرا في تحريره وإبداعه ولا يقبل الدنية، بالطبع هذا لا يعني عدم وجود قوانين ناظمة للعمل الإعلامي، لكن يجب أن تبقى مثل هذه القوانين في حدودها الدُنيا ولا يجب أن تتضمن بأي حال من الأحوال فرض أي نوع من أنواع الرقابة على المحتوى.





