البيان في فضائل شهر شعبان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. أسامة جادو

 

 

أتوجه إلى الأحبـــة الكرام جميعًا ونحن على عتبات شهر شعبان، بعظيم التحية والدعاء أن يبلغنا الله تعالى شهر رمضان على خير حال، وأن يصب الخير على بلادنا و أمتنا صبًا ويجمع شمل الأمـة كلها على الحق، و أن يوحدَ صفنا و يحفظَ جمعنا.
هذا شهرٌ كريمٌ مباركٌ أظلَّنا عن قريب، فأهاج مشاعر الهداية والإيمان، وهتف بنا إلى الطاعة والعبادة والإحسان.
فهو تقدمةٌ لشهر رمضان المبارك، وتمرينٌ للأمة الإسلامية على الصيام والقيام وصالح الأعمال ؛ حتى يذوقوا لذَّة القرب من الله تعالى، ويستطعموا حلاوة الإيمان ، فإذا أقبل عليهم شهرُ رمضان أقبلوا عليه بهمَّة عالية ، ونفس مشتاقة، وانكبُّوا على الطاعة، وانعكفوا على العبادة ، وتخلقوا بأحسن الأخلاق .

– فضائل شهر شعبان

روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه بسند حسن، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: “كان رسول الله يسرد حتى نقول: لا يفطر ، ويفطر حتى لا يكاد يصوم ، إلا يومين من الجمعة إن كان في صيامه ، وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان. فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما. قال رسولُ الله: “أي يومين؟” قال: الإثنين والخميس. قال: “ذلك يومان تُعرض فيهما الأعمالُ على رب العالمين، وأُحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم”.

في هذا الحديث يصف الصحابي الجليل أسامة بن زيد- رضي الله عنهما- صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم على مدار العام، فكان من هديه أن يصوم ويطيل الصوم حتى يخيَّل لأصحابه أنه لا يفطر، وكان يفطر أيامًا متتاليةً حتى يُظن أنه لا يصوم. وهذا ما عبَّرت عنه أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: “كان رسول الله يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم”. وكان أنس بن مالك-رضي الله عنه- يقول: “كان رسول الله يصوم حتى يُقال: قد صام قد صام، ويفطر حتى يُقال: قد أفطر قد أفطر”.

ومعنى ذلك أن صومه وفطره قد علِمَه الكافَّةُ ، فمن رآه أيام صومه يقول: لا يفطر؛ من كثرة أيام صيامه، ومن يرَاه أيام فطره يقول: لا يصوم؛ من كثرة أيام فطره، بل كان ذلك هديه.
كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يكثر الصيام في شهر شعبان

اشتُهر عن النبي صيامه في شهر شعبان، وأن صيامه في شعبان أكثر من صيامه في غيره؛ فعن أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- قالت: “ما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان”.
فإلى الذين يستنُّون بسُنَّة النبي ويقتدون به، ويعلنون للدنيا أن الرسول قدوتهم نقول: قد أقبل عليكم شهر حبيب إلى حبيبكم، وقد بان لكم خصوصية هذا الشهر ومكانته وعلمتم فضائله ومنزلته، وكيف كان حال النبي فيه، فلقد شاع الخبر أنه كان يُكثرُ الصيامَ فيه ، فماذا أنتم فاعلون؟!
إنَّ الباقَة الكريمة من الأحاديث الشريفة التي نورت السطور السابقة، وعطَّرت مسامعنا تنادي فينا: “هلموا يا أتباع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) إلى خيرٍ كان يحرص عليه حتى وفاته”.

– حكمة إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان

لم يختلف الصحابة الكرام في حالِ النبي في شهر شعبان، وكيف كان يُكثر الصيام فيه، فما الحكمة من ذلك؟!
ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى:
“ولعل الحكمة في صوم شهر شعبان أنه يعقُبه رمضان، وصومُه مفروضٌ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره ؛ لما يفوته من التطوع الذي يعتاده بسبب صوم رمضان”.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله تعالى- في بيان حكمة إكثار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من الصيام في شعبان:
أن شهر شعبان يغفُل عنه الناس بين رجب ورمضان؛ حيث يكتنفه شهران عظيمان، الشهر الحرام رجب وشهر الصيام رمضان، فقد اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه؛ لأن رجب شهر حرام، وليس الأمر كذلك، فقد روت السيدة عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: “ذُكر لرسول الله ناسٌ يصومون شهر رجب، فقال: فأين هم من شعبان؟”.

وفي قوله: “يغفل الناسُ عنه بين رجب ورمضان”.. دليل على استحباب عمارة الأوقات التي يغفلُ عنها الناسُ ولا يفطنون لها، كما كان في بعض السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين (المغرب والعشاء)، ويقولون: هي ساعة غفلة. وكذلك فضل القيام في وسط الليل؛ حيث يغفل أكثر الناس عن الذكر؛ لانشغالهم بالنوم في هذه الساعة، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :
“إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن”. وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله تعالى في وقت من الأوقات، قلَّ منّ يذكرُ الله فيه.

وقد صحَّ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم قولُه: “العبادة في الهرج كالهجرة إليَّ”، وخرجه الإمام أحمد في مسنده ولفظه: “العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ”. وسبب ذلك أنَّ الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع ما يرضيه ويجتنب ما يغضبه ، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه.

والمعنى الآخر للحكمة ما عبر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: “وهو شهر تُرفع فيه الأعمالُ إلى رب العالمين، وأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم”. فأحبَّ النبيُّ ( صلى الله عليه و سلم ) أن تُرفع أعماله وتُختَم أعمال السنة وهو على أفضل حال من العبادة والطاعة؛ ولذلك قال: “وأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم”.

وذُكر في صوم شعبان معنى آخر، وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلاّ يدخل في رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قَبْلَه حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.
ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرِع فيه ما يُشْرَع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهب لصيام رمضان، وتروضَ النفوس على طاعة الرحمن.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم النَّاس الخير

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...