الادب المقارن من فرنسا إلى المغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

زينب الكرت

 

جرت العادة انه للقيام بدراسة علمية للأدب لابد أن يتوفر الباحث عن عدة معرفية مهمة في مجال مناهج النقد الأدبي قديمها وحديثها لإطفاء نوع من العلمية والموضوعية على الدراسة الأدبية لموضوع ما. سواء الدراسة الداخلية للعمل الأدبي، والدراسة السياقية الخارجية أو في إطار مقارنة العمل الأدبي بعمل آخر وتعد المقارنة الأدبية من الآليات الناجحة لدراسة العمل في ظل مجموعة من التأثيرات الداخلية والخارجية وكذلك لاستنادها على مجموعة من المناهج، فبتطور مناهج النقد الأدبي تطور معها الدرس المقارن. ولمعرفة ماهية الآداب المقارن كايوليه مهمة للدراسة النقدية في إطار الانفتاح على الأخر وتطبيقها لمبدأ أي التأثير والتأثر توجب علينا طرح مجموعة من التساؤلات من قبل:

– ما مفهوم الأدب المقارن؟ وما هي ابرز مدارسه؟
– ما هي العوامل المساهمة في ظهور الأدب المقارن؟
– ما هي الروافد الفكرية والثقافية لامتدادات المعرفية للأدب المقارن؟
– ماذا بعد المقارنة؟ إلى أين وصل الأدب المقارن؟
– ما علاقة النقد الثقافي والدراسات الثقافية بالدراسات المقارنة.
– ما هي الفرنكفونية في اطار المقارنة الأدبية وما علاقتها بالأدب العالمي؟
– ما هو مسار المدرسة العربية في تتبع الدرس المقارن بين مفهوم القديم والجديد؟
– ما حظوظ التجربة المغربية في تطوير البحث المقارن في العالم العربي؟

بدأت الإرهاصات الأولى لظهور الأدب المقارن في فرنسا من خلال دعوة مدام دوستايل الأمم إلى التواصل والترحيب بالافكار الآتية من الآخر وأكدت هذا في كتابها عن ألمانيا ليؤكد بعدها فيلمان على ضرورة المقارنة الأدبية من خلال محاضراته التي ألقاها سنة 1927 ليصبح بعدها مادة تدرس في الجامعات. ومن أشهر رواد الادب المقارن في فرنسا. الجيل الأول بول فان تيجيم / ماريوس فرانسوا كوريار وقد كانت هذه المقارنة في بدايتها تكرس الهيمنة الاوروبية والمركزية الفرنسية والانغلاق الذاتي متأثرة بالفلسفة الوضعية والمنهج التاريخي، القائم على جمع الوثائق والأدلة والوسائط والتحقيب والتأريخ للبرهنة على وجود علاقات تأثير وتأثر. وقد وجهت لهذه المدرسة التقليدية العديد من الانتقادات خاصة من طرف رينيه ايتنامبيل أو الفتى المتمرد كما يلقب الذي دعا الى الخروج من التقوقع الاوروبي والانفتاح على الاداب الشرقيه وشجع على الترجمة ومن المقرارنين الجدد الذين اتبعوا نهج ايتيامبيل نجد كلود بيشوا / روسو لتدخل بعدها هذه المدرسة في أزمة وكان ذلك سنه 1958 حيت أطلق هذا المصطلح رينيه ويليد فلقد ساهمت مجموعة من المتغيرات الفكرية والفلسفية في تكوين نسق ثقافي يرفض التاريخية القومية وتوسعت المقارنة لتشمل دراسة النصوص الأدبية من الداخل ومقارنتها بباقي العلوم والفنون كالرسم والموسيقى والنحت مستندة في ذلك على المنهج البنيوي والارتكاز على مبدأ الرفض خاصة وان هذا الشق الثقافي أوجد لأمريكا مخرجا لاشكالية الأصول المتعددة (خليط من الأجناس، ولأن أمريكا اكتشفت حديثا) متأثرة بمجموعة من النظريات (نظرية التلقي/ التناص/ الماركسية/ الشكلانية).

أما المدرسة السلافية فقد كانت لها رأي آخر في الدراسات المقارنة حيث أن روسيا ودول المعسكر الشرقي تأخرت في ميدان الدراسات المقارنة وأول من استعمل هذا المصطلح الكسندر فيكلوفسكي كما ساهمت الثورة الاشتراكية سنة 1917 في تشجيع أنصار الواقعية الاشتراكية التي أرادت من الأدب أن يكون شيوعيا خالصا فقط مرتبطا بالأحوال الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة. كما أن ظهور الأدب المقارن السلفي مرتبط بالمجال الاقتصادي والتاثر بالفلسفة الماركسية التي تربط الظواهر الأدبية بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي وقد سعت هذه التجربة المقارنة إلى البحث عن المناهج والمدارس الأدبية المقارنة المتنوعة عبر الاتصال بآداب العالم (أخذت من المدرسة الفرنسية الجمالية ومن المدرسة الأمريكية النقد). ومناهضة النزعة اللامركزية الاوروأمريكية مع كل هذه المحطات التي مر منها الأدب المقارن فقد وصل إلى باب مسدود وبتعدد السياقات التاريخية والفلسفية والفكرية أصبح التفكير في إيجاد منهج خاص لمقارنة النصوص الأدبية ضرورة ملحة، وفي ظل هذه الأزمة الخانقة التي طالت مدارس الأدب المقارن أصبحت تتشكل رؤى جديدة تدعوا الى الانفتاح على مجالات معرفية متعددة وتجاوز المد القومي والهيمنة والمركزية والأحادية والنموذج الأسمى وإعادة الاعتبار للهامش (الدول المستعمرة ودول العالم الثالث). ولقد ساهمت فلسفات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار في تبلور الوعي الجماعي لماض لم تتحقق مبادئه في مرحلة الحداثة، وأن ما بعد الحداثة محاولة لاتراء مرحلة الحداثة في ذاتها واتمام مشروعها حتى النهاية، ومن ابرز مبادئها:

– هدم الانساق الفكرية الجامدة والاديولوجيات الكبرى المغلقة.
– تقويض أسسها والعمل على إزالة التناقض الحداثي بين الذات والموضوع.

(ميتافيزيقيا الحداثة) مشبعة بالمناهج المابعدية مثل ما بعد البنيوية التي من ابرز أعلامها جاك ديريدا (التفكيكية) وميشيل فوكو (نظرية تحليل الخطاب) ورولان بارت وجاك لاكان وجيل دولوز وغيرهم. وانطلقت مواقفهم الجديدة التي اصبحت ترى انا دراسة البنى الداخلية للنص لن تكون مثمرة، الا اذا تم الربط بينها وبين الحقل الأوسع للعلاقات المحيطة بها ومتأثرة بفلسفة كل منها (هايدغر نيتشه وفرويد). الذين دعوا الى فقدان المركز في عالمنا الفكري. كما ساهمت كتابات بعض المفكرين المابعد الكلونياليين مثل ادوارد سعيد وكتابيه الاستشراق والثقافة الامبريالية وكتابات هومي بابا (موقع الثقافة) وغياتري سبيفاك من خلال مقال (هل يمكن للتابع أن يتكلم) الذي تحدثت فيه عن طقوس الساتي الذي تقدم فيه الأرملة المنهدية بإحراق نفسها مع زوجها المتوفي، وكتابات فرانز فانون “معذبوا الأرض” وظهور مفاهيم جديدة مثل الزنوجة والأدب النسوي والكتابات عن الجنوسة وظهور مدرستي فرانكفورت للدراسات الثقافية والنقد من الداخل وكذلك النقد الثقافي الذي يعمل على دراسة الأدب باعتباره نسقا ثقافيا مضمرا وهو ربط الأدب بسياقه الثقافي غير المعلن وكشف العيوب والقبحيات المخبأة (الثانوية) تحت عباءة الجمالي ومن كل هذا يظهر أن الأدب المقارن بعد تعرضه لازمة المناهج حاول في مرحلة المابعديات الإجابة عن بعض الإشكاليات والبحث عن مناهج مستقلة تخص الدرس الأدبي المقارن من خلال رفض الثنائيات الكلاسيكية شرق/غرب – مركز / هامش/ القائد/ التابع الى غير ذلك. وتعتبر الدراسات الثقافية والنقد الثقافي امتدادا في رحلة الدرس الأدبي المقارن.

لكن السؤال المطروح يبقى هو ما حظوظ المدرسة العربية في الأدب المقارن؟ وكيف سايرت رحلة تطور الأدب المقارن ومناهجه؟ ظهر الأدب المقارن في العالم العربي أواخر النصف الأول من القرن العشرين، وبالتالي تأخر اضطلاع العرب على هذا الوافد الجديد، ففي الوقت الذي كان الأدب المقارن قد قطع أشواطا طويلة كان العرب في بداية التعرف عليه حيث ظهر أول مرة مع نجيب العقيقي و عبد الرزاق حميدة سنة 1948 لتبرز بعدها أسماء أخرى من قبيل محمد غنيمي هلال وإبراهيم سلامة وصفاء خلوصي وغيرهم، وشكل هؤلاء مرحلة تأسيس وكانت دراساتهم عبارة عن ترجمات وتهجير للأفكار الأوروبية لا غير. مثل نموذج غنيمي هلال الذي درس في جامعة السوربون وتأثر إلى حد كبير بالمدرسة الفرنسية. ليشمل بعدها ظهور مجلتين عربيتين اهتمتا بالأدب المقارن وهما “الدراسات الأدبية” و “مجلة الدفاتر الجزائرية للأدب المقارن” ولم تخرج الدراسات في هذه المرحلة عن إطار المقابلة والمقارنة مثل الجاحظ والأدب المقارن……… المصادر الإسلامية في الكوميديا الالهية لدانتي.

وأيضا كتاب “أصالة الخرافة الإيطالية حول صلاح الدين” الخ. لتنفتح بعدها الدراسات على كل مدارس مسايرة للتطور الذي عرفه الأدب ومثل لهذا الاتجاه عبد السلام الكفافي حيث يقول “هناك اتجاه آخر يوسع مفهوم الأدب المقارن بحيث يشمل أي دراسة مقارنة وبين الأدب وغيره من النشاط…” ونجد كذلك طه ندا حيث يقول “ليس هناك بين شعوب العالم مجموعة من الشعوب بلغت في اتصالاتها وتأثيراتها فيما بينها ما بلغته الشعوب الإسلامية ونقصد هنا “العرب، الفرس، الترك”.

من كل هذا يتضح أن مسار الأدب المقارن في العالم العربي كان محفوفا بالكثير من المنزلقات، ولا تمكننا أن نقر بمجود مدرسة عربية خالصة ففي الوقت الذي قطع فيه الأدب المقارن أشواطا هامة في رحلة تطوره، كان في العالم العربي لا يزال يشق طريقه. وفي الوقت الطي تجاوزها فيه المدارس وعلاقة التأثير والتأثر كان الهدف الأسمى الطي بلغه الادب المقارن هو رصد علاقات التأثير والتأثر بين الآداب العربية باستثناء سعيد علوش الذي كان باحثا يقظا واعيا بمسار تطور الدرس الأدبي المقارن، فإذا كان هذا الأخير (الأدب المقارن) قد استطاع ان يمتد نحو الدراسات الثقافية، وإعادة الإعتبار للثقافات الهامشية كهدف سامي فإن سعيد علوش صار على نفس الدرب في دراسته للأدب الخليجي الذي يعاني من التهميش والاهتمام ليس على المستوى العالمي فقط، وإنما على المستوى الإقليمي كذلك مثل وجود بعض المراكز كمصر والشام فيحين لا نجد آثار بمناطق أخرى ولعل دراسة علوش التي عنونها “الثقافة الخليجية في نقد النقد العماني المعاصر” هي خير دليل على نضج تجربة الأدب المقارن عند علوش. فبالرغم مما تعانيه الثقافة الخليجية من تأثر فإننا نجد داخل هذه الثقافة صراعات ونزاعات في مختلف المجالات، وكذلك انفتح علوش على الآداب الموازية مثل شريط القصة المصورة الذي يعرفه بأنه وسيلة جماهيرية تجمع بين الكتابة والمختص في الفن والكرافيك ويعتبر أن الأمر يتعلق بنوع أدبي مرسوم وتحدث عن السينما واعتبرها آداب ولحقة Para letterature، كما مزج بين السينما والأدب وقارن بينهما في قوله “أن الحديث عن نظرية السينما الأدبية هو نوع من الإحتجاج ضد إعزاء الماضي الذي كانت فيه الهيمنة للآداب المتعمدة، قبل أن تتزعزع هذه العقيدة فيما يسمى الآن فلم الكاميرا أو كاميرا الفلم وعين العلبة السوداء” فسعيد علوش إذن انطلق من باب التلاقح والتناسج الموجود بين السينما والآداب ومما سبق يتبين أن سعيد علوش بحث عن مجالات مختلفة الاشتغال وخرج من نطاق المقارنة الكلاسيكية بانفتاحه على الآداب المعتمدة في إطار الدراسات الثقافية والنقد الثقافي وفي إطار تفاعل الآداب مع الفنون الأخرى.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...