*ذ. أحمد براو
أحرص كثيرا على متابعة الأحداث والأخبار وكل المستجدات في مجال كتاباتي ومقالاتي الصحفية التي تتصف بالتنوع، رغم بعض التخصص في مواضيعي التي تعنى بأوضاع المهاجرين المسلمين والمغاربة في أورربا وخصوصا داخل إيطاليا، استننتجت من ذلك أن متابعي وقرائي من الجمهور يواكبون كل ما أكتب باهتمام واستحسان لما أقوم بتدوينه ونشره واعتبارها مقالات جيدة ومناسبة تستحق القراءة والنقاش بل ومنها ملفتة للإنتباه ومثيرة للإهتمام وممتعة في الطرح وسلسة في الأسلوب.
ومن دواعي الفخر أنني أستقبل الكثير من رسائل التنويه والتشجيع والشكر والتقدير وفي بعض الأحيان الملاحظات من قرائي الأوفياء والتي أعتبرها جزءا من هذه المسيرة التي انطلقت منذ عامين تقريبا، بحيث بادرتني فكرة أصبحت في ما بعد مشروعا لجمع المقالات في كتاب أود نشره في أقرب وقت.
– دوافع الكتابة حول الحرب
لم أتردد يوما في كتابة مقال يعنى بأوضاع الحروب كترددي في هذه الأيام جراء العدوان الروسي على أوكرانيا، مع أنني لست متخصصا أو خبيرا في النزاعات والصراعات الجيوسياسية أو في العلاقات الدولية والتنافس على النفوذ بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، لهذه البشرية المتقطعة الأوصال والتي لاتخرج من مستنقع حتى تسقط في آخر، وكأن الحروب والنزاعات والقتل والدمار واللجوء والتشريد أصبحت سمات موسمية وجرعات لا يمكن لسكان الأرض من البشر أن يعيشوا بدونها، وأن المآسي والأحزان كتبت على جبين الشعوب المستضعفة.
فقد سبق أن كتبت على خجل في مواضيع مثل الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط بين إيران وتركيا وإسرائيل، ونشرت مقالات حول العدوان على غزة هاشم وحول سوريا وليبيا وأفغانستان، لم تكن سوى قراءات لرؤية عامة تحاول استقراء الأحداث وفهم الأوضاع من جهة ونشر الوعي حول ما يجري من عمليات من جهة أخرى.
ما دفعني الآن لكتابة مقالا حول العدوان على أوكرانيا وانتهاك حق بلد مستقل من طرف بلد آخر معتدي بدون مبرر، هو مدى تخبط العديد من المتابعين من أجل إيجاد المبررات للساسة والعسكريين الروس وتلفيق التهم للجانب الأوكراني بأنه يتحمل المسؤولية لإعلان شرارة الحرب وبداية الغزو الذي انطلق يوم 24 فبراير تحت دهشة وصدمة العالم أجمع بعدما كدس الروس دباباتهم وأسلحتهم وجنودهم طول الحدود الشرقية والجنوبية لأوكرانيا.
– اختلاف الآراء له دوافع وعواطف أديولوجية
من ثم لما بدأت الحرب والعدوان انتشرت عبر مواقع التواصل الإجتماعي محتويات أغلبها تدين هذا العدوان وتتهم الرئيس بوتين بالدكتاتورية والشمولية والإستعلاء بالقوة على دولة مجاورة ودعم انفصالييها وإعلان استقلالهم كمبرر لحمايتهم ونزع سلاح ما يعتبروهم نازيين يحكمون أوكرانيا وزعمها الدخول في مصاف دول حلف الناتو، تلكم هي مبررات رئيس الإتحاد الروسي وشروطه الملقاة أمام المسؤولين الأوكران من أجل العدول عن الحرب وعودة العسكر الروس لثكناتهم.
ما لفتني كذلك هو استماتة بعض الأوروبيين والعرب لتقديم الغرب المتمثل في أمريكا وأوروبا الغربية وأعضاء حلف الناتو على أنهم من يتحمل كامل المسؤولية حول ما آلت إليه الأوضاع بسبب توسعهم حتى حدود روسيا، رغم انتقادهم على مضض لسياسة بوتين العدوانية والتدميرية ابتداء من الشيشان إلى جورجيا ودونباس مرورا باحتلال القرم وتدمير سوريا والتدخل في ليبيا. وأنا أكتب مدونات في صفحتي الشخصية على تطبيق الفيسبوك حول العدوان الروسي أستقبل تعاليق تنتقدني بدعوى دفاعي عن حلف الناتو وعلى النازيين في أوكرانيا. فيما أثار انتباهي دفاع البعض عن سياسة بوتين في صد حلف الناتو ومجابهة الإرهاب في الشيشان وسوريا وليبيا، والأدهى من ذلك تبرئة كل إجرام الجيش الروسي من جرائم الحرب في غروزني وحلب. قلت لابأس إذا كانت الأديولوجيات والمعتقدات تبلغ مبلغها في فكر المؤمنين بها، يجعل من استعمال المنطق فقط باتجاه واحد هو الدفاع المستميت عما يستجيب لعواطفهم. أقف حيران حينما يبادرني أحدهم بفكر خالي من أي إنسانية وهو يستهين بحياة الآلاف من الضحايا وملايين المشردين جراء استيقاظ زعيم نرجسي مختل عقليا، ينظر بين عطفيه ويهين مستشاريه بما فيهم وزير دفاعه ورئيسي أركانه واستخباراته.
– لا مجال للإستقطاب يجب إيقاف الحرب بسرعة
خرجت كغيري من أبناء مدينتي لأحتج على إعلان الحرب مع الجالية الأوكرانية التي كانت حضرة بقوة رافعة أعلام السلام والملصقات المنددة بالقيصر الصغير وهتلر القرن الواحد والعشرين كما يصفونه، وألقيت كلمة أتضامن فيها مع الشعب الأوكراني والمهاجرين الأوكرانيين والأوكرانيات الذين يعيشون معنا ويشاركون في لقاءتنا مع باقي الجاليات المهاجرة وتعرفت على العديد منهم الذين أبدوا شكرهم وتقديرهم لكل ما أقوم به من تضامن ومساندة معنوية للمأساة التي يتعرض لها شعب أوكرانيا والذي بلغ تقريبا مليونيْ لاجئ خرجوا من أوكرانيا باتجاه بولندا ورومانيا.
من جانب آخر عند نهاية التظاهرة الإحتجاجية كتب لي بعض الأصدقاء الإيطاليين ذو التوجه الشيوعي يعاتبونني لماذا لا أندد بالناتو وبالنازيين الأوكرانيين وما تقوم به أمريكا وأوروبا من محاصرة روسيا ومعاقبتها اقتصاديا وخنق الشعب الروسي.
أتفهم وضع الشعب الروسي المغلوب على أمره والمطبق عليه من طرف الدكتاتور بوتين ومن يحاول الإحتجاج ضد الحرب يحكم عليه بخمسة عشر سنة فقط لأنه يصف “العملية” العسكرية الروسية بالحرب ومن يعارض سلطة موسكو تتم ملاحقته ويلقى في غياهب السجون أو يتم تصفيته ولو كان خارج روسيا كبعض المعارضين من الصحفيين والكتاب وحتى أيقونة روسيا ضد النازية المرأة المسنة يلينا أوسيبوفا التي خرجت بيافطات تدين الحرب وتعرضت للإعتقال.
لكن ذلك ليس سببا في ألا يخرج الشعب الروسي ليقول كلمته كما فعلت النساء السوفيات في موسكو القرن الماضي من أمهات الجنود الذين قتلوا في أفغانستان للضغط على الحكومة لإنهاء الاحتلال الذي أدى فيما بعد لانهيار وتفكك الإتحاد السوفيتي.
– استدارة أوكرانيا غربا أحد أسباب الحرب
لا ننسى أن الشعب الأوكراني اختار النظام الديمقراطي وانحاز لنمط الحياة الغربية منذ ثورة 2013 للإطاحة بالنظام الموالي لموسكو وبالتالي استدار غربا وأصبح يؤمن بالعملية الإنتخابية بالتداول على الحكم وأعلن قراره بطلبه الإنضمام للإتحاد الأوروبي تأسيا بباقي جيرانه الغربيين بولندا ورومانيا وهنغاريا وأستونيا ومولدوفا ولاتفيا ، وهو ما جعل الدب الروسي يستشيط غضبا ويستشعر خطرا، بالرغم من أنه حتى الجانب الروسي لم يبق له من الشيوعية إلا الفتات وهم أيضا من معارضي بوتين وحروبه..
لم تأت الحروب بأي نتائج مرضية لأي طرف رغم ما يبدو أن فيها منتصر ومنهزم بل يمكن القول الأقل انهزاما والأكثر انهزاما، هنا فإذا لم تحقق روسيا كل شروطها وهذا مستبعد فإخضاع الشعب الأوكراني الذي خرج يتظاهر عند دخول القوات الروسية أحد المدن ووقوفهم في وجه الدبابات لا يبشر باستمالة الروس لعقولهم وقلوبهم، بل سيشعل مقاومة في كل بيت وحارة ومدينة وهذا مستنزف لطاقات القوات الروسية المنهكة أصلا في سوريا، ورغم أن الرئيس الروسي لطالما أكد أن الشعبين أخوين فإن حجم الكارثة الإنسانية والبيئية والتحتية لأوكرانيا كارثيا بمعنى الكلمة، هذا لو استثنينا منها الإقتصادية لأن المساعدات ستتدفق بعد الحرب، لكن لا ثمن للحرية والديمرقراطية ولا يمكن للشعب الأوكراني أن يفرط فيهما والإرتماء مرة أخرى في أحضان روسيا.
– في هذه الحرب سؤال واحد :من الخاسر الأكبر؟
أكبر الخاسرين ستكون فعلا هي روسيا فإحصائيات المليار دولار يوميا جراء هذا العدوان والحصار الإقتصادي والعزلة الدولية والمتابعة القضائية للمحاكم الدولية وإمكانية فرض التعويضات سيجعل من الساسة الروس مستقبلا يفكرون مليا قبل الدخول في أحد المستنقعات، وبعد أسبوعين من العدوان سكتت المدافع بدعوى إفساح المجال للمرات الأمنية الإنسانية للإجلاء، ثم قبول التفاوض على مستوى رفيع بوساطة تركيا حيث سيلتقي وزراء الخارجية وكل متمسك بمطالبه وهو ما ينذر عن الفشل قبل البداية. فيما تعتبر أوكرانيا ثاني الخاسرين بسبب الكارثة الإنسانية الهائلة والضحايا والدمار الشامل للممتلكات، والعيش تحت خطر محدق في أي وقت من اجتياح آخر سيجعل من حياتهم جحيما من جهة الشرق، وهو ما سيعجّل بطلب انضمامهم لأوروبا وحلف الناتو من أجل الحماية وهذا ما سيحدث غالبا لأن الأوروبيين أصبحوا متأكدين أن روسيا دولة عدوانية وليست صديقة وتهدد أمن واستقرار الدول الأوروبية كما ستتحمل أوروبا مآلات الحرب و آثارها الإقتصادية بسبب أضرار تدفق الغاز و وآثارها الإنسانية لتدفق اللاجئين واستقبال بولندا ورومانيا لمليوني لاجئ بعد أسبوعين فقط.
أقل الخاسرين هي أمريكا نظرا لعدم انخراطها مباشرة في هذه الحرب وقامت فقط بفرض عقوبات قاسية على روسيا ومقربين من بوتين وصانعي القرار وكبار المستثمرين ودعوتها لكندا واليابان وكوريا الحنوبية وأستراليا.. بتشديد الخناق الإقتصادي على روسيا، كما تصدرت دعوة 141 دولة عضو من أعضاء الجمعية العامة لإدانة الغزو الروسي.
كانت تراهن روسيا على سرعة العملية وضعف المقاومة الأوكرانية لكنها خسرت هذا الرهان بعد صمود الجيش الأوكراني وإلحاقه أضرار كبيرة لم يكن يتوقعها أحد معلنا مقتل أكثر من عشرة آلاف جندي روسي ورغم أن العدد مبالغ فيه فتشير تقارير روسية أن الخسائر كانت فادحة وأنه في حالة استمرار الصراع فسيتضاعف ويجعل الأهداف مستبعدة التحقيق. كما كان يراهن على انقسام الدول الأوروبية والغربية واستحالة قطع العلاقات خصوصا في مجال الطاقة ولكن لم يكن يتوقع توحد أوروبا في الحصار الإقتصادي والجوي واعتبار روسيا خطر على الأمن الأوروبي.
*أستاذ تربوي باحث وفاعل جمعوي رئيس فوروم مغاربة كالابريا





