عماد الشدياق
تتصاعد احتمالات اندلاع حرب جديدة بين موسكو وواشنطن، وهذه الحرب لن تدور أحداثها “بالوكالة” كما كانت الحال خلال الحرب الباردة، ولا حتى في ساحات الوغى، وإنما سيكون الفضاء السيبراني أرض هذه المعركة، لكن من دون ضمانات جدية تؤكد بقاءها في مجالها الافتراضي، إذ يبدو أن ثمة جهات غربية -على رأسها حلف شمال الأطلسي “ناتو” (NATO)- تبحث عن آليات للرد على الهجمات السيبرانية بأسلحة عسكرية تقليدية، فكيف سيتم ذلك؟
قبل أيام، حذر الرئيس الأميركي جو بايدن رجال الأعمال الأميركيين من هجوم سيبراني روسي محتمل، طالبا منهم تعزيز الدفاعات الإلكترونية لشركاتهم على الفور. بايدن رجح -في حديث خلال اجتماع “المائدة المستديرة” ربع السنوي في واشنطن- أن يستخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الهجمات السيبرانية للانتقام من الولايات المتحدة، بعد العقوبات المفروضة على بلاده نتيجة توغلها في أوكرانيا.
وقال بايدن إن القدرة السيبرانية لروسيا “عظيمة”، وهي واحدة من الأدوات التي يُرجح أن يستخدمها الرئيس الروسي، خصوصا أن تلك الأدوات كانت على الدوام “جزءا من قواعد اللعبة”.
وقبل هذا الاجتماع بأيام، أصدر الرئيس الأميركي بيانا آخر أشار فيه إلى “تنامي معلومات استخباراتية تشير إلى أن روسيا يمكن أن تمارس نشاطًا سيبرانيا ضارا ضد الشركات الأميركية والبنية التحتية الحيوية”.
لكن بايدن لم يكشف عن تفاصيل هذه المعلومات الاستخبارية، ولا عن مصدرها ولا حتى عن طريقة الرد عليها، مكتفيا بإطلاق الاتهامات بحق موسكو من دون الركون إلى الأدلة الثابتة والمقنعة، ما خلا بعض الإشارات التي تكفلت آن نوبرغر، نائبة مستشار الأمن القومي الأميركي للأمن السيبراني، بالإشارة إليها وبشكل عام، من دون الخوض في التفاصيل أيضا.
نوبرغر قالت إن روسيا كانت تجري “نشاطا تحضيريا” لهذه الهجمات، وقد تشمل هذه النشاطات “مسح مواقع الويب” وكذلك البحث عن “نقاط ضعف في البرامج”، وربما تطال “بنى تحتية حيوية داخل الولايات المتحدة”.
وتبني الإدارة الأميركية كل تكهناتها بشأن وقوع هجمات سيبرانية روسية محتملة على ما تعده “تعثر العمليات العسكرية في أوكرانيا”، كما ترى أن موسكو قد تكون أكثر استعدادا لاستخدام هذه الأدوات، نتيجة لما ترى أنه “زيادة في منسوب اليأس” من عدم تحقيق الأهداف العسكرية من العملية الخاصة في أوكرانيا.
هذه التُهم ترفضها موسكو، وترى أوساطها أن القيادة السياسية للولايات المتحدة “هي من بدأت بتنفيذ الهجمات السيبرانية في جميع أنحاء العالم”، وذلك من أجل “ضمان الهيمنة الجيوسياسية على جميع الموضوعات في مجال المعلومات”، وحتى لو كان ذلك على حساب أقرب حلفائها، مثل دول الاتحاد الأوروبي.
وفي خضم تعليقها على هذه التُهم، تذكّر الأوساط الروسية بما حدث في روسيا خلال استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2018، حين واجهت موسكو نحو 25 مليون هجوم إلكتروني استهدف البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات.
وبعد نحو سنة على الحادثة، كشفت موسكو عن أن شبكتها الكهربائية تعرضت لهجوم إلكتروني من الولايات المتحدة، وهو ما أكدته أيضا صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) في تقرير لها ذكر صراحة أن قراصنة أميركيين من وحدة القيادة السيبرانية للولايات المتحدة (US Cyber Command) تسللوا إلى الحواسيب الروسية وزرعوا برامج “قادرة على تعطيل الشبكة الكهربائية الروسية”.
وكذلك، تذكر الأوساط الروسية، بما جاء في كتاب الإعلامي الأميركي الشهير تيد كوبيل “إطفاء الأنوار: هجوم إلكتروني، أمة غير متأهبة، تنجو من التداعيات” (Lights out: a cyberattack, a nation unprepared, surviving the aftermath) الذي يكشف فيه أنه “بالتعاون مع إسرائيل” قامت الولايات المتحدة بـ”شن هجوم إلكتروني على البرنامج النووي الإيراني”، ويعد هذا الهجوم الذي وقع عام 2008 “أول استخدام لسلاح رقمي بصفته أداة ذات جوانب سياسية”.
وترى الأوساط الروسية أن تحديد مصدر الهجمات السيبرانية بشكل موثوق قد يكون “أمرا مستحيلا”، في ظل احتكار شبكة البيانات العالمية من قبل جهة واحدة، الولايات المتحدة.
وبالتالي، ترى أنه لا بد من تجريد الشبكة من تلك الهوية وتحريرها من الاحتكار، وهو ما تتصدى له واشنطن بقوة من أجل “الحفاظ على سيطرتها الكاملة” على الشبكة، ومن أجل “بقاء تحكمها مطلقا في مجال تكنولوجيا المعلومات”.
وفي موضوع عدم احترامها لحلفائها أيضا، تكشف الأوساط الروسية أن الولايات المتحدة “تنتهك باستمرار النظام الأوروبي لحماية البيانات” الذي اعتمده الاتحاد الأوروبي عام 2018، فتقوم دوما بـ”خلق تهديدات للأمن الشخصي للمواطنين الأوروبيين”. وبالتالي، فإن البنى التحتية السيبرانية للولايات المتحدة لا يمكن أن تتعايش مع تلك الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب هيمنة الأولى على الثانية، وهذه الهيمنة كفيلة بـ”خلق الشروط المسبقة لانتهاك سيادة الاتحاد الأوروبي”.
ويختص “النظام الأوروبي لحماية البيانات” بحماية البيانات والخصوصية لجميع الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، كما يتعلق أيضا بتصدير البيانات الشخصية خارج الاتحاد الأوروبي، ويهدف في المقام الأول إلى إعطاء المواطنين والمقيمين داخل الاتحاد قدرة على التحكم في بياناتهم الشخصية والسيطرة عليها، وكذلك تبسيط بيئة التنظيمات والقوانين للمشاريع التجارية الدولية عن طريق توحيد النظم داخل دول الاتحاد الأوروبي.
ولا يتوقف الأمر عند اتهامات واشنطن لموسكو بالهجمات السيبرانية فحسب، بل الأمر يتعدى التهم إلى مجال آخر يتعلق بسبل الرد على الهجمات المفترضة، إذ يدرس أعضاء رئيسيون في حلف الناتو مواد في القانون الدولي لتبرير استخدام الأسلحة الكلاسيكية، في أي عملية للرد على أي حادث مستقبلي يتعلق بالهجمات السيبرانية والكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات. وهذا يعني -بحسب موسكو- أن الحلف “يطمح بطريقة أو بأخرى إلى عسكرة فضاء المعلومات”.
وعليه، ترى موسكو أن أفضل الحلول لضمان أمن المعلومات على المستوى الدولي هو تعزيز صلاحيات منظمة الأمم المتحدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والقوانين الدولية الناظمة لهذا المجال.
في المحصلة، يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية، ليست إلا بداية في طريق إعادة النظر في كل مندرجات العولمة ومفاتيح التطور التقاني وأدواته (الإنترنت، الدولار، مواقع التواصل الاجتماعي، وما إلى ذلك) التي تهيمن عليها الولايات المتحدة بشكل أحادي من بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
على ما يبدو، الكوكب يتوجه نحو عالم متعدد أو إلى حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر!
*صحفي متخصص بالعلاقات الدولية





