بقلم زيد عيسى العتوم
كان كل ما يحيط بي جافاً ومغبرّاً, شعرت أن كل لونٍ من الدنيا قد تنازل عن جزء من نصيبه من ذلك الضوء المبعثر, فكل ما يُكنى بالغامق لم يجد لروحه معبراً, وكل ما نحسبه فاتحاً قد تلذذ بأن استأسد فوق من حاول القرب منه, لم تتكسّب مسامعي حينها شيئاً أهون مما تبصره عيناي المرهقتان, أحسست أن صوت المذياع في سيارتي يذكّرني بنعيق غراب فاحم, لا يُرتجى منه غير سرد الاساطير المغموسة بالتشاؤم, حاولت التنقل بين موجاته طمعاً برشقةٍ من الراحة او كِسرةٍ من الابتسام, بينما يداي المتعرقتان تقبضان بشدة على أنفاس المقود خوفاً من أن ينجو منهما, ثم ينفلت منهما أحد الأصابع الراغب بمشاكسة المذياع مرة, وبعد قليل يعاود الكرّة مرة أخرى..
المحطة الأولى: يستمر تأثير المنخفض الخماسيني المحمّل بالغبار والأتربة على مدار الأيام الثلاثة المقبلة…….
المحطة الثانية: ما تزال القوات الروسية تعيد انتشارها باتجاه الشرق الاوكراني, بينما تستمر لغة الوعيد والتصعيد من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بمزيد من الدعم العسكري النوعي للجيش الاوكراني…….
المحطة الثالثة: الكثيرون يخطئون إن ظنوا أن فيروس كورونا قد انتهى الى غير رجعة, فالاصابات مستمرة والوفيات تحصل حتى لو انخفضت اعدادها, وقد تكون الأيام القادمة حبلى بأنواع جديدة وفتّاكة من متحورات هذا الفيروس……
المحطة الرابعة: تشهد الاسواق المحلية ارتفاعاً جنونياً بأسعار معظم السلع, خاصة الخضروات منها, حيث قفزت تلك الاسعار للحد الذي اصبح من الصعب فيه على المواطن المتوسط الدخل تلبية حاجاته اليومية….
نظرت الى المرآة المثبتة الى جهة اليمين بالقرب مني, فرأيت بعض الجحوظ الطاريء في عينيّ, ثم هممت بشهيقٍ عميقٍ يملأ صدري بالغبن المتزحلق بين ذرات الهواء المعفّر, كتمته في داخل أحشائي خلسةً, فلربما أنجح في وأد كومة صغيرة من بؤس ذلك اليوم, لكنني سرعان ما نفثتها أمامي عنوة, من أجل الظفر بدقيقة من الهروب أو الخلاص المؤقت, ثم خطرت في نفسي خاطرة رقيقة, أظنها تجافي ثقل الحال وتتجنب انسداد مجراه, سأذهب صوب ذلك الفتى الصغير ذي الاربعة عشر عاماً, والذي طالما اعتدت شراء البقدونس المشعّ بلونه الأخضر الجميل, كان الفتى المسكين في غاية البؤس وغاية العزيمة في آن واحد كما اعتدت رؤيته, كان حذاءه الأسود المقشّر مثقلٌ بطبقة من الطين الممسكة ببعض الاعشاب الصغيرة عليها, وقد كان يتراكض بين قَطعِ البقدونس من تلك الارض الطينية القابعة خلف خيمته المشققة عند ملتقى جدرانها, وبين الانهماك في تجهيز الحُزم وترتيبها وغسلها ببعض رشقات الماء المنطلقة من دلوٍ كان في صباه أبيضاً, أما شعره المموج فكان متشابكاً الى حد استحالة التسريح أوالفصل بين جنباته, وكل بضعة دقائقٍ يقوم بمسح أسفل أنفه ببلوزته المهترئة عند ساعده الأيمن, رغم كل ذلك لم أره يوماً الا ضاحكاً وقوراً, مسرعاً ومهللاً, يبيع حزمة البقدونس الكبيرة الكثيفة بخمسة عشر قرشاً, ثم يضيف حزمة أخيرة الى البيع في نهاية المطاف بلا مقابل, والابتسامة الراضية لا تبرح وجناته المنقطة, كان ضعيفاً بقدرته على حساب ما يستحق من المال, وفي كل مرة يطلب مني أن أتولى عنه تلك المهمة البسيطة, وعند قيامي بذلك يرمقني بنظرة الشكر أو ربما نظرة إظهار الثقة بما سأقول, ثم يقف جانباً ملوحاً بيده عند الوداع, والغريب أن كمامته السوداء العتيقة لم تكن تفارق وجهه في أي مرة قدمت اليه, كنت أُكبر فيه ذلك رغم صغر سنه وضعف تعلّمه, وما هي الا دقائق معدودة حتى حطت رحالي قرب تلك الخيمة المزركشة بالسناج المتراكم, أحسست أنني قد وصلت الى من امتهن البراءة والبساطة, فهو بعيد عما عكّر صفوي قبل قليل, وهو كما عرفته أبسط من البساطة وألين من اللين, ها أنا الآن على بعد أمتار قليلة منه.
ما أن اقترب مني ذلك الفتى حتى لاحظتُ عدم ارتداءه لما تبقى من كمامته التي أحفظ يوم ميلادها, سألته عن ذلك فأجابني بصوت خافت
الفتى: لم يعد لها لزوم يا سيدي, يقولون أن ذلك المرض اللعين قد مات, ولم تبقى سوى ذكراه الكئيبة, لقد كنت ألبسها من أجل زبائني وليس من أجلي, تفضل يا سيدي خذ ما تريد من حزم البقدونس, لقد قطعتها قبل قليل, تستطيع أن تختار بنفسك ما تشاء.
ابتسمت له لإظهار الرضا عما قاله لي, ثم اقتربت من كومة الحزم المرتبة فوق بعض الأقفاص الخشبية المتلاصقة, أمسكت بإحداها وأمسكت بأخرى, ثم نظرت الى البقية, بعدها التفتّ اليه مستغرباً, وسألته عن سبب صِغر كميتها, إن حجمها بالكاد يعادل نصف ما ألفته منها, وتلك هي المرة الأولى التي أجد ذلك منذ شهور عديدة.
الفتى: أرجو المعذرة يا سيدي, لقد ارتفعت جميع الاسعار في السوق, فلماذا لا افعل مثل ما يفعلون !, لقد صغّرتُ حجمها وزدت على سعر الواحدة خمسة قروش فقط !, لا أظن أنني بالغت في ذلك.
اقتربت منه أكثر, وقلت له: حتى أنت !, كنت أحسبك آخر من يفعل ذلك, نعم كنت أتخيلك النقطة البيضاء الأخيرة في لوحة يومي السوداء, تلك اللوحة المعنونة بجشع التجار وطمعهم.
الفتى: نقطة بيضاء؟ لوحة سوداء؟ أنا لا أفهم ماذا تعني يا سيدي, على كل حالٍ أرجو أن تتفهم معاناتي وأنا أعمل في هذه الاجواء القاهرة,كما أنني مجبر على استهلاك مزيدٍ من الماء الذي يقل توفره أحياناً.
ضحكت وأنا التفت مجدداً الى حزمة البقدونس النحيلة الرشيقة القابعة في يدي, هززتها قليلاً ثم سألته ساخراً: هل للحرب الروسية الاوكرانية تأثير على أسعار البقدونس أيضاً؟!
الفتى: لا أدري يا سيدي, ولا أدري إن كان يُزرع البقدونس في اوكرانيا, لكنّ الجميع يقولون أن الحرب تؤدي الى زيادة الاسعار, هكذا سمعت بعض الزبائن يتحدثون.
قلت له: حسناً حسناً, لا بأس يا صديقي, ضع لي بعض الحزم الجيدة وسأدفع لك ما تشاء, وهل ستضع لي الحزمة المجانية هذه المرة.
الفتى: أرجوك أن تعذرني هذه المرة, إن كمية البقدونس محدودة لدي هذه الايام, قد أفعل ذلك في المرة القادمة.
قلت له: لا ضير أبداً, لقد كنت أمازحك, شكراً لك لا داعي لذلك.
وأنا أغادر تلك الخيمة التي ظننتها تقبع عند أبعد أطراف عالمنا, عالمنا الغارق بنشوة الصخب والجنون, تذكرت فرويد وهو يميط اللثام عن ذواتنا الغامضة, وعن مفهوم الصراع الكامن في أنفسنا, أردت سؤاله: هل وصل ذلك الوعاء اللاشعوري الممتليء بذكرياتنا وغرائزنا ووحشيتنا أحياناً, هل وصل أخيراً الى بائع البقدونس!!





