غسان الاستانبولي
منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا انقسم المتابعون إلى فريقين، الفريق الأول يميل للجانب الروسي، وقد راهن على أن روسيا ستنهي هذه العملية خلال أسابيع قليلة، مستندين برأيهم هذا على فارق القوة العسكرية الذي يميل بشكل كبير إلى جانب روسيا، وعلى تجربة تدخلها في جورجيا عام 2008م.
أما الفريق الثاني فيميل للجانب الأميركي، كان ومازال يراهن على أن الولايات المتحدة الأميركية نجحت في جرّ روسيا إلى المستنقع الأوكراني، وهذا ما سيرتّب على روسيا الكثير من الخسائر وعلى كافة الأصعدة، ويستند هذا الفريق برأيه على تاريخ حافل للأميركي بمثل هذه القضايا، كذلك على عدم اكتراث القادة الأميركيين بحياة ملايين البشر في سبيل تحقيق مصالحهم الخاصة ومصالح بلدهم بشكل عام، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى.
وربّما الشيء الوحيد الذي يتّفق عليه الفريقان، هو أن الدول الأوروبية التي وضعت نفسها بين المطرقة الروسية والسندان الأميركي، ستكون هي المتضرّر الأكبر مما يجري، كونها رهنت قرارها للأميركي، وهي مُجبرة الآن على دعم أوكرانيا بشكل قوي ومستمر من خلال مدّها بالعتاد والسلاح والذخيرة، وبطبيعة الحال ثمن كل ذلك يقع على عاتق الاقتصاد الأوروبي المُنهك أصلاً، وبنفس الوقت لا تستطيع الاستغناء عن الواردات الروسية وخاصّة النفط والغاز، ولذلك يبدو أن مستقبل هذه الدول لن يكون على ما يرام.
من الواضح أن لكلٍ من الروس والأميركيين هدفهم مما يجري في أوكرانيا، فروسيا بدأت هذه العملية بعد أن أيقنت بأنها أصبحت أمام خطر يهدد كيانها بشكل كامل، والولايات المتحدة راهنت على احتمالين، فإما أن تتراجع روسيا وتستسلم للأمر الذي صار شبه واقعٍ، وهو وجود حلف الناتو على حدودها مباشرة، وهذا ما سيدفع لاحقاً إلى عزلها وإضعافها، وربّما إلى تجزئتها، وإمّا أن تخوض حرباً خاسرة بسبب ما أعدّت لها واشنطن من تحالفات، ومن تجهيز عسكري ومالي واقتصادي.
والواضح أيضاً أن كلا الطرفين الروسي والأميركي قد أخطأ في تقدير قوة وتصميم الطرف الآخر على تحقيق ما يصبو إليه، فروسيا التي بدأت هذه العملية على أنها حياة أو موت، كانت تعتقد أنها تستطيع اكتساح كامل الجغرافيا الأوكرانية خلال أسابيع قليلة، وأن الغرب سيترك أوكرانيا بدون أيّ دعم، أو أنه لن يجد الوقت الذي يمكّنه من تقديم هذا الدعم، الشيء الذي يُعجّل باستسلام أوكرانيا، وبالتالي سيكون الجميع أمام أمرٍ واقعٍ ومختلف تفرض من خلاله روسيا مطالبها وشروطها، ولكنها تفاجأت بأن أوكرانيا ومن معها قد أعدّت لحربٍ إن لم تنتصر فيها فأقلّه أنها لن تدع روسيا تحقق نصراً كاملاً، وستلحق بها خسائر فادحة تجبرها على إنهاء هذه العملية أو التفاوض، وهنا يكمن إخفاق الأجهزة الروسية الموكل لها مهمة الرصد والتقصي وجمع المعلومات، والتي لم تستطع كشف كميات الأسلحة والذخائر التي أوصلها الأميركي والأوروبي لأوكرانيا خلال ثمان سنوات، ولم تستطع كشف حجم التحصين والتجهيز والتدريب، ولا الأعداد الهائلة للمرتزقة المُدَرّبين الذين أمضوا عدّة سنوات في أوكرانيا.
بالمقابل أخطأت الولايات المتحدة بقراءة الأفكار الروسية، فقد تكون أميركا بنت خطّتها على وضع روسيا أمام خيارين، فإمّا أن تتراجع عن عمليتها تحت ضغط التهديد الأميركي والأوروبي، أو أن تقوم بعملية ضعيفة ومحدودة مصيرها الفشل في ظلّ ما أعده الغرب لها، وطبعاً كلا الخيارين سيكون كارثي النتائج على روسيا، وكلاهما سيجعل أوكرانيا خنجراً أميركياً دائماً في الخاصرة الروسية الرخوة، وسيقضي تماماً على تطلّع موسكو لأن تكون أحد أقطاب عالم جديد، ولكن الروس خيبوا توقعات الأميركيين وضربوا بقوّة، حتى لو أنهم لم يستطيعوا حتى الآن تحقيق معظم أهداف هذه العملية، وذلك بسبب المقاومة الأوكرانية، وبسبب الكميات الهائلة من الذخيرة والسلاح المتطور الذي وصل وما يزال يصل إلى أوكرانيا، وأمام هذين التحديين، وأمام القناعة التي وصلت لها القيادة الروسية، والتي توحي بأن هذه العملية ستكون أطول بكثير مما كان متوقعاً، أصبح لا بدّ من تغيير خطّتها التي كان هدفها الرئيسي دخول العاصمة كييف وإسقاط حكومتها، وبالتالي فرض شروطها، ليتحول هدفها إلى تأمين إقليم دونباس، بالتوازي مع فصل أوكرانيا عن محيطها الأوروبي، مما يقلّل من تدفق السلاح والمرتزقة إليها، وبذلك يصبح أمر دخول كييف أمراً أكثر سهولة، ولهذا رأينا الانسحاب من محيط كييف وتوجيه الجهد العسكري إلى مدينة ماريوبل التي سقط معظمها حتى الآن، ولو صحّت المعلومات فإن سقوط المدينة سيضع في يد الروس أوراقاً في غاية الأهمية، وذلك بسبب وجود العشرات من الضباط وخبراء البيولوجيا الأميركيين والغربيين المحاصرين مع آلاف المرتزقة والمقاتلين الأوكرانيين، والسيطرة الروسية الكاملة على مدينة ماريوبل تعني السيطرة على شاطئ بحر آزوف، وبذلك تستطيع روسيا فصل الحدود البحرية الأوكرانية مع أوروبا وبالتالي تقليل الدعم الأوروبي لها.
أخيراً، قد يسأل البعض، تُرى لو أن روسيا كانت تدرك ما أعدّه الغرب لها في أوكرانيا هل كانت لتقدم على هذه العملية؟
والجواب هو نعم، وبالتأكيد، لأن الأمر يتعلق بوجود روسيا كدولة مستقلة بجغرافيتها وبقرارها وبمقدراتها وبأحلامها، ولكن ربّما كانت قد غيّرت خططها واستعداداتها، وربّما كانت قد بدأت هذه العملية منذ عام 2014م أو بعد ذلك بقليل، أي منذ الانقلاب الذي نفذته الأذرع الأميركية على الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، أمّا الآن فقد أدرك الروس فداحة الثمن الذي نتج عن تأخرهم، ويدركون أن المزيد من التأخر سيراكم المزيد من الصعوبات، ولذلك هم بسباق مع الزمن لإنجاز هذه العملية بأسرع وقت ممكن، ومهما تكن الخسائر، ولا أدل على ذلك من قول أحد القادة الروس في معرض إجابته عن وقت دخول القوات الروسية إلى كييف، حيث قال “الأمس أفضل من اليوم واليوم أفضل من الغد”.
نعم تغيّرت خطّة العملية العسكرية، وتغيّر بعض القادة العسكريين لصالح قادة آخرين لهم خبرة ميدانية أكبر في مثل هذه المعارك، أمّا الأهداف الروسية من هذه العملية فلم تتغيّر، والأرجح أنها لن تتغيّر، برغم تفاوض هنا وتنازل هناك.





