المعارضة والأغلبية الهجينة والوهمية في المغرب

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

من الأمور المربكة للعقل هي؛ دراسة جدلية الاعتماد المتبادل بين الأغلبية والأقلية في معادلة المشاركة في صنع القرار والسيطرة المجهولة سياسيًا وأيديولوجيًا واجتماعيًا واقتصاديا وثقافيًا في المغرب.

فحينما نجد من داخل الأغلبية التي تقود الحكومة؛ عناصر المقاومة والمعارضة وحَرَسُ القديم والمألوف؛ وكذا حَرَسُ المعْبَد؛ يحاربون كل فرصة متاحة للتقدم والتحديث والتغيير؛ على مستوى مجلسي البرلمان؛ (مجلس المستشارين ومجلس النواب)؛ حيث غياب إجماع الأغلبية حول العديد من القضايا والمشاكل المطروحة؛ ومشاريع القوانين التي لازالت حبيسة القبة. ومن حسنات القناة الأولى أنها تنقل لنا أجواء جلسات البرلمان؛ حيث منذ عهد الاستقلال إلى يومهم هذا؛ لم يستطع ممثلو الأمة احتواء المناقشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حول السياسات العامة والعمومية والقطاعية للبلد؛ داخل القبة؛ وهي وظيفة تشكل عقدة مختلف المجالس؛ لم تقدر النخبة على التخلص منها!

وحينما نجد كذلك على مستوى مجالس الجماعات الترابية؛ (الجهة والعمالة والإقليم والجماعة) عدم المصادقة على العديد من مقررات المجلس والنفط المدرجة في جدول الأعمال؛ ناهيك عن صور الابتزاز والمساومة التي يقوم بها بعض الأعضاء من الأغلبية المشكلة للمجلس؛ من خلال التهديد بعدم التصويت لصالح نقطة ما مدرجة بجدول أعمال المجلس.
وحينما نسمع تصريح جهة سياسية من داخل الأحزاب المشكلة للحكومة تقول: “ام نسلم لرئيس الحكومة شيكاً موقعًا على بياض.” هنا تتبدد أوجه الغرابة. فلا هو مع الأطروحة. ولا هو مع نقيض الأطروحة. ولا هو مع التوليف. (Des hypocrites; qui ont une vision plus large que leurs volumes. Ils ne sont ni pour la thèse; ni pour l’antithèse; ni pour la synthèse. Ils disaient parfois qu’ils sont neutre! Se sont tout simplement des lâches. Sans avoir honte; Ils disaient aux uns des deux antagonistes: vous avez raison; et aux autres vous n’avez pas tort!) ومعارضة وأغلبية؛ لا هي بالأصالة؛ ولا هي بالمعاصرة؛ فهي ذات قِيَّم وأيديولوجية هجينة ووهمية؛ (N’a ni les valeurs de la modernité; ni les valeurs de la tradition. Il a des valeurs et des hydrologies hybrides chimériques)؛ وهي عالقة ما بين الخطاب السياسي المبني على معطيات الواقع والخطاب العاطفي المبني على الأوهام.

فهل المُعارضة تقتصر فقط على الأقلية في مواجهة الأغلبية؟
الصورة النمطية التي قد يراها البعض؛ تقتصر على النقاشات داخل مجلس النواب بغرفتيه. لكن دائمًا هناك زوايا عمياء تُحْجَبُ عنا فيها الرؤية. هذه الزاويا العمياء؛ نحتاج فيها إلى مرآة عاكسة توجهنا حتى نرى ماذا يجري بمجالس الجماعات الترابية؟

فهي غير قابلة للقراءة وفق معايير العلوم السياسية والقانون الدستوري؛ يحركها الاندفاع العاطفي والمصالح الشخصية فقط.
فليس بالضرورة من ينتمي لأحزاب المعارضة يصطف إلى جانب المعارضة؛ بل قد تجده مع الأغلبية المنبثقة عن أحزاب الحكومة. والعكس صحيح ليس من هو في الأغلبية يساند الأغلبية الحكومية؛ بل تجده مع المعارضة.
وفيما بينهم؛ لا الأقلية التي تشكل المعارضة؛ ولا الأغلبية؛ تجدهم فيما بينهم يشكلون المعارضة والأغلبية.
البكاء والنواح والإيمان بفكر المؤامرة، وكثرة السب والشتم للأعداء؛ لا يضعفهم في شيء.
ومدح الذات والمبالغة في النفخ فيها؛ لا يغير المعادلة في شيء.

فالكثير من المجتمعات والشعوب والأمم؛ لا يسمع لها صوت يذكر؛ وتعمل في صمت؛ ولكنها تملأ الدنيا حضارةً.
شعوب وأمم عرفت كيف تحول ضعفها إلى قوة؛ عبر التخطيط المحكم والفعل والعمل وعقلنة وترشيد اختياراتها المالية والبشرية وتنمية وسائل إنتاجها ومواردها المادية.
مع الأسف قضايانا كلها لحظية؛ ويعرف أي عاقل كيف تبدأ وكيف تستثار وكيف تتفاعل وكيف تنتهي!
أحداث لحظية، يليها انفجار العواطف وحملات تسويقية وخلق هالة إعلامية حولها؛ مع تبادل الكثير من السب والشتم والاتهامات المتبادلة؛ ثم لا شيء يلي ذلك من بعد.
وهكذا دواليك في انتظار حدث آخر جديد. في غياب خلق الهالة الحضارية حول أهم قضايانا المجتمعية.

فمن خلال تحليل جدلية الاعتماد المتبادلة بين الأغلبية والأقلية في معادلة المشاركة في صنع القرار والسيطرة المجهولة سياسيًا واجتماعيًا؛ نجد أن الديمقراطية كإحدى المطالب العامة، على الرغم من أنها كمفهوم ونظرية أصبحت تحمل أعراض علة زوالها بداخلها؛ نتيجة تزاحم القيم؛ والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والتكنولوجية وغيرها؛ تحيل بشكل بسيط إلى بنية اختلاف، ومصالح متناقضة لعدة طبقات وشرائح اجتماعية، في إطار تنضيد اجتماعي منسجم أو متنافر أو متعايش، والذي يضم طبقات العمال، الفلاحين، التجار، المهنيين، الموظفين، المستثمرين، المثقفين…؛

فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة وذات مصالح متناقضة، تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل عن أي تدخل خارجي.
قوى تستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للدولة، و هذه الأخيرة يبقى لها دور المنسق وخلق التسويات بين الفاعلين في الحقل السياسي والاجتماعي. وهنا فقط تكمن مشروعيتها كعنصر تنظيم ومواكبة؛ حيث تعمل على تأمين عمل جميع القوى العاملة داخل المجتمع.

لو افترضنا أن الحوار والانسجام تقوده أغلبية وأقلية، فالمفروض أن الحوار والتسويات والمساومات تأخذ طريقها حتى حدود لا يقبل فيها الطرف المعارض الحد الأدنى أو الأقصى من هذه التسويات والمساومات؛ آنذاك تقع القطيعة، فتفرض الأغلبية توجهاتها؛ مما يؤدي حتمًا إلى تهميش الأقلية المعارضة، حفاظًا على ما اعتبرته الأغلبية مصالح عليا أو رأسمالًا رمزيًا أو حدًا أقصى لا يمكن تجاوزه.

وفي تحليل الخطاب والحوار بين مجموع الفاعلين ببلدنا، فإنه دائمًا ينصب في اتجاه الأقلية بالانتقاد وردود الفعل، أي نحو اتجاه واحد، لكن أبدًا لم يوجه نحو نفس الأعضاء من نفس الأغلبية. وهذا ما يطلق عليه غياب عملية التقاطع في الحوار والتسويات وعملية التواصل بين القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة في السياسات العامة.

من خلال رصد تطور هذه القوى، يتبين أنها خضعت لسيطرة عدد قليل من الأسر الغنية، التي استحوذت على سلطة القرار. إلا أنه لوحظ وجود عدة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، ناتجة عن النمو السكاني ومستويات التحضر والإنتاج والتصنيع وتنامي مستويات الوعي في صفوف العديد من الشرائح الاجتماعية؛ أدت إلى إعادة توزيع للقوة وسلطة النفوذ، وبروز قوى أخرى تساهم في بلورة القرار، إلى جانب العائلات الغنية التي كانت تحتكر السلطة من ذي قبل، وهذه القوى تجلت في جماعات ونقابات العمال والطبقات الوسطى وغيرها، التي أصبح لها دورًا فاعلًا في تدبير الشأن العام.

وبالتالي؛ نستنتج أنه ليس هناك أية فئة أو شخص محروم من سلطة القرار. فكل فرد أو فئة لها وزن داخل المجتمع ويساهم في اتخاذ القرار ويشارك فيه. وهذا ما يمكن أن نسميه السيطرة المجهولة على المستوى السياسي، والسيطرة المجهولة على المستوى الاجتماعي.
بمعنى؛ أن الاقتصاد السياسي للدول الرأسمالية، في شكله العام الخارجي؛ يعطي الانطباع على أنه ديمقراطي ومنفتح على الجميع وللجميع، القادر على دخول المخاطرة ويتيح اللحاق بمراكز القوة والجماعات والقدرة على التنافسية والمزيد من الاستقطاب.

أما على المستوى الاجتماعي، وحتى إن لم تكن هناك مساواة في الوصول إلى القمة، إلا أن فئة الغير محظوظين؛ تبقى لهم القدرة على الحشد والتعبئة للوصول على الأقل؛ أو الحصول على امتيازات، وتلبية بعض مطالبهم الاجتماعية في غياب العنف وسيادة الاستقرار؛ بحيث إن عدو المجتمعات الرأسمالية يبقى هو التناحر إلى ما لا نهاية، أو سيادة العنف الاجتماعي والسياسي، وهذا ما لا تسمح به هذه المجتمعات، بحيث تلجأ إلى عدم تهميش رأي الأقلية وتذويب ردود أفعالها؛ من خلال الحوار وخلق التسويات السياسية بين الأغلبية والأقلية ومحاولة تجاوز الصورة النمطية المزيفة للسياسة الرأسمالية التي تستبعد الطبقات الغير قادرة على اللحاق بمراكز صنع القرار.

إن علاقة السياسي بالمواطنين؛ غالبًا ما تكون مبنية على النفاق والكذب والمراوغة. وذلك ما يلاحظ من خلال الوعود الهائلة التي لا تتم تلبيتها بصفة مطلقة إلا في حدود المتاح من الموارد وفي اطار السياسة العامة المحددة سلفًا؛ إما من طرف الدولة، أو من طرف الحكومة السابقة.

وهنا يلجأ السياسي إلى أسلوب التضليل في استراتيجيته التواصلية مع الناس. وأحسن صورة لهذا التضليل والخداع؛ حينما يتم اللجوء إلى عنصري السيطرة المجهولة سياسيًا واجتماعيًا من قبل الفاعلين الآخرين في عملية التفاعل والتواصل الاجتماعي عبر رسم فكرة للقوانين والأنظمة من طرف أشخاص استطاعوا فرض هذه الفكرة، لمنع آخرين من المشاركة بشكل كامل في عملية صنع القرار وبلورته.
وهنا تكمن مدى شرعية ومشروعية القرارات المتخذة من قبل النخبة في مجالات السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ من خلال المبررات التي تضفي عليها.

* مفكر المغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...