17 ماي اليوم العالمي للاتصالات…متحف اتصالات المغرب قيمة مضافة في عرض تاريخ الاتصالات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د.سعيد الغماز

 

يجري الاحتفال سنويا منذ 1969 باليوم العالمي للاتصالات في 17 ماي من كل سنة. ويصادف هذا اليوم الذكرى السنوية لتوقيع الاتفاقية الدولية الأولى للبرق وإنشاء الاتحاد الدولي للاتصالات عام 1865. وفي هذه الذكرى العالمية الخاصة بالاتصالات، يمكننا القول إن متحف اتصالات المغرب يشكل قيمة مضافة، ومؤسسة لها أهمية قصوى في حفظ ذاكرة الاتصالات وعرضها على عموم المهتمين. المؤسسات العالمية تُصنف المتاحف بشكل عام إلى خمسة أنواع أساسية وهي: – متاحف عامة – متاحف التاريخ الطبيعي والعلوم الطبيعية -العلوم والتكنولوجيا -التاريخ – الفن. والزائر لمتحف اتصالات المغرب، لا يشعر بأنه يزور متحفا متخصصا في العلوم والتكنولوجيا فقط، وإنما يجد نفسه يزور متحفا يشمل جميع عناصر المتاحف بمستوياتها الخمسة حسب التصنيف السالف الذكر.

المتحف حسب تعريف المجلس العالمي للمتاحف هو “أي مقر دائم من أجل خدمة المجتمع وتطويره، مفتوح للعامة، ويقوم بجمع، وحفظ، وبحث، وتواصل وعرض التراث الإنساني وتطوره، لأغراض التعليم، والدراسة والترفيه”. وهو بشكل عام أداة لحفظ الذاكرة وعرض تاريخ تطور الإبداع والابتكار الإنساني في شتى مجالات الفعل البشري، كما أنه صلة وصل بين الماضي والحاضر.

الزائر لمتحف اتصالات المغرب سيجد أن أقرب تعريف لما يقدمه المتحف من تاريخ ومعروضات ومجسمات هو ما ذهبت إليه الموسوعة العربية التي اعتبرت المتحف هو “دار لحفظ الآثار القديمة، والتحف النادرة، وروائع المنحوتات واللوحات الفنية، وكل ما يتصل بالتراث الحضاري. وقد يضم المتحف أعمالاً علمية أو أعمالا فنية، ومعلومات عن التاريخ والتقنية”. وإذا كان متحف اتصالات المغرب هو متحف خاص بموضوع تاريخ الاتصالات، فهو يضم جميع العناصر الواردة في التعريف الأخير حيث يعرض هذا التاريخ باستعمال المجسمات والأعمال الفنية والفنون التشكيلية والتقنيات الحديثة المرتبطة بالصوت والصورة. وهو ما يجعل المتحف فريدا من نوعه حيث يَمْزُج بين الفن والتكنولوجيا، ويُوَلِّف بين تعابير الألوان والمجسمات وبين العلوم والتقنيات ليجعل من المتحف لوحة تشكيلية واحدة متناسقة الموضوع والألوان، وقادرة على جذب الزوار، مهما اختلفت ميولاتهم وتنوعت اهتماماتهم بين الفنون والتقنيات الحديثة، بين التاريخ والتكنولوجياعموما.

توجد في المغرب العديد من المتاحف المتخصصة في مجالات متعددة كالتاريخ والتراث والماء والنيازك والفن …وهي منتشرة في العديد من المدن المغربية. لكن متحف اتصالات المغرب الكائن بالطبق الأرضي لبرج الإدارة العامة في مدينة الرباط بحي الرياض، يشكل قيمة مضافة للمجهود الذي تبذله المؤسسة الوطنية للمتاحف، وهي مؤسسة تروم تعزيز العرض المتحفي في بلادنا.

متحف اتصالات المغرب هو مؤسسة متخصصة في عرض أكثر من 200 سنة من تاريخ الاتصال في العالم، وعرض تطور هذا القطاع في المغرب منذ القرن الثامن عشر. وتتطرق المواد المعروضة في المتحف إلى تطور مؤسسات البريد والاتصالات في المغرب، وكذلك تطور التكنولوجيا منذ تثبيت أول محطة تلغرافية في المغرب سنة 1745 مرورا بتثبيت أول هاتف ثابت في مدينة طنجة سنة 1883، ووصولا للتقنيات الحديثة المرتبطة بالجيل الرابع للهاتف النقال.

إلا أن السمة البارزة التي يتميز بها متحف اتصالات المغرب هي كونه متحفا حيا وليس مؤسسة جامدة تعرض آلات قديمة لا تشتغل كما هو حال العديد من المتاحف المشابهة في دول أخرى تهتم بتاريخ الاتصالات. فالمتحف لا يكتفي بعرض مواده للزوار والاكتفاء برؤية المعروضات وقراءة التعاليق المصحوبة لها كما هو شأن الكثير من المتاحف، وإنما يسمح لزواره باستعمال الأجهزة المعروضة والقيام بمكالمة هاتفية كما كان يقوم بها مستعملو الهاتف خلال بداية القرن العشرين. فيمكن للزائر مثلا السفر عبر التاريخ والقيام بمكالمة عبر هاتف مرتبط بالمركز اليدوي الذي شرع المغرب في استخدامه سنة 1907، وكان ذلك في مدينة الدار البيضاء حيث لم تتجاوز سَعَة أول مركز يدوي 16 خطا فقط في مدينة من حجم الدار البيضاء. كما يمكن للزائر القيام بمكالمة هاتفية باستعمال التكنولوجيا الأوتوماتيكية التي حلت محل التكنولوجيا اليدوية في بداية القرن العشرين. هكذا يمكن لزائر متحف اتصالات المغرب الرجوع بالتاريخ إلى بداية القرن العشرين والقيام بمكالمة هاتفية وكأنه في عام 1924 وهي السنة التي بدأ فيها المغاربة باستعمال التكنولوجيا الأوتوماتيكية. إنه فعلا سفر في التاريخ مصحوب بإحساس رقيق ونوستالجيا وسط الصور التي تُضفي على المكان لمسة الماضي، والتعاليق التي تعود بالذاكرة إلى ما يفوق المئة سنة.

قيمة متحف اتصالات المغرب لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى سفر عبر التاريخ من خلال المجسمات التي تعكس الحقبة الزمنية المعروضة وتجعلك تستشعر نفس الأجواء التي كانت سائدة في ذلك الزمان، ويختلج صدرك نفس شعور مستعملي تلك التقنية خلال نفس الحقبة من الزمان. هكذا يجعلك المتحف تنتقل من عصر التواصل بدخان النار زمن الإنسان القديم، إلى الجيل الرابع للهاتف النقال زمن الإنسان الحديث، فقط بالسير بضعة خطوات. إنها فعلا الحركة التي تجعل كل خطوة تخطوها في مساحة المتحف تنقلك قرنا من الزمان في مساحة التاريخ. إذا كان السفر عبر الزمان حلم إنساني مشروع، فإن متحف اتصالات المغرب يجسد هذا السفر في الطابق الأرضي لبرج الشركة ودون الحاجة للمَركبات الفضائية.

المتحف الناجح هو من يجعل الزائر يسافر عبر التاريخ، ويجعله يستشعر أجواء تلك الفترة التاريخية بأحداثها الممزوجة بالإحساس والتفاعل الوجداني، ومتحف اتصالات المغرب يحقق تلك الغاية التي تبلغ مقام التمتع والمتعة وفق إخراج متناسق يجمع بين القديم والحديث باستعمال التقنيات الحديثة وكل ما يرتبط بعلوم المتاحف.

متحف اتصالات المغرب ليس متحفا عاما وإنما هو مؤسسة متخصصة في عرض تاريخ البريد والاتصالات إضافة إلى حقبة الإذاعة التي كانت فيها هذه الأخيرة قائمة في بنايات الاتصالات وتابعة لها، قبل أن تكون قطاعا مستقلا بذاته. وما دام الأمر كذلك، فيمكننا القول إن متحف اتصالات المغرب يعرض التكنولوجيا والتقنيات الدقيقة في انسجام تام مع عرضه للأحداث التاريخية والمؤسسات وما ارتبط بها من وقائع وأحداث، وهو ما يجعله محط اهتمام الباحث والمؤرخ، وكذلك السائح والمهووس بالتكنولوجيا والمحب للمتاحف على قدم المساوات. وهنا تكمن قيمة أخرى للمتحف.

*كاتب وباحث من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...