بقلم زيد عيسى العتوم
انقضت 100 يوم بعد اندلاع الحرب الروسية الاوكرانية, وقد يكون وصفها كذلك ضرباً من الوصف المخل, فهي وكما يبدو للجميع حرباً روسية واوروبية وامريكية عدا كونها اوكرانية ايضاً, وقد أخذت تلك المعضلة لوناً وطعماً يختلف عن سواها, فهي أول حرب نظامية واسعة النطاق في تلك القارة المستقرّة منذ ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها, وهي أول نذير شؤم لخروج شبح الحرب الشاملة المدمرة من قمقمه, مثلما أنها حِملٌ ثقيلٌ على معيشة الافراد واقتصاديات الدول ربما في العالم أجمع, بالإضافة لملايين اللاجئين الذين دفعتهم تلك الحرب الشرسة لعبور حدود بلادهم, وقد لا يقلّ عن ألم تلك البثور ولسع تلك الشرور, أن النهاية لتلك الكارثة محمولةٌ على كفّ عفريت, لا تحيط به غير السماء ولا يخفف من رعونته غير الأمل.
لقد كان لتلك الحرب الرهيبة بصمات قد لا يُفلح الزمن المتراكم في طمس معالمها, وكان لها هزّات وارتدادات عميقة على عرش الجغرافيا السياسية ومن أوسع الابواب, تموضعت فيها الدول والاحلاف والمصالح والرؤى فوق شطرنج الأزمة بمنتهى الاستقطاب, فدول تتحدى الغرب وتقف سراً وعلانية في خندق الكرملين الحصين, منها من يجود بنصرته الاقتصادية, ومنها من ينتظر إشارة الانخراط العسكريّ المباشر, ودول تهرول على الأقدام والأكواع لنجدة كييف عسكريا واقتصادياً بخيراتِ مخازنها وترساناتها وخزائنها, ودول تريد اقتناص اللحظة وخطف استحقاقات هذا الحال, بطلب انضمامها للناتو الذي تراه سيحفظ ترابها وهيبتها, ودول لبست ربطات اعناقها واكتست ببدلاتها السياسية والدبلوماسية, لتعزز مكانتها الاقليمية وتعظّم مكاسبها التفاوضية, ضمن ازدواجية رعاة السلام وتجار الحروب, أما البقية فقد لزموا مواضعهم واغلقوا نصف عيونهم, كون اللعبة أطول من قاماتهم وأضخم من حجومهم وأكبر من طاقاتهم, الا أن ذلك الليل الحالك والتيار الجارف, لم يخفي أو ينال من دولةٍ غلّبت العقل في زمن الجنون, ورجّحت المنطق رغم حالة الانفلات والانزلاق, تلك هي دولة المجر وبمنتهى الامتياز.
لم تختلف المجر عن الكثير من الدول التي كان لها تاريخ طويل من التحالف ثم التوتر مع الإتحاد السوفيتي السابق, لكن الرئيس فيكتور أوربان قد وظّف البصر والبصيرة في تناول الملف الروسي الاوكراني الحاضر فوق طاولته, ورغم مواجهته لضغوط كبيرة وحوافز مشجعة حتى ينحاز بين موسكو والغرب, الا ان الرجل قد اختار أن يدير بوصلةَ بلده نحو شاطيء الامان وأقل الخسائر, وفي الوقت الذي أدان فيه العمل العسكري الروسي على الاراضي الاوكرانية, فقد عقد العزم على أن يغّرد خارج سرب العقوبات الاوروبية والامريكية على موسكو, ورفَضَ المساعدة المباشرة والغير مباشرة في تسليح كييف ضد خصمها القادم من الشرق, واعطى الاولوية لاستمرار تدفق الحياة في شرايين الطاقة نحو بلاده, معتبراً أن حظر صادرات النفط الروسية بمثابة إلقاء “قنبلة ذرية” على الاقتصاد المجري في هذا الظرف المعقد. .
قد ينظر الكثيرون الى الموقف المجريّ بنظرة سلبية ضيقة, كونه اختار الحياد في واقعٍ لا ينفع فيه الحياد حسب رأيهم, وأمسك بمقبض عدم الانحياز بينما نحن في عصر ضرورة الانحياز والاختيار الواضح, وأنه قد قدّم مصلحة شعبه على حزمة المبادىء والاعراف الدولية, لكن هل يكون البديل في جلب الخراب الى بودابست واغراقها في مستنقعات الحروب الباردة والساخنة, وهل المطلوب أن تضاف معاناة المجريين الى ما يكابده جيرانهم واقرانهم, أم أن إطفاء الحروب ولجم الصراعات لا يراه البعض الا بصبّ المزيدِ والمزيدِ من الزيت على النار!





