الاعتراب عن موضوع السميولوجيا : محاولة في الفهم والاقتراب

 

 

 

 

 

 

*محمد أكعبور

 

 

إن ما يميز العلوم الإنسانية عن العلوم البحثة الحقة التجريبية، كونها تخضع لتجربة ذاتية وموضوعية في الآن ذاته، والذات الإنسانية يطغى عليها الجانب العاطفي، والحضور الإيديولوجي، ومن ثم فهذه العلوم الإنسانية لابد أثناء دراستها من استحضار البعد الإيستمي بوصفه القالب أو المعيار الذي تقاس به جدتها: موضوعها، منهجها، نتائجها.
إن الدراسة الوحيدة القادرة على الاقتراب من المعاني على اختلاف تظهراتها في مختلف المباني هي الدراسة السيميائية.

1. نشأة المدرسة والدراسة السيميائية
إن السيمائيات، بوصفها علما من العلوم الإنسانية، لا تشذ عن هذا الثابت. فخاصيتها الاندماج ضمن مجالات المعرفة الإنسانية. وإذن، سنقوم [بحفر جينيالوجي] في الأصوليات الأولى لها والمسار الذي قطعته، والتوجه الذي اختارته. ومن تم معرفة إنشاء مدرسة أو مدارس سيميائية لها منطلقاتها الفلسفية والإبستيمية ولها مبادئها ومفاهيمها.

يعد ‘سوسير’ (1857-1913) أول المبشرين بهذا العلم الجديد ” السيميولوجيا” في مشروعه التأسيسي: محاضرات. “و نستطيع أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط الاجتماعي. وهذا العلم يشكل جزءا من علم النفس المجتمعي، ومن ثم يندرج في علم النفس العام ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة Semiologie من الكلمة الإغريقية Semion وهو علم يفيد موضوعه الجهة التي تقتنص بها أنواع الدلالات والمعاني. كما يهدينا إلى القوانين التي تضبط تلك الدلالات، وما دام هذا العلم لم يوجد بعد فلا نستطيع أن نتنبأ بمصيره غير أننا نصرح بأنه له الحق في الوجود وقد تحدد موضوعه بصفة قبلية، وليس علم اللسان إلا جزءا من هذا العلم العام”.

وعلى الرغم من هذا السبق المعرفي والتنبؤ العلمي لعلم ستكون من مهماته : [دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية]، فإنه – سوسير – لم يحدد هذه العلامة ولم يوجد لها مسارا ولا منهجا يؤدي إلى مدلوليتها، كما أنه أكد أن هذا العلم يمارس وصاية على اللسان.” ويظهر مما سبق أن ‘سوسير’ في حين يعرب بوضوح عن ضرورة ارتباط علم اللغة بالسيميولوجيا فإنه يتمنع عن تعريف طبيعة العلاقة التي تربط بينهما، فيما عدا مبدأ اعتباطية العلامة الذي يهيمن على مجموع الأنظمة التعبيرية ” وهو موضوعنا” وفي مقدمتها اللغة. إن السيميولوجيا- كعلم للعلامات- عند ‘سوسير’ لا يتعدى كونها رؤية مستقبلية، تتشكل في خطوطها العريضة على شاكلة علم اللغة.

أما عن الأنظمة التي تنتمي إلى السيميولوجيا- بالإضافة إلى اللغة- فإن ‘سوسير’ يقتصر على ذكرها، دون أن يحاول حصرها في قائمة، إذ لا يقدم أي معيار يصلح لتحديد طبيعتها”.
وإنما اكتفى بالقول : ” إن اللسان نسق من العلامات المعبرة عن أفكار، وهو بذلك شبيه بأبجدية الصم والبكم والطقوس الرمزية وبأشكال الآداب والإشارات العسكرية”.

” وبهذا المعنى، يمكن القول إن ‘سوسير’ لم يتجاوز التنبؤ المبدئي بوجود مثل هذا العلم. ولهذا السبب، بقى موضوع السيميولوجيا، عنده، غير محسوم في أمره بل إن السيميولوجيا لم تعمل على أن تبنى نفسها ابستيمولوجيا وإنما اعتمدت في تأسيسها لنفسها على البناء الإبستمولوجي للسانيات.
ذلك أن أدواتها المعرفية ومفاهيمها ووحداتها(…) لا تعدو أن تكون غير ما أمدتنا به اللسانيات السوسيرية” . وهذا إن هو إلا مؤشر على قصور النظرية السيميولوجية عند ‘سوسير’ في نظر ‘بيبرس’ والذي من دون شك، سيأخذ على عاتقه تصحيح مكمن هذا الخلل، وهذا الهجر المعرفي والمنهجي لعلم من خواصه، الشمولية والوصاية على الأشكال التعبيرية. وذلك بأن اعتبر المسألة السيميائية فينومينولوجية، تأويلية وبالتالي فلسفية، مما يلزمه بخلق منهج واضح، له من الآليات ما يؤهل الباحث للتأكد من صياغته النظرية، واعتبر أن أي دلالة إنما تتشكل من علامة، وعليه، فإن أي علامة تنتمي إلى مجال ما، دالة في سياقها الذي ساهم في إنتاجها.

أما عن [جينيالوجيا] أصل التسمية اللفظ ومدلوليته فإننا نجد أن ‘سوسير’، قد وضع لفظة ‘سيميولوجيا’ قاصدا بها العلم الذي يعنى بعموم الدلائل، واللفظة مشتقة من الأصل اليوناني Semeion وتعني “الدليل “. أما بورس فقد وضع لفظة سيميوطيقا للدلالة على العلم نفسه، وأصل هذه اللفظة Semiotiké اليوناني الأصل. وقد تم وضعه من قبل ” جالينوس” ليعنى بها ” علم الأعراض” في الطب.

علاقة اللفظة ومدلولها في التراث العربي، فإنه لا يتوافر فيه لفظ يعني بهذا الغرض. لقد تم اقتراح لفظة سيمياء ويقصد بها الخيال. وأصل هذه اللفظة عبري: سيم يه ومعناها اسم الله.
“و إذا مضينا إلى المجال العربي وجدنا قضية تسمية هذا المفهوم مطروحة بحدة. ذلك أن القارئ يواجه تعددا وتباينا مصطلحيا يسقطه في الحيرة والارتباك. فإذا كان بعض الدارسين لجأوا إلى اقتراض لفظة La sémiologie من الحقل الفرنسي. وتعريبها عن طريق إضافة مقطع في آخر الكلمة، متكون من ياء مزيدة بعد الجيم المكسورة، ثم إشباعها بمد مفتوح، لتجانس الصيغة المألوفة في تعريب أسماء العلوم شأن البيولوجيا والسوسيولوجيا… فقد آثر فريق آخر تعريب اللفظة الإنجليزية ‘Semiotics ‘ عن طريق قلب كافها قافا وتائها طاء بحكم الجوار الصوتي، وطلبا للمجانسة الصوتية بين الإطباق الصوتي والإستعلاء، تم إشباعها بمد مفتوح، فجاءت تركيبة المصطلح كالآتي : ‘سيميو طيقا’.

ومال فريق ثالث إلى البحث عن مقابل للمصطلح الأجنبي بناء على تركيبه الاشتقاقي، فاقترحت مقابلات عديدة، نذكر منها: علم العلامات وعلم الأدلة. وآثرت مجموعة أخرى من الباحثين التنقيب عن كلمة عربية أصيلة تفي بالغرض، وتؤدي المعنى المراد بالمصطلح أحسن أداء، فوجدوا ضالتهم في مادة لغوية عربية تتضمن معنى الإشارة والعلامة، وهي لا تقترب من اللفظة العربية في دلالتها فحسب، بل حتى في تركيبها الصوتي. إنها مادتا السين والميم تعضدهما حروف اللين، والهمزة أحيانا.
فالمادة في تقليباتها المختلفة، تقوم على نواة دلالية هي (التعليم) و (الوسم). فمادة ‘ س و م’ وتدل في أحد وجوهها على ‘ التسمية’ والإسم كما هو معلوم يوضع للتمييز شأنه شأن العلامة. ومادة ‘ وسم’ تحيل من ضمن ما تحيل عليه- على وضع العلامات المميزة، ومنها وسم البعير بالكي ليعرف ويتميز. وتحيل مادة ‘ س و م’ على السومة وهي العلامة، ومنها سوم الفرس… هكذا تتركب من هذه المادة صيغ خمس هي: السيمة والسيمى والسيمياء والسيماء تتضمن كلها معنى العلامة.

وبذلك اقترح بعض الباحثين لفظة سيمياء مقابلا للمصطلحين الفرنسي والإنجليزي، لاسيما أن صيغته الصرفية ليست غريبة عن صيغة أسامي العلوم في العربية، كاستعمال لفظة الكيمياء للدلالة على المادة، والفيزياء للدلالة على علم الطبيعة، لكن خوف اللبس دفع بعض الدارسين إلى استعمال اللفظة في صيغة الجمع (سيميائيات). و ذلك لتتصرف دلالتها إلى العلم، مثلما هو الشأن مع ‘ رياضيات’ و ‘طبيعيات'”.

ذلك إذن، كان تصنيفا للاتجاهات العلمية التي عرضت للمصطلح (سيميولوجيا) و (سيميوطيقا) حيث حاول كل واحد التمسك بالتسمية التي اقتنع بها، ورأى أنها تفي بالغرض والمفهوم الدلالي، وأن ما يميزها- الاتجاهات- كونها توافقت على مدلولية واحدة للمصطلح، ” علم العلامات وعلم الدلالة” ، مع إخضاع المصطلحين معا، كل من موقعه، لصيغ صرفية عربية أو إضافة أحرف تناسب المقام الصيغي أو استبدال أخرى متقاربة الأداء الصوتي (المخرج)، أو الحفر في الذاكرة اللغوية والرصد القاموسي لتبرير التسمية، فعل وسم، سيميولوجيا، سيميوطيقا، سيميائيات.
وإذا ما رجعنا إلى السؤال عن ماهية اللفظ/المصطلح وما يثيره من قضايا معرفية والنشوء الفلسفي في بيئته الأوروبية: (سوسير) والأمريكية : (بيبرس)، ومن تم معرفة الفروق التي يثيرها هذا المصطلح في مدرستيه اللتين سنقف عندهما.

فإذا كنا قد حسمنا مع (سوسير) في مدلولية اللفظ Semiologie على أنه [دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية]، فإننا مع ‘بيبرس’ نقف على إشكال كبير في مدلول لفظ Semiotics إذ [هو] [العلم الذي يدرس كل شيء]، وبناء على ذلك، فإنه يشدد على أن “لم يكن بوسعي أن أدرس أي شيء: الرياضيات، الأخلاق، الميتافيزيقا…، البصريات، التشريع المقارن، الفلك، السيكولوجيا، علم الأصوات، علم الاقتصاد، تاريخ العلوم، الرجال والنساء، الخمر،… إلا دراسة سيميائية”.

وهو بذلك يجعل (السيميوطيقا)، منهجا للدراسة، كما الشن عند الفلاسفة من قبله. ف” قد استمر اهتمام [هم]، على وجه الخصوص، بأنساق الدلائل. ونذكر من بينهم ‘لوك’ الذي استعمل مصطلح ‘سيميوطسيقا Semiotics ‘ ليعنى به العلم الذي يهتم بدراسة الطرق والوسائط التي يحصل من خلالها على معرفة نظام الفلسفة والأخلاق وتوصيل معرفتهما”.

إن من يعتبر ‘سوسير’ المؤسس الأول، للسيميولوجيا، إنما مرد ذلك إلى “حكم انتشار اللسانيات، انتشارا واسعا” . وإلا فإنه ” يعتبر سوسير مع بيرس (…) ، الواضع الأول للسيميولوجيا” لأنه” في نفس الفترة تقريبا، التي أفصح فيها سوسير عن هذه الأفكار في محاضراته بجنيف، أعلن ‘تشارل سندرسربورس’ بأنه رائد ” السيميوطيقا” : ” إني في حدود ما أعلم، رائد في العمل الهادف إلى إعداد حقل وفتحه، حقل أسميه ب ” سيميوطيقا”، أي نظرية الطبيعة الجوهرية لكل سيميوزيس ممكن ونظرية تنوعاته الأساسية”.

و”في الفترة التاريخية التي كان يصوغ فيها سوسير تصوره الجديد للسانيات ويداعبه حلم في تأسيس علم جديد أطلق عليه السيميولوجيا، كان الفيلسوف والسيميائي الأمريكي شارل سندرس بورس ( 1839-1914) ينحت من جهته انطلاقا من أسس إبستمولوجية مغايرة، تصورا آخر لهذا العلم سيسميه السميائيات [سيميوطيقا]. والسميائيات عنده لا تنفصل من جهة عن المنطق باعتباره القواعد الأساسية للتفكير والحصول على الدلالات المتنوعة. ولا تنفصل من جهة ثانية عن الفينومينولوجيا” . وهذا العمق الفلسفي والإبستمي هو ما يميز ” سيميوطيقا” ‘بورس’ عن ” سيميولوجيا” ‘سوسر’ التي أتت في مشروعه: محاضرات، بشكل عرضي من غير منهج واضح، باستثناء تحديد موضوعها (البحث عن الدلالة المعنى) من خلال الأنساق غير اللسانية علما أن هذه الدلالة حاضرة وبقوة في الأنساق اللسانية.

وإن كان سوسير قد بشر بعلم جديد أسماه” السيميولوجيا” ويمثل به جهة ووجهة علمية، و”بورس” في ” سيميوطيقاه” يمثل أخرى مختلفة تمام الاختلاف عن الأولى فإن ” الاتجاهين الرئيسين اللذين يمكن أن نميزهما، إجمالا، داخل السيميولوجيا المعاصرة: أي المدرسة ” الأمريكية” المنبثقة عن “بورس” والتي يمثلها مؤلفون مثل موريس وكارناب و سيبووك، إلخ… والمدرسة ” الفرنسية” أو بالأحرى ” الأوروبية” المنبثقة عن سوسير والتي يمثلها بويسنس وهيلمسليف وبرييطو ومونان وبارث، الخ … . “

هكذا إذن نكون قد أجبنا عن سؤال حول وجود نشوء مدرسة سيميائية، فحصل أن وجدنا هذا التصنيف الثنائي (السوسيري والبورسي) واللذان يضمان كل من موقعه مدارس أخرى وأعلاما أكثر أكاديميين.
وأن ما يميز ” سيميولوجيا” سوسير كونها جاءت عرضا، فيما ” سيميوطيقا” بورس جاءت مؤسسة على فلسفة منطقية وابستيمية ميثودولوجية. فهي إذن ” سيميوطيقا” أكاديمية. ومع ذلك ” و لئن كان سوسير لم يتناول هذا العلم إلا بشكل عرضي وبضيغة مستقبلية، فقد نظر إليه مع ذلك باعتباره الأب المؤسس لهذا العلم.فالمعرفة السيميولمجية مستمدة في جانب كبير منها من المعرفة اللسانية ذلك أن مجمل العناصر الخاصة بوصف النموذج اللساني وخصائصه وقواعده في الاشتغال وفي نمط الوجود، هي نفسها التي ستقودنا حتما إلى تصور نموذج سيميائي قائم على ما يوفره النموذج الأول من معرفة تخص الأدوات والمنطلق المعرفي والغاية التحليلية. فبما أن النموذج اللساني هو أرقى ما أنتجته التجربة التواصلية عند الإنسان ضمن أدواتها التعبيرية المتنوعة، فإنه سيكون هو الأداة التي عبرها سيتم الكشف عن مجموع القوانين التي تحكم الأنساق الأخرى” .

2. السيميائيات و موضوعها :
إذا كان سوسير قد حسم في موضوع اللسانيات، توجها ومنهجا، فإنه لم يفصح بشكل جريء كما الحال في التمثل اللغوي، فيما يخص موضوع ومنهج السيميولوجيا على الرغم من كونه أول من بشر بهذا العلم الجديد. وإنما اكتفى بالقول تعريفا لها ” دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية”.
فيما جعل بورس -السيميوطيقا- منهجا فلسفيا ومنطقيا، بل وهي عنده، إحدى تسميات المنطق كما سنرى ذلك فيما يلحق من فقرات، طورها مفهوميا وإجرائيا.
و” تحتل السيميائيات في المشهد الفكري المعاصر مكانة متميزة، فهي نشاط معرفي بالغ الخصوصية من حيث أصوله وامتداداته ومن حيث مردوديته وأساليبه التحليلية. إنها علم يستمد أصوله ومبادئه من مجموعة كبيرة من الحقول المعرفية كاللسانيات والفلسفة والمنطق والتحليل النفسي والأنتروبولوجيا (ومن هذه الحقول استمدت السيميائيات أغلب مفاهيمها وطرق تحليلها)، كما أن موضوعه غير محدد في مجال بعينه، فالسيميائيات تهتم بكل مجالات الفعل الإنساني: إنها أداة لقراءة كل مظاهر السلوك الإنساني بدءا من الانفعالات البسيطة ومرورا بالطقوس الاجتماعية وانتهاءا بالأنساق الأيديولوجية الكبرى” .

… وإن ” السيميائيين يشتغلون كجماعات من الباحثين داخل حقول معرفية متعددة: الأتنولوجيا، تاريخ الفن، تاريخ الموسيقى… و بالتالي فإن السيميائيات منهج قابل للاستثمار داخل مجالات معرفية مختلفة وبدرجات من النجاعة” . وبناء على هذا التداخل المعرفي وهذا الاندماج على أعلى مستويات ” لم يكن بوسعي أن ادرس أي شيء… إلا دراسة سيميائية” .

…” إن السيميولوجيا، هي ذلك العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات لغوية كانت أو أيقونية، أو حركية وبالتالي، فإذا كانت اللسانيات تدرس الأنظمة اللغوية، فإن السيميولوجيا تبحث في العلامات غير اللغوية التي تنشأ في حضن المجتمع”. و أنها – السيميائيات- “حسب بيير غيرو Pierre Guirand ما هي إلا العلم الذي ” يهتم بدراسة أنظمة العلامات، اللغات، أنظمة الإشارات، التعليمات الخ … “.
إننا ولحد الآن، على الرغم من التعاريف التي أدرجناها لم نهتد بعد إلى تعريف يحسم في موضوع السيميائيات، صحيح، أنها تعاريف تتضمن موضوع الدراسة السيميائية (تتبع العلامة لاقتناص المعنى/الدلالة).

لقد طرحنا سؤالا في التقديم عن الهدف والمغزى من التواصل، فاقتنعنا على أننا نتغيى فيه البحث عن المعنى/ الدلالة لذلك ” فإن التواصل هو الذي يشكل موضوع السيميائيات” .
” فبالإضافة إلى دراستها للنسق اللساني، الذي يعد أهم الأنساق وأرقاها، [وقد رأينا مع سوسير أن المسألة اللسانية مسألة سيميولوجية بامتياز] فإن السيميائيات وسعت من دائرة اهتمامها لتجعل من كل الأنساق التواصلية التي يستعين بها الإنسان في خلق حوار مع الآخر موضوعا لدراستها” ، وذلك من مختلف الإرساليات والسلوكيات التي يبعث بها الفرد: متحضرا أو متخلفا لنظيره المضاد له.
وحتى نخرج من هذا الإشكال على مستوى موضوع الدرس السيميائي، وحسما للمسألة، فإن “موضوع السيميائيات الأول والأساس هو المعنى وأشكال وجوده” . وفي موقع آخر يشير إلى ” أن الموضوع الرئيس للسيميائيات هو السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالة، أي ما يطلق عليه في الاصطلاح السيميائي السيموز” هذه الأخيرة ” مطاردة للمعنى لا ترحم” .

و” أما بالنسبة للفلاسفة، فتشمل الدراسات السيميائية، كل الإشارات التواصلية” ، وهو ما منحها فرصة التطور ” خلال القرن العشرين بوصفها فرعا من فروع العلم” . وهو إشكال ينضاف إلى إشكالات أخرى سنعرض له في حينه.
وإن اعتبر سوسير أول من بشر بهذا العلم – السيميائيات- كما سبق معنا ف”إن أسس [ها]… لم توضع إلا في النصف الأول من القرن العشرين، بدءا من العمل الذي قام به المنطقي الأمريكي شارل بيرس” .

إن السيميائيات بوصفها منهجا لطرد المعنى / الدلالة، قصد القبض عليها، لها مقاربات من خلالها يكشف عن تمظهراته المتنوعة وقد قسمها -السيميائيات- العالم س. و. موريس إلى ثلاثة أقسام، تبعا لتعاملها مع الظاهرة التواصلية :

أ. المقاماتية / البرجماتية Pragmatics.
ب. علم الدلالة Semantic.
ج. علم التركيب Syntax.

أما (أ) فتعني دراسة التواصل في علاقتها بالإنسان. أي ماذا يحدث للإنسان وهو يرسل أو يستقبل رسالة ما. فيما تعني (ب) و ( ج) بظاهرة التواصل في حد ذاتها من دون عنصر آخر.
فهذا التقسيم ما يزال مقبولا إلى اليوم. وإن “هدف علم الدلالة هو شرح العلاقة بين العلامات التواصلية والمفاهيم التي تشير إليها. أما علم التركيب syntax فيدرس أشكال الارتباط بين العلامات في نظام تواصلي معين، مع الالتزام بالتحليل الشكلي (أي دون اعتبار للمعنى)” .

إن الاتجاهات السيميائية المقاربتية لا تخرج عن هذا المثلث :

أ- المقاربة التركيبية، و تستدعي الاهتمام بنسقيه العلامات و التعالق فيما بينهما.
ب- المقاربة الدلالية، و تستدعي دراسة العلامة و مؤداها الدلالي.
ج- المقاربة التداولية، و تستدعي فهم العلامة داخل سياقها التداولي.

لقد مرت بنا نصوص تؤكد أن هذا العلم الجديد ( السيميولوجيا، السيميوطيقا) كان نتيجة أبحاث وتأملات معرفية وفلسفية منطقية في شخص كل من “سوسير” و “بورس”، كل من منطلقاته : الدورة الكلامية ومدلوليه العلامة داخل نسقها / سياقها. وكل ذلك بهدف الوصول إلى غايات كفائية في العملية التواصلية و” أن السيميولوجيا أو السيميوطيقا قد ولدت إذن، مرتين في بداية هذا القرن ومن شأن هذه النشأة المزدوجة أن تفسر تطور ” مدارس” متباينة” – وهو موضوع النقطة التي تلي هذه – وذلك ما سينعكس على التحليل السيميائي لأنظمة التمثيل الإنساني : اللسانية منها وغير اللسانية.

وفي حديثه عن أهمية السيميولوجية في كونها تمد علوما شتى : مفهوميا، معرفيا ومنهجيا يشير بارث إلى أن ” بإمكانها أن تستدي خدمات بعض العلوم وتصاحبها في طريقها وتقترح عليها نموذجا إجرائيا، يحدد، انطلاقا منه، كل علم نوعية ما ينصب عليه. وهكذا فإن قسم السيميولوجيا الذي عرف أحسن ازدهارا، وأعني تحليل الحكايات، يمكن أن يسدي خدمات للتاريخ والأثنولوجيا، ونقد النصوص والتفسير ودراسة الصور (كل صورة هي بمعنى ما ، حكاية)” .

إن المهام التي أسندها المؤسسون لهذا العلم الجديد، تطرح علينا إشكالا كبيرا. فمازال لم يحسم في أمرها. السيميائيات- من حيث كونها علما أو فرعا منه أو نقدا له” إذ السيميولوجيا إما أن تكون علما من بين مجموعة من العلوم، وإما أن تكون العلم كله، و إما أن تكون نقدا للعلم. و بذلك تطرح مشكلة علاقة السيميولوجيا بالإبستيمولوجيا و الفلسفة و علم النفس و اللسانيات” .

ولن نخوض في هذا الإشكال بل سنأخذها- السيميائيات- كمنهج لتتبع العلامة أنى و كيف وجدت لاقتناص الدلالة / المعنى هذا الذي يختلف حضوره و مدى فعاليته من سياق لآخر.
بإمكاننا الحديث عن السيميائيات الحواسية : الشم واللمس والذوق والسمع والبصر، ولو ” أن السيميائيات الشمية والذوقية قليلة الأهمية مقارنة بالسيمياءات السمعية والبصرية واللمسية”

وحسب المقولة أعلاه، نستطيع تقسيم السيميائيات الحواسية إلى مجموعتين :

أ- المجموعة الأولى : اللمس والذوق.
ب- المجموعة الثانية : الشم والسمع والبصر.
والعنصر الأخير ضمن المجموعة (ب) هو ما يشكل موضوعنا، في علاقته بإنتاج المعنى / الدلالة.
إن السيميائيات البصرية تندرج ضمن حفل معرفي عام، السيميائيات العامة، إذ رغم هذه التسمية التي تنفرد بها، فهي مسألة إجرائية فقط. فهي إذن، نتيجة تطور اتجاهات سيميائية :
أ- سيميولوجيا التواصلBuyssons_Mounan_Prieto
ب- سيميولوجيا الدلالةR.Barth

وسنقف عندهما في حينهما. و”إن سيميولوجيا الصورة لم تنشأ في معزل عن مناهج التحليل الأدبي واللسني والفلسفي” . ففي التحليل الأدبي أو النقد نجد كلا من حلقتي براغ و الشكلانية الروستين، واللسني المدرسة الكلوسيماتيكية، والفلسفي مدرسة باريس، إذ ” لا يمكن فهم اجراءاتها التحليلية ولا منطلقاتها النظرية دون التعرف على المبادئ الفلسفية التي تحكم تصورها للمعنى. وذلك أيضا وضع السيميائيات عند الفيلسوف والسيميائي الأمريكي شارل سندرس بورس” .

وتكون السيميائيات إذن، نتيجة تطور هذه الحقول المعرفية و التداخل الحاصل بينها، مفهوميا ومنهجيا. وقد استطاعت- السيميائيات- أن تضمن لنفسها موقعا هاما من التركيز على محدداتها ومنطلقاتها الإبستيمية وآفاقها التطورية، بحيث لم تعد هي الغاية أو الموضوع في حد ذاته، بل أصبحت منهجا تقارب به جميع النصوص : الكرافيكية والرمزية والأيقونية. فجدية السيميائيات إذن، تكمن في كونها موضوعا استغرق جميع الأنظمة التواصلية، فأصبحنا نسمع عن سيميائيات النص الأدبي، وسيميائيات للمسرح، وسيميائيات للفنون التشكيلية، وسيميائيات للثقافة، وسيميائيات للسلوكات البشرية عموما، وسيميائيات للصورة بتشكيلاتها وهوياتها المختلفة، وجماع ذلك كله سيميائيات المنظومتين الفكرية والتربوية.

وأن العديد من المدارس قد جعلت السيميائيات القالب الذي تفرغ فيه المضامين الفكرية والثقافية والإبداعية بهدف دراستها كما يدرس النص الأدبي/ الكرفيكي/ اللغوي. فهذا كريستيان مينز ” يناقش إمكانية تطبيق التصنيفات السيميولوجية على تقنيات الصورة، وبصفة خاصة السينما ” كما” ابتكرJ.I.Scheffer قراءة سيميولوجية للأعمال المصورة، و هو يحاول أن يحلل الصورة كما يحلل النص” .
سنحاول إذن، أن نقف عند أهم اللحظات التأسيسية و المشاريع المنجزة حولها- السيميائيات البصرية – ف” في أواخر الستينات توطد نوع من التوتر التأسيسي من خلال محاولات متميزة، حيث أعلن مؤرخ الفن Gombrich عن ضرورة وجود ” لسانيات للصورة البصرية ” واعتبر المسألة ذات طابع استعجالي، بعد ذلك، سيحاول Gibson وفريقه بلورة تصور تحليلي للصورة ” .

إن النداء الذي وجهه “Gombrich ” ذي الطابع الاستعجالي سيلقى أذنا صاغية و استجابة جريئة من لدن بارث ” ذلك أن التأسيس الفعلي للسيميائيات البصرية يعود إلى مقال قصير (الأعمال العظيمة تأتي موجزة) نشر سنة 1964 : بلاغة الصورة (متأخر زمنيا عن ” الإرسالية الفوتوغرافية) ” .
فالمدرسة الفرنسية ممثلة في شخص بارث، ليست هي وحدها من اهتم بسيميولوجيا الصورة/السيميائيات البصرية، ف ” لقد فرضت المدرسة الكيبيكية – الكندية السيميائية نفسها داخل حقول معرفية متعددة وتعتبر أبحاث Saint Martin وMarie Carani رائدة في المجال البصري ” كما ” تعتبر المجموعة البلجيكية (مو جاك ديبواوجان ماري كلينبرغ من حقل اللسانيات، فليب مانكيت من حقل علم الجمال، فرنسيس ايدلين من حقل الكيمياء) من أهم النمذجات في الحقل السيميو – بصري المعاصر ” . و”إن أعمال Sonesson تشكل الملمح البارز في المدرسة الألمانية – الاسكندنافية، فمنذ عمله النقدي … مناهج ونماذج في السيميائيات البصرية (1988) و… مفاهيم التحليل البصري … ( a1989 (مرورا ب … سيميائيات الصورة الفوتوغرافية ( b1989) وغيرها من الأعمال المتعلقة بالإشهار، السينما، الصورة السردية، الصورة ولغة الإشارة، الصورة و الأركيولوجيا … ووصولا إلى أعماله الأخيرة (2002-2003)” .

إن هذه الأعلام بمشاريعها في هذا المجال : السيميائيات البصرية، سينعكس على مستويات تحليل الصورة / الخطاب البصري، إذ لكل منطلقاته ومفاهيمه ومنهجه وأهدافه، وبالتالي، فإن هذا الغنى المرجعيتي والمفهومي والمنهجي سيفيد المهتم بسيميولوجيا الصورة. صحيح أنه قد يحتار عن أي الاتجاهات سيأخذ لقراءة المشروع البصري / الأيقوني. إلا أن ذلك قد يفيده لو يستدمجها للحصول على كم وكيف معرفيين، ولأن هذه الدراسة قد قطعت مراحل في البلاد الأوروبية والأمريكية، فإن وضعها في العالم العربي ليس أحسن حالا، اللهم دول شمال افريقيا الثلاثة : تونس والجزائر والمغرب بوجه خاص، ولكن هذه الاهتمامات يطغى عليها الطابع الأكاديمي الانفرادي، إذ ليست في جامعاتها شعبة تخص سيميولوجيا الصورة”. وأن الكتابة في هذا المجال لا تعدو أن تكون مقالات مبثوثة في مجلات و دوريات وجرائد ذات الشأن الثقافي والمعرفي، وهذا يشكل عائقا على مستوى المادة : المنجز النقدي حول السيميائيات البصرية، وهو ما وقفنا عليه خلال عملنا هذا، إشكال آخر ينضاف إلى ما ذكر، أغلب هذه الاهتمامات مترجم. وأنه تفاديا لهذا العائق المعرفي والمنهجي. آن الأوان و بشكل استعجالي لفتح شعبة : “سيميولوجيا الخطاب البصري” في الجامعات العربية ولم لا معاهد متخصصة في تحليل الصورة. ونختم هذا المبحث بأسئلة نرى أنها ضرورية.

وأخيرا :
لماذا تمارس السيميولوجيا وصاية على الأشكال التعبيرية ؟ هل لكونها تتوافر على أدوات ومفاهيم إجرائية تنعدم في حقل معرفي ما، أم أنها المنهج الأنموذج بامتياز، لقراءة وتحليل تمظهرات السلوك البشري عبر وسائل التعبير عنه وإدراكه : اللمس والشم والسمع والبصر ؟ ثم لماذا تطارد السيميولوجيا المعنى والدلالة عبر تشكلاته ؟.

——————————————————–

– محاضرات في علم اللسان العام،ص، 26.
– مدخل إلى السيميوطيقا الجزء الثاني إشراف، سيزا قاسم، نصر حامد أبوزيد، منشورات عيون، الطبعة الثانية، البيضاء، ص، 15.

– السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، ص، 44.
– الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، تقديم، باسكال مرسيلو، ترجمة : مجموعة من الكتاب افريقيا الشرق 1987، سلسلة البحث السيميائي، ص، 5.
– المرجع نفسه، عن تقديم الترجمة بتصرف، ص، 4.

– سيميائيات المسرح، د. محمد التهامي العماري، عالم الفكر، المجلد 33، ع، 2، أكتوبر / ديسمبر 2004، ص، 266.
– المرجع نفسه، ص، 269.
– الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ص، 3 .
– المرجع نفسه، ص، 6.
– المرجع نفسه، ص، 16.

– السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، ص، 58.
– الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ص، 18.
– السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، ص، 54.

– المرجع نفسه، ص،16.
– المنعطف الثقافي، ع 236 أبريل 2004، مقال لحسيب الكوش بعنوان سؤال المنهج في السيميائيات البصرية.
– قد سبق وأن أدرجنا المقولة بالتفصيل.
-السيميوطيقا والعنونة، مقال ل . د. جميل حمداوي، عالم الفكر، المجلد 25 ع، 3 يناير، مارس 1997، ص، 800.
-المرجع نفسه، ص، 81.
– دروس في السيميائيات، حنون مبارك دار توبقال للنشر، ط1،1987، سلسلة توصيل المعرفة، ص، 73.
– السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، ص،19.
– المرجع نفسه، ص،17.

– المرجع نفسه، ص، 21.
– المرجع نفسه، ص، 35.
– اتجاهات البحث اللساني، ص، 351.
– المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
– المرجع نفسه، و الصفحة نفسها.
– المرجع نفسه، ص، 352 بتصرف.
– المرجع نفسه، ص، 352.

– الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ص 16.
– درس السيميولوجيا، رولان بارط، تر. عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، ط 1، 1986، سلسلة المعرفية الادبية، ص،25.
– الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ترجمة مبارك حنون، ص، 10.
– السيميولوجيا والتواصل، إيريك بويسنس، تر، جواد بنيس، ط، 1، 2005، الناشر مجموعة البحث في البلاغة والأسلوبية، ص،10.
– قراء في السيميولوجيا البصرية، مقال ل د. محمد غرافي عالم الفكر م، 31، ع 1 يوليو – سبتمبر2002ـ ص،221.

– السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، ص، 17.
– مدخل إلى السيميوطيقا، ص،31 .
– المرجع نفسه والصفحة نفسها.
– المنعطف الثقافي مذكور .
– المرجع نفسه.
– المرجع نفسه.
– المرجع نفسه.

– المرجع نفسه.

*باحث في الحطاب والإعلام الديني

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...