بقلم زيد عيسى العتوم
كثيراً ما نظنّ أن ما يُميّزنا عن غيرنا أكثر بكثيرٍ مما يجمعنا بهم, وغالباً ما تسيطر علينا مشاعر الخوف حتى دون أن نعرف من ماذا, ونتلذّذ بطعم النزوع الى المكان الآخر وربما الى الزمن الآخر أيضاً, نخرج من بطون أمهاتنا ونخرج الى الضوء والحياة, ونخرج الى ما تيسّر من عتبات الراحة والأمان, وتبقى أقدامنا تتراكض حالمةً حتى تخرج أرواحنا من أجسادنا المعذّبة, قد نستسلم لما أُرغمنا عليه فنتطابق أو نتماثل في التفكير والمظهر وحتى الحديث, نغدوا كمنتجاتٍ مكررةٍ لمصنعٍ أزليٍّ لا ندري من أدركَ صبّ قوالبه الأولى, تهتزّ أرواحنا في حضرة المفاجآت وتتصادم أحرفنا عند الخروج عن النصّ, وعندما تقترب عقارب العمر من أطراف شيخوختها, نبصر حينها طيفاً نورانياً ونسمع صوتاً مبشّراً ربما بعد اقتراب فوات الأوان, يقول لكل منا :” كن نفسك! فكل ما فعلته وتفعله الآن, وكل ما فكّرتَ به وتفكّر به الآن, وكل ما اشتهيته وتشتهيه الآن, ليس هو ذاتك!”, فهل نقوى ونرغب على فعل تلك الفعلة المغامرة !, فبعد أن سجدنا لأصنامِ العُرف والدارج والمألوف تحوّلنا لمجرّد أصنامٍ لغيرنا, كان الاقتراب من السؤال عن جدواها فُحشاً والتدقيق فيها عبثاً والبحث عن أصلها وفصلها نشوزاً وجُرماً, ثم تأتي تعزية الفيلسوف شوبنهاور لمواساة كل من حاول أن يكون استثنائياً, ” الحياة السعيدة مستحيلة, وأقصى ما يمكن أن يناله الانسان هو مسار حياةٍ بطولية”.
لو وقف الابداعُ بالقرب من العمق والبراعة, ووقف قربهم الرسّام البولنديّ توماس كوبيرا, لصنع الجميع لوحة ” الخروج عن القطيع “, ولزلزلت تلك الأعجوبة الأرضَ تحت أغطية المتلحّفين بدفء القطيع, في اللوحة طوابيرٌ من البشر الأشبه بقوالب الثلج الباردة والمتصلّبة, لا يسمعون غير أنفسهم ولا يبصرون غير خُطى من سبقهم, هم مجرّد وجوه متشابهة تعبُر من الحياة الى الموت, وتدّعي القوة بينما دواخلها وأنفاسها مقنّعة ومهمّشة, تلك الوجوه بلا ملامح تميّزها وبلا أعين تقودها, تسير تلك الأجساد كريحٍ صامتةٍ أقسمت أن لا تناطح صخراً, وأن لا تغيّر فكراً, وأن لا تزحزح ما حسِبَته قدَراً, أو أنها كأمواجٍ مترادفةٍ وباهتةٍ لا تستطيع ملامسة شواطئها قدر أنملة أخرى, وإن دققنا فيها جيداً ربما نراها حلقات متشابكة وصدئة من الجنازير المترابطة, الغاية منها لجم الشرود وكبح الانشقاق ومنع الانسلاخ, وفي اللوحة يندفع البطل ذو العيون المفتوحة الى خارج القطيع, نظرته مملوءة بالأمل وفمه يحاول الإطباق على هواء التحرر والامساك بطوق النجاة للخروج خارج السرب, يحاول البعض ثنيه عن غايته لأنه سيعكر الصفو وسيخلخل المياه الراكدة بهروبه, والأدهى لديهم إن ألهَم غيره للحاق به فتتمزق حينها الحصيرة وتتكسّر وقتها الوتيرة, وعند اللحظات الأخيرة لإنفلاته منهم ربما سيرغبون بغرس أضافرهم في أطراف أطرافه, لسحل أوصافٍ قد تُقال في صيته, ولحرق فتاتٍ من لحم جسده المسافر بعيداً عنهم.
لا تختلف ألوان تلك اللوحة عن خيال هيربرت ويلز في ” بلد العميان”, فالمرض الغريب ينتشر في تلك القرية النائية ويصيب جميع سكانها بالعمى, لم يغادروا قريتهم ولم يتواصلوا مع غيرهم, فتوارثوا العمى جيلاً بعد جيل, وذات يوم ساقت الأقدار أحد المبصرين الى عالمهم المظلم, استغرب ذلك الزائر أن بيوتهم بلا نوافذ وأن جدرانها قد طُليت بالوانٍ صارخةٍ وبشكل فوضوي, بدأ بمناداة الناس فمرّوا بالقرب منه دون أن يلتفتوا اليه, فأدرك ما حلّ بهم وبمن سبقوهم من ذلك المرض, حاول أن يشرح لهم معنى أن يُبصروا ما حولهم, وكيف يُبصر غيرُهم من الناس, سخروا منه بشدةٍ وقهقهوا عند سماعه, وفي اليوم التالي ابتسمت له السماء بأن تمكن من الهروب من قريتهم, بعد أن استشعر رغبتهم في “سمل” عينيه وتجريده من بصره.
لا يبلغ الحلمُ منتهاه, ولا تتصالح أجسادُنا مع أرواحنا, ما لم ينتصر العقل والعلم والمنطق في ساحات عمرنا, وما لم نتشارك الأفكار ونتداول القناعات بمنتهى التحضّر, أما دفء القطيع فهو وهم الربيع, الذي تنتظره الأغصان اليابسة, ولو رأى نيتشه تلك اللوحة لقال لنا مرة أخرى : ” منذ القدم والبشرية لا تعاقب الا من يقول الحقيقة, فإذا أردت البقاء مع الناس شاركهم أوهامهم, الحقيقة يقولها من يرغب في الرحيل فقط”!





