بقلم .. عمر الطيبي
بعدما خبر الوجود الاستعماري الفرنسي قبائل المنطقة الشرقية للمغرب وخبرته، من خلال عقود طويلة من المقاومة والمواجهة والصراع، والمد والجزر والكر والفر، وبعدما تجمعت كل العوامل التي سهلت على فرنسا تكريس استعمارها للجزء الشرقي من أرض الظهرة المغربية، والاستعداد من ثم لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة لغزو باقي الاراضي المغربية عبر منفذي وجدة والدار البيضاء (1907)، وأيضا بعد اضطرار بعض القبائل الحدودية للدخول في مفاوضات شاقة معها على آمل انقاذ ما يمكن انقاذه من أرض وعرض وانتماء سياسي للمغرب ضمن حدود مواطنها الخاصة .. بعد ذلك كله .. كتب الجنرال لوي هوبير ليوطي( LYAUTEY)، ابو المشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب، في مذكرة داخلية بمقر قيادته في العين الصفراء اواخر نوفمبر 1903 متحدثا عن قبيلة بني كيل، وكانت آنذاك احدى اهم قبائل المنطقة من حيث مقاومة الاستعمار ومن حيث التأثير في أحداثها :
” .. كلا لم يحن الوقت بعد، لا يجب أن نفرط في التفاؤل، ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن بني كيل المعادون لنا في غالبيتهم المطلقة، هم كثر ومحاربون، فضلا عن كونهم، كما هو واضح، أقوى بكثير من قبيلة حميان، انهم عدوانيون وشرسون الى اقصى الحدود، ثم ان نمط عيشهم، وكذا العسر الذي يعانون منه بين الفينة والاخرى، يدفعهم بطبيعة الحال، لمهاجمة قوافلنا (العسكرية)، ومواردنا، وأيضا قطعان ماشية قبائلنا، مما يعني أنه ما يزال أمامنا فترة طويلة من الصدام معهم”. (1)
في السنة نفسها أي في 1903 صدرت لادمون دوتي (Edmond Doutte) السوسيولوجي الكولونيالي الفرنسي المعروف مذكرة عن رحلة قام بها لمدينة فكيك المغربية على خطى الرحالة الالمانيين رولفس (1879) وج. شودت (1882)، وقد أشار في هذه المذكرة، عرضا، الى أن بني كيل كانوا يمارسون أيامها احدى العادات القبلية المشينة التي كانت ما تزال متفشية في البلاد، الا وهي سبي البنات الصغيرات أو اختطافهن من قبائلهن ثم بيعهن في سوق الرقيق بيع الاماء الزنجيات، ملمحا الى أن مما زاد هذه الظاهرة استفحالا، احتلال فرنسا لاقليم توات المغربي (1901) وقطع طريق تجارة الرقيق الواردة من بلاد السودان الغربي وبالتالي تزايد الحاجة لهذا النوع من الرقيق الابيض في سوق النخاسة بفكيك وتافيلالت (2).
الا أنه وبعد مرور 118 سنة بالتمام والكمال على تحرير شهادة ليوطي وصدور مذكرة دوتي، أي في سنة 2021، عن لموظف مخزني برتبة رئيس للمجلس العلمي لاقليم فكيك، هو السيد محمد بوزيان بنعلي، أن يعيد كتابة تاريخ تلك الحقبة وأن يدلي بدلوه في ما حدث في ذلك العصر والاوان من وقائع وما جرى خلاله من احداث، وقد بدا له أن من المفيد له وللناس جميعا صوغ هذا “الٍرأي” في “مؤلف جامع مانع” تحت عنوان ” المحطات الكبرى في تاريخ بني كيل والظهرا”، فكان من بين اهم ما قرره ضمنا في هذا الصدد على الخصوص هو أن تاريخ هذه القبيلة المغربية العربية العريقة لم يكن بتلك الصورة التي قدمها بها ليوطي، ولكن كان به شئ مما تحدث به دوتي !!
وحتى يطلق السيد بنعلي العنان لمخيلته في افتراء تاريخ مصطنع لقبيلة بني كيل ويكتب عنها بطريقته الخاصة وعلى هواه، فقد تجاهل تماما شهادة المارشال ليوطي، وهو من هو في تاريخ الاحتلال الفرنسي للمغرب وفي المعرفة النظرية والميدانية ببنياته الاجتماعية بشقيها القبلي والمديني، كما بماضيها وحاضرها، فضلا عن كونه واضع الاساس النظري والعملي لنظام الحماية الفرنسية بالمغرب، وحتى لتحديث هياكل دولته المخزنية المهترئة، فهل كان السيد بنعلي سيسيء تلك الاساءة البالغة لتاريخ قبيلة مغربية مقاومة لو اخذ شهادة ليوطي بعين الاعتبار، واستحضر معها أن ذلك القائد العسكري والمخطط الاستراتيجي الاستنائي في التاريخ الفرنسي كان بصفته العسكرية تلك على معرفة أكيدة بمكانة بني كيل في المنطقة أي انه لم يكن يتحدث عنها من فراغ؟؟ أشك شخصيا في ذلك .. ويبقى السؤال في نهاية المطاف مطروحا على صاحب ” الكتاب” وحده لا على غيره.
لكن السيد بنعلي اصر رغم ذلك على تمثيل دور الباحث المقتدر الجاد الذي لا يتحدث الا وفي جعبته “حجة دامغة” مستنبطة من كتابات أحد أساطين البحث السوسيولوجي الكولونيالي الذي ليس سوى ادمون دوتي بالذات، فعبس وبسر واستل من مذكرة الكاتب الفرنسي عن فكيك فقرة يتيمة اقتطعها من سياقها العام وقلب معناها رأسا على عقب، وحذف منها وأضاف اليها .. وظل يحذف ويضيف الى أن استقر به الرأي على تقويل الكاتب ما لم يقله، فنسب له تلك الاشارة الكاذبة الفاضحة التي مفادها أن “بعض بني كيل لم يكونوا يجدون حرجا في بيع الفتيات الصغيرات وغيرهم كما تباع الاماء رغم بياض بشرتهن” ؟؟!!(ص 96).
ظننت بعد قراءة أولى للكتاب أن هذا الطعن غير المبرر في اعراض بدو بني كيل والحط من كرامتهم ربما كان ناجما عن خطأ في الترجمة أولعدم المام الكاتب كفاية باللغة الفرنسية (3)، لكن بعد قراءة ثانية وتحليل دقيق للنص تبين لي أن السيد بنعلي كان يعني فعلا ما يقول، وقد فضح نفسه بنفسه عندما اردف قوله في الفقرة نفسها “حاولت أن أجد مصدرا آخر يزكي اشارة الكاتب فلم أعثر لها على أثر مما يجعلها تحت طائلة الشك”، ولاحظ معي ايها القارئ الكريم كيف أنه اكتفى بالبحث عما “يزكي” ادعاءه ولم يكلف نفسه عناء البحث عما يدحضه”، وعلى كل حال فانه ليس من المعقول أن يجد رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك من يزكي كذبة افتراها هو نفسه حول واقع يعود لازيد من قرن وربع وصدقها، ثم افشاها كتابة بين الناس بدون حرج ولا خجل من نفسه ولا من “مكانته العلمية”.
وامعانا في لعب دور من “يقتل القتيل ويمشي في جنازته” كما يقول المثل العربي، أردف السيد بنعلي قوله “ان ذلك يحتم علينا عدم التسليم بصحتها (أي اشارة دوتي) والتعامل معها بحذر شديد لانهم (يقصد الكتاب الكولونياليين) لا يتورعون لابعاد أيديولوجية استعمارية مرسومة عن تحويل مشهد عارض واحد الى قاعدة شاملة، وتعميم خبر معزول ليطال المجتمع بكليته”، مصرا كما هو واضح على تمرير خبر حصول “بيع بني كيل لبناتهم” بالفعل، “ولو في مشهد عارض”، وتأكيد وقوعه “ولو في حالة واحدة”، ثم راح بعدها يلعن الاستعمار ووالدين وأجداد الكتاب الاستعماريين، وهو يعرف تمام المعرفة ان الكاتب الاستعماري الذي قصده هنا، أي دوتي، يظل مما نسبه اليه بريء !!.
صحيح أن الكتاب الكولونياليين وما خلفوه من كتابات في مختلف التخصصات والأجناس، من رحلة وتاريخ وسوسيولوجيا وانتروبولوجيا وحتى من ابداعات فنية وادبية، حول المغرب خاصة وحول بلاد الشرق عموما، لم تكن تتوخى في اغلبها سوى خدمة المشروع الاستعماري، لكن ذلك لا يقلل من القيمة المعرفية والعلمية لهذا الكنز المعرفي الثمين الذي خلفوه ليس بالنسبة لهم وحدهم ولكن بالنسبة لنا بالدرجة الاولى، وذلك ان نحن احسنا تقييمه وتقويمه وغربلته وكشف خلفياته وأخطائه واستغلاله بالشكل الصحيح، وليس كما تعامل معه السي بنعلي، حينما اكتفى باستغلال نص رحلي كولونيالي اسوء استغلال ممكن للطعن في شرف موتى المسلمين ولعن موتى النصارى، بينما سكت تماما عما جاء من ذكر في الوثيقة نفسها لمظاهر فساد وانحطاط اخرى كانت تعرفها المنطقة وقباءلها كلها بدون استثناء، والسؤال الذي يفرض نفسها بقوة في هذا الصدد هو ما اذا كان السي بنعلي وامثال السي بنعلي في مستوى التعامل مع ما كتبه دوتي وغير دوتي من الكتاب الكولونياليين واستغلال ما كتبوه على الوجه المطلوب في إعادة كتابة تاريخنا على اسس سليمة ام لا !!؟؟.
(يتبع)
1/ LYAUTEY : VERS LE MAROC / LETTRES du SUD-ORANAIS 1903-1906 (page 27)
2/ Edmond Doutte : Figuig Notes et Impression (1903)
3/ انظر مقالي السابق حول الموضوع .. “ما هكذا تكون كتابة التاريخ يا رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك” وهو منشور بصفحتي عل الفايسبوك





