*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
بداية لابد من التذكير، بأنه في عام 1981 حاولت إسرائيل إجبار دروز الجولان على الحصول على الجنسية الإسرائيلية، الأمر الذي دفع بالجولانيين، إلى إحراق بطاقات هويتهم الإسرائيلية الزرقاء في الشوارع، والإضراب لمدة ستة أشهر، ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى الرضوخ. لهذا السبب، لا يمتلك أغلب الجولانيين جنسية أو جواز سفر، ولكن بحسب التقارير الإخبارية الإسرائيلية، فإن عدداً متزايداً من الدروز، خاصة من جيل الشباب، تقدم بطلبات في السنوات القليلة الماضية للحصول على الجنسية الإسرائيلية. وأحد الأسباب في ذلك هو تحسين فرصة الحصول على عمل داخل إسرائيل.
رابطاً بما سبق، فقد كان للإعلام الإسرائيلي والماكنة السياسية الإسرائيلية، دور في تشكيل هذه الصورة، في محاولة منهم لسلخ الطائفة الدرزية عن ارتباطها التاريخي بالوطن الأم سوريا، لكن الحقيقة تكشف عن أنه من غير المنصف اتهام الطائفة الدرزية بأكملها في التعاون مع إسرائيل، فإلى جانب العشرات من أبناء الطائفة ممن انخدعوا كغيرهم بإغراءات إسرائيل وخدموا في صفوف الجيش الإسرائيلي، كان هناك المئات من الدروز الذين يرفضون العمل مع إسرائيل، أو الإنخراط في المسارات السياسية والعسكرية والأمنية، في الداخل الإسرائيلي.
ومن المهم القول، بأنه خلال السنوات الماضية، دخلت العلاقة القائمة بين الدروز والحكومة الإسرائيلية في متاهات كثيرة، نظرا للشعور بعدم الرضا لدى شريحة واسعة من أبناء وشيوخ الطائفة على الوضع المعيشي الذي يحيوه، وتحديداً في الجولان، إلى جانب ممارسات الحكومة الإسرائيلية بحقهم بحرمانهم من أراضيهم التي توارثوها عن أجدادهم لصالح بناء المستوطنات، بالإضافة إلى الممارسات العنصرية التي كان يتعرض لها أبناء الطائفة على يد الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، الذين بقوا ينظروا إليهم على أنهم طبقة دُنيا، على الرغم مما قدموه من أبنائهم قتلى خلال الحروب الإسرائيلية المختلفة.
واليوم يواجه أبناء الطائفة الدرزية أكبر خطر يهدد وجودهم، هو قانون القومية اليهودية، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، والذي يحرم أصحاب البلاد الأصليين من الفلسطينيين والسوريين ومن كافة الطوائف، من حقهم في الوجود ويسلبهم الحق في الحصول على كيان يحدد مصيرهم ويحولهم إلى أقلية تعيش تحت رحمة “دولة اليهود”.
ووفق قانون القومية اليهودية، فإن الدروز الذين تزعم اسرائيل تمتعهم بكامل الحقوق، سيصبحون أمام ثلاثة خيارات يجب عليهم القبول بإحداها، وهي، إما الرحيل عن أرضهم التاريخية، أو المواجهة مع إسرائيل، أو التعايش مع القانون والذي يقضي بمعاملتهم كمواطنين من درجة دنيا.
بعد ذلك، أتى القرار الأميركي الاعتراف بـ “سيادة” إسرائيل على هضبة الجولان، والذي وقعه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بمثابة الرسالة للجولانيين ووطنهم الأم سوريا، فقرار ترامب لا يعدو عن كونه محاولة لسلخ الجولان من الخارطة السورية، وتشويه الحقائق التاريخية وكذا الجغرافية.
في غضون ذلك، بدا السوريون موالاةً ومعارضة متفقين على موضوع الجولان وحقهم في استعادته بكل الطرق. وأكد ذلك، الموقف الرسمي السوري من دمشق، الذي تعهد بالتصدي للغطرسة الأمريكية، وكذلك محاولات اسرائيل طمس هوية الجولان السوري، وربطاً بذلك، فإن دروز الجولان كان لهم دور تاريخي في كل سياق الصراع مع إسرائيل، فهم يرفضون وبشكل قاطع، حمل الجنسية الإسرائيلية، ويرفضون أيضاً التماهي مع المجتمع الإسرائيلي، أو الإنخراط في أي حياة سياسية أو عسكرية إسرائيلية، وبالتالي، فإن الجولان كان وسيبقى سورياً، ودروز الجولان كذلك، هم مكون سوري كان ولا يزال يرتبط بسوريته، ورفضاً لكل المحاولات الإسرائيلية بطمس هوية الجولان، إلا أن الجولانيين متشددين بالحفاظ على الهوية الوطنية السورية، ولا ننسى ما شهدته قرى الجولان، حين قام الجولانيين برفع الأعلام السورية ولافتات كُتب عليها بالعربية “الجولان سوري رغم أنف الأعداء” و”نحن مَن يقرر هوية الجولان”.
ختاماً، ثمة وقائع تؤكد بأن الجولانيين كانوا ولا زالوا، متمسكين بهويتهم السورية. في هذا السياق لابد من تسليط الضوء، على قرار وزير الداخلية الإسرائيلي في حكومة نتنياهو، أريه درعي، لجهة إجراء انتخابات للمجالس المحلية في الجولان، بالتزامن مع إجراء انتخابات المجالس المحليّة في فلسطين في 30 تشرين الأول 2018. إذ وجه درعي رسالة إلى رؤساء المجالس المحليّة المعيّنين في قرى الجولان السورية الأربع: مجدل شمس، عين قنيا، بقعاثا ومسعدة، بأن انتخابات ستجرى في قراهم ضمن الدورة الانتخابية القادمة للسلطات المحلية في إسرائيل، ونحن نبحث حالياً الخطوات اللازمة لإدارة المجالس المحلية في المرحلة الانتقالية حتى موعد الانتخابات العامة. وهنا لابد من التذكير، إلى أن إسرائيل كانت دائماً تحاول تسويق هذه الأفكار، وتلمس رفضاً قاطعاً من الجولانيين فتعود وتعدل عنها، مكتفية بتعيين مجالس محلية ورؤساء مجالس من المتعاونين معها، أو من مستوطنين يهود.
وضمن ما سبق، يحضر قوياً ما قاله الشيخ هايل شرف من داخل بلدة مجدل شمس، إبان قرار الحكومة الإسرائيلية، إذ قال إن المجالس المحلية منذ أن تشكلت هي مجالس إسرائيلية ولا نعترف بها، ويعيّن فيها أزلام السلطة، يفكّرون الآن بأنهم يمررون قانون الانتخابات لدفع الناس إلى الاعتراف بشرعية إسرائيل، ثم استخدام هذا الاعتراف في المحافل الدولية.
حقيقة الأمر، إن إسرائيل تراهن على طول سنوات الاحتلال، وملل أهالي الجولان من المواجهة، ومحاولات توريط الجيل الجديد بإغراءات لأجل الحصول على الجنسية وقروض التعليم في الجامعات العبرية وتحسين ظروف الحياة والربط الاقتصادي مع الداخل الفلسطيني، فيما تمارس ضغوطاً لتبديل وثائق السفر الحالية بالهويات الإسرائيلية، ومحاولات تسويق فكرة انهيار سوريا وانتهاء الآمال بتحرير الجولان. لكن رغم ذلك، فإن لسان الجولانيين يقول، أن نتنازل عن ذرة تراب من أرض الجولان طال الزمن أو قَصر.
*إعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا





