بايدن في المنطقة .. إسرائيل أولاً

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

أسامة أبو ارشيد

 

 

 

يحرص الرئيس الأميركي، جو بايدن، على التمايز عن سلفه دونالد ترامب في كل شيء، إلا في التواطؤ مع إسرائيل، والاستمرار في تقديم الدعم غير المحدود لعدوانها وانتهاكاتها المستمرّة للقيم الإنسانية والقانون الدولي. عند وصوله إلى تل أبيب، يوم الأربعاء الماضي، في مستهل جولة تحمله إلى السعودية تالياً، أعلن أن “العلاقة بين الشعبين الإسرائيلي والأميركي عميقة للغاية”. يتغافل بايدن هنا عن سياسات إسرائيل الإجرامية بحق الفلسطينيين، من قتل وعنف واعتقال وتهجير وتطهير عرقي وحصار وبناء مستوطنات سرطانية على أراضيهم. كما أنه يتجاهل وعده الموءود الذي خدع به العالم وعشرات الملايين من الأميركيين الذين انتخبوه بأنه سيعيد “سلطة أميركا الأخلاقية”، هذا إذا وافقنا طبعاً أن عندها علواً أخلاقياً أساساً. ليس هذا فحسب، بل نجده لا يخجل وهو يتحدّث عن سعي إدارته إلى تحصين جرائم إسرائيل وانتهاكاتها عبر دمجها في المنطقة اقتصادياً وعسكرياً. إنه يتبّع خطى ترامب في دفع عجلة تطبيع إسرائيل في المنطقة مع بعض الدول العربية القمعية، عبر ما تعرف بـ”اتفاقات إبرهام”، على حساب الحقوق الفلسطينية.

خلال زيارته، حصلت تل أبيب على وعود بمزيد من الدعمين، العسكري والاقتصادي، والشراكة التكنولوجية، فضلاً، طبعاً، عن جعلها قطب الرحى في المنطقة لحلفٍ مدنّس بين طغاة ومجرمين على حساب الشعوب المقهورة، تحت لافتة التصدّي لإيران. أما الفلسطينيون فتكفيهم عبارات فارغة عن تمسّك إدارته بـ”حل الدولتين”، ولكن من دون توقع أي جهد منها في سبيل تحقيق ذلك، فحسب اعتراف مسؤول أميركي رفيع، هذا أمر بعيد المنال وعسير التحقّق.

وللموضوعية، سيحصل الفلسطينيون على بعض المساعدات الإنسانية من واشنطن، كما أن الإسرائيليين “تمنّنوا” عليهم وأجلوا الإعلان عن مشاريع استيطانية واسعة ستلتهم مزيدا من أراضيهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى ما بعد مغادرة بايدن المنطقة! الكارثة هي في تواطؤ القيادة الفلسطينية الرسمية في كل ما يجري، إذ وافقت السلطة الفلسطينية على الرشاوى الإسرائيلية من زيادةٍ في تصاريح العمل، و”تخفيض” التوتر “إكراماً” للضيف الزائر. ولا ننسى هنا “الإنجاز” الكبير للرئيس محمود عبّاس الذي “نجح”، أخيراً، في إجراء مكالمة هاتفية مع رئيس وزراء إسرائيلي، لأول مرة منذ خمس سنوات، فكان أن تحادث مع يئير لبيد لبحث ترتيبات زيارة بايدن، وفي السياق، انتهز الفرصة لتهنئته برئاسة الوزارة!

إسرائيل تبقى أولاً في الحسابات الأميركية في المنطقة، وأما البقية فأدوارهم تكميلية وقابلة للاستبدال إن تغيّرت الظروف

هناك كثيرٌ يمكن قوله عن ابتذال بعض الأطراف العربية في تراميها عند أقدام إسرائيل رغم معرفتهم يقيناً أنها لا تريد بهم خيراً، فما يعني هذه الأخيرة مصالحها هي فقط. وللأسف، تنساق تلك الأطراف العربية، ببلاهة وسخف، كي تكون الدرع التي ستتلقى الضربات عن إسرائيل تحت ذريعة تحالف أمني إقليمي ضد إيران. وهم لا يكتفون بذلك، بل تراهم لا يمانعون أن يسلّموا زمام اقتصاداتهم للدولة العبرية، وتجدهم يتحدّثون بكل دونية عن “الابتكار” و”الإبداع” الإسرائيليين، وهذا مفهوم إن اعترفوا أيضاً بأنهم هم من دمّروا بلادهم ووأدوا عقول شعوبهم وإمكاناتها. ما يعني هؤلاء هو استرضاء السيد الأميركي، وهم لا يرون سبيلاً لذلك إلا عن طريق كسب قلب تل أبيب.

قبل أسابيع قليلة، عندما ووجه بايدن بسؤال محرج عن نيته زيارة السعودية، رغم تعهده مرشّحاً بمعاملتها كـ”دولة منبوذة”، لم يجد من ذريعة إلا أن يقول إنه يفعل ذلك من أجل تعزيز أمن إسرائيل عبر تسريع اندماجها في المنطقة. طبعاً، نعلم أن له أهدافاً أخرى تتعلق بإمدادات الطاقة في ضوء الارتفاع الرهيب في أسعارها جرّاء الغزو الروسي أوكرانيا وفرض عقوبات غربية على موسكو. كما أنه يريد تجديد وتعزيز موثوقية بلاده المتراجعة عند حلفائها في المنطقة، منعاً لتسلل صيني – روسي لتعبئة أي فراغ تتركه واشنطن وراءها. ومع ذلك، مجرّد لجوء بايدن إلى ذريعة خدمة مصالح إسرائيل يزوّدنا بمؤشّرٍ يعلمه الجميع، إلا من اختار العمى، أن إسرائيل تبقى أولاً في الحسابات الأميركية في المنطقة، وأما البقية فأدوارهم تكميلية وقابلة للاستبدال إن تغيّرت الظروف والمعطيات. ويبقى السؤال، إذا كان بايدن لم يخجل من تذكيرنا بتصريح له، منذ سبعينيات القرن الماضي، يقول فيه “أنت لا تحتاج أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً”، فهل يا ترى يأتي اليوم الذي نسمع فيه زعماء عربا ومسلمين يكرّرون مقولته ذاتها؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...