أين الخليج من التحولات العالمية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*محمود علوش

 

 

 

أحدثت الحرب الروسية على أوكرانيا زلزالا في السياسات الدولية على أكثر من صعيد، فقد أنهت نحو 4 عقود من السلام الأوروبي وقلبت الأولويات الأوروبية رأسا على عقب، كما جرّت الولايات المتحدة للانخراط في حرب بالوكالة مع روسيا، وأصابت الاقتصادات العالمية بهزة كبيرة جراء التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وتأثرت الأغلبية الكاسحة من دول العالم بتداعيات الحرب بنسب وأشكال مختلفة.

ومع ذلك، فإن هذا الصراع شكّل فرصة لمنطقة الخليج العربي لتعزيز أهميتها، ليس فقط على صعيد أمن الطاقة العالمي، بل أيضا في التنافس الجيوسياسي العالمي.

في تاريخ الخليج الحديث شكّلت الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة سياسات الطاقة والأمن لدول الخليج، وكانت ثنائية “الأمن مقابل النفط” بمثابة محدد لطبيعة العلاقات الأميركية الخليجية، ومع تراجع الالتزام الأميركي بأمن الخليج وعودة الأهمية لنفطه تسعى الدول الخليجية إلى إعادة ضبط معايير الشراكة مع واشنطن من جهة، وتنويع شراكاتها الخارجية من جهة أخرى.

بعد أسبوع على اندلاع الحرب كان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أول زعيم خليجي يزور البيت الأبيض في عهد بايدن، وقد توجّت الزيارة بإعلان تصنيف قطر حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج الناتو، وباستثناء فترة ترامب كانت العلاقات القطرية الأميركية قوية على الدوام، وهناك تعاون ثنائي واسع في قضايا إقليمية ودولية.

لكن تداعيات الحرب أضفت بعدا آخر مهما على العلاقات هو الطاقة، وكون قطر من بين أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في العالم فإن واشنطن تسعى للاستفادة من ذلك للمساعدة في فطم أوروبا عن الغاز الروسي، ومع ذلك حافظت الدوحة على خطاب متوازن في الصراع الروسي الغربي.

وفي الواقع، لطالما تميزت قطر بسياسة خارجية مختلفة عن دول المنطقة من حيث قدرتها على التواصل مع الخصوم والأصدقاء، وفي ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على سياسات الطاقة العالمية فإن الدوحة تسعى إلى تعزيز أهميتها في هذا المجال.

على عكس قطر تشهد علاقات واشنطن مع السعودية والإمارات -بنسبة أقل- توترا كبيرا، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن القاعدة الأساسية التي أدارت العلاقات الأميركية الخليجية على مدى 8 عقود -وهي الأمن مقابل تدفق النفط- لم تعد صارمة وطرأت عليها تغييرات كبيرة.

لم تعد الولايات المتحدة المستورد الأكبر للنفط الخليجي بفعل طفرة النفط الصخري الأميركي وسياسات التحول المناخي، كما لم تعد واشنطن تبدي رغبة في مواصلة لعب دور كبير في أمن منطقة الخليج، لكن تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية أعادت الجاذبية الأميركية مرة أخرى إلى هذه القاعدة.

لقد أهدر بايدن ما يقارب نصف ولايته الرئيسية ليقر بأن السعودية لا تزال مركزية في سياسات النفط العالمية والمصالح الإقليمية الأميركية، وأن الواقعية السياسية تتفوق في نهاية المطاف على أي اعتبارات أخرى في العلاقة مع الخليج.

إن حاجة بايدن النفطية إلى الخليج وإبداء الأمير محمد بن سلمان عزمه على تغيير قواعد اللعبة مع واشنطن أثمرا في نهاية المطاف هذا التحول لدى الإدارة الأميركية، وفي ضوء أنه سيكون من الصعب تماما إعادة إحياء قاعدة الأمن مقابل النفط فإن القاعدة الجديدة التي ستدير الشراكة ستكون مقيدة بشروط.

ومن المؤكد أن هذا التحول يشكل مكسبا شخصيا كبيرا لولي العهد السعودي الذي نجح في إنهاء عزلته الأميركية، لكنه يشكل أيضا فرصة للرياض وأبو ظبي لاستعادة وضعهما كحليفين رئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة.

سيضغط البلدان على بايدن للحصول على ضمانات بأن الالتزام الأميركي بأمن الخليج سيبقى بمعزل عن تقليص واشنطن انخراطها في المنطقة، فضلا عن تحويل هذه الضمانات إلى شراكات رسمية ومؤسساتية، ومن شأن مأسسة هذه الشراكة أن تحميها من أي تقلبات سياسية حادة في واشنطن مستقبلا.

وعلى المستوى الإقليمي، يشكل انفتاح بايدن على السعودية والإمارات إقرارا بفشل نهج الضغط عليهما لإنهاء حرب اليمن بأي ثمن، ومن المرجح أن يضغط البلدان على واشنطن لممارسة ضغط أكبر على الحوثيين وإجبارهم على التفاوض على سلام دائم ومستدام يعالج هواجسهما الأمنية على المدى البعيد.

أحد الأسئلة الكبيرة التي تحيط بانعطافة بايدن الخليجية هو ما إذا كانت ستؤثر على رغبته في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، إذ تواجه المفاوضات النووية عقبات بالفعل، لكن الانفتاح الأميركي على السعودية والإمارات سيفرض عليه أخذ مصالح الخليج بعين الاعتبار عند إبرام أي اتفاق نووي جديد.

في غضون ذلك، فإن الثمن الذي يسعى بايدن للحصول عليه يتجاوز مسألة النفط ويشمل دفع الخليجيين إلى تعزيز العلاقات الجديدة الناشئة مع إسرائيل وتطويرها إلى تعاون دفاعي لمواجهة التهديدات الإيرانية، وسيعني ذلك ممارسة ضغوط على السعودية للانضمام إلى اتفاقات السلام مع إسرائيل.

قد يبدو تصور ذلك صعبا على المدى القريب، لكن خطوة من قبيل رعاية بايدن اتفاقا بين تل أبيب والرياض حول الوضع الدولي لجزيرتي تيران وصنافير وتوسيع استخدام إسرائيل المجال الجوي السعودي سيدفعان بهذا الاتجاه.

إن الفراغ الذي يحدثه التوجه الأميركي لفك الارتباط مع المنطقة يشكل دافعا قويا للخليج لبناء شراكة مع إسرائيل في سياق التحوط الإستراتيجي، لكن لا يجب النظر إلى مثل هذه الشراكة على أنها قادرة بالفعل على جعل إيران أقل عدوانية تجاه الخليج أو أنها ستُحدث بالفعل توازنا عسكريا معها.

يُمكن أن تزيد هذه الشراكة التكاليف المترتبة على إيران جراء سياساتها الإقليمية، لكنها لن تؤدي على الأرجح إلى تحول جذري في الدور الإيراني الإقليمي في المستقبل المنظور على اعتبار أن رعاية بايدن شراكة أمنية إسرائيلية خليجية ستتيح للولايات المتحدة مواصلة فك ارتباطها التدريجي في المنطقة بأقل الأضرار، وأي اعتقاد بأن إصلاح العلاقات الأميركية مع الرياض وأبو ظبي سيؤدي إلى تغير في مسار الاتجاه الأميركي سيكون خاطئا.

وبدلا من ذلك سيكون من الصائب أن توازن دول الخليج بين متطلبات العلاقة الجديدة مع واشنطن وبين الحفاظ على الشراكات الجديدة التي أقامتها مع جهات أخرى مثل روسيا والصين، وفي ظل أن الصين أضحت في السنوات الأخيرة من بين أكبر المشترين للنفط الخليجي فإن عزل العلاقة مع بكين عن تحولات العلاقة مع الولايات المتحدة يكتسب أهمية كبيرة للخليج.

ستبقى العلاقات الخليجية الإسرائيلية الناشئة إحدى أبرز نقاط الضعف في المصالح الخليجية على المدى البعيد، وعلى الرغم من أن هذه العلاقات تصور على أنها مصلحة للخليج من حيث الأمن فإنها غير متوازنة وتميل لمصلحة تل أبيب، فعلى صعيد الأمن ستزيد هذه العلاقات النظرة العدائية لإيران تجاه دول الخليج وستعتبرها تهديدا لها.

في غضون ذلك، لطالما كان الموقف الخليجي الرافض للتطبيع مع إسرائيل ورقة ضغط قوية على تل أبيب والولايات المتحدة لإحداث تغيير حقيقي في مسار القضية الفلسطينية، ومع ذلك فإن هذه الورقة ضعفت على نحو كبير بفعل الانفتاح الخليجي على إسرائيل دون إجبارها على تغيير نهجها تجاه الفلسطينيين.

إن أمن الخليج لا يتعلق فقط بمساعي الدول الخليجية لتحصين جبهتها الأمنية تجاه التهديدات التي تتعرض لها، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن الإقليمي ككل، لذلك، فإن السلام الخليجي الإسرائيلي الذي يتجاهل وضع القضية الفلسطينية هو وصفة لمزيد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

وفي الحقيقة إن التراجع الأميركي في المنطقة يضع إسرائيل في موقف صعب ويضغط عليها لبناء شراكات مع دول الإقليم -ولا سيما الخليجية- لتشكيل جبهة واسعة ضد إيران، وسيكون من مصلحة الدول الخليجية استثمار هذا الوضع لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات في القضية الفلسطينية قبل منحها ما تريده من الخليج.

على مدى العقدين الماضيين انتقل مركز صنع القرار العربي إلى دول الخليج، واستطاعت تعزيز دورها في خريطة الجغرافيا السياسية الإقليمية بفعل ضعف القوى الإقليمية التقليدية، مثل مصر وسوريا والعراق.

ومع ذلك، فإن التحولات الإقليمية والدولية الراهنة تمنحها فرصة أكبر لتحويل نفسها إلى قوة مركزية في السياسات الإقليمية وسياسات الطاقة العالمية، لكن هذا الأمر يتطلب عملية موازنة دقيقة بين الشراكة التقليدية مع الولايات المتحدة -والتي لم تعد كافية وحدها لتلبية احتياجات الخليج ومصالحه الخارجية- وبين الشراكات الجديدة مع خصوم إستراتيجيين لواشنطن، مثل روسيا والصين.

*باحث في العلاقات الدولية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...