أسباب ونتائج وحلول للتغيُّر المناخي والاحتباس الحراري

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ذ. أحمد براو*

 

 

 

إن مقاصد خلق الإنسان حسب التعاليم الدينية والتي يؤكدها خاتم الرسالات السماوية هي أمور في غاية الأهمية، وجب معرفتها ومراعاتها من طرف المكلفين من البشر، فقد بيّن الإمام الراغب الأصفهاني (رح) أن هذه المقاصد تتمثل في ثلاثة:

الأول: العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56).
الثاني: الخلافة عن الله. واليها يشير قوله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفةً) (البقرة: 30).
والثالث: العمارة للأرض، وإليها يشير قوله: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).
وعمارة الأرض: بإصلاحها وإحيائها وإشاعة الحياة والنماء فيها، والبناء والتشييد في حدود المحافظة عليها وعدم المساس بما يعرضها للدمار والخراب.

بيت القصيد في هذا المقال هو المبحث الثالث وهو عمارة الكون والمحافظة عليه، الذي يبدو أن أغلب المسلمين – رغم هذه التعاليم – لا يألون له بالا بالمقارنة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى أو حتى من اللادينيّين الذين ينخرطون في حملات توعوية لحماية البيئة والكوكب الأرضي.

والحال هذه، فقد تردد على أسماعنا في السنوات الأخيرة، مصطلحات كنا نجهلها تتكلم عن تعرض كوكبنا الأرضي لأخطار ناجمة عن ظواهر بيئية قاسية، كالتغيرات المناخية والاحتباس الحراري وهي ظواهر أصبحت معروفة الآن تُسبِّب سلسلة من العواقب الوخيمة على أُمِّنا الأرض.
وبعد التحذيرات المتكررة من طرف النشطاء وضغطهم على حكوماتهم اضطرت بعض البلدان لتبنّي سياسات وتدخّلات محددة للتخفيف من هذه التغيّرات، من خلال الحد من الانبعاثات الملوثة لتحقيق الحياد المناخي.

بالطبع ، بدت هناك حاجة ماسّة إلى جهد عالمي، وهذا هو سبب تطوير برامج التعاون الدولي، مثل بروتوكول “كيوتو” واتفاقية “قمة باريس للمناخ” 2015 اللّتان جمعتا قادة العالم، وأهم ما خرجت به هو العمل على الحدّ من الإنبعات الحراري إلى تقليص زيادة حرارة الأرض من زائد 8,5 درجة مئوية مع حلول 2050 إلى زائد 2 مئوية ورغم ذلك يؤكد خبراء علم المناخ والبيئة أنه لا يوجد حل لهذه المعضلة إلا بتضافر جهود كل البشر، لأنه يستحيل أن يتحقق الهدف إلا بمساهمة كل واحد منا في مكافحة تغير المناخ من خلال تبني أسلوب حياة أكثر استدامة وصديقة للبيئة.

– ماذا يعني التغيّر المناخي؟

تغير المناخ هو تغيير في أنظمة الطقس العالمية، وهي آلية تؤثر على الكوكب بأكمله مع تأثيرات طويلة المدى، فهي بالتالي حالة تؤدي إلى التأثير السلبي على سلسلة من العوامل البيئية من النوع الكلي، مع تغيرات في درجات الحرارة، واحتراق الغابات، وهطول الأمطار، وكثرة الفيضانات وذوبان الجليد وزيادة مستويات البحار والمحيطات لدرجة التهديد بإغراق بعض اليابسة من الأرض.

في الواقع، مناخ الأرض كان يتغيّر باستمرار منذ ولادة الكوكب، بحيث خضعت النماذج المناخية لتغييرات جوهرية، فقد حدثت هذه التغييرات دائمًا على مدى آلاف أو ملايين السنين وعلى مدة زمنية طويلة، ولكن هذه العملية تسارعت بسبب تطور التصنيع الذي ميّز الـ 150 عامًا الماضية من تاريخ البشرية.
ففي عصر النهضة الصناعية والتكنولوجيا، تسببت الأنشطة البشرية في انبعاث كمية هائلة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي في مدة قصيرة كم عمر الكوكب مقارنة بالسابق، بسبب الضغط الناجم من المواد التي تغيّر المناخ لأن لها تأثير مباشر على مناخ الأرض، ففي خلال قرن ونصف تسبّبت مستويات هذه الغازات في حدوث تغييرات كبيرة في أنماط الطقس، مما عرض مستقبل البشرية للخطر.

– ما هي أسباب التغير المناخي؟

أزمة المناخ هي حالة ناتجة عن الاحتباس الحراري، أو الزيادة في متوسط ​​درجة حرارة الأرض الناجمة عن انبعاث الغازات الدفيئة في مواد مثل ثاني أكسيد الكربون والأوزون والميثان، هي موجودة بالفعل في الطبيعة ولكن بكميات متوازنة.
من ناحية أخرى، أدى عمل الإنسان إلى زيادة كبيرة في انبعاث هذه المواد في فترة زمنية قصيرة جدًا. ويزيد التركيز العالي لهذه الغازات من قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالحرارة، مما يؤدي إلى ظهور ظاهرة تأثير الاحتباس الحراري، وتسريع زيادة درجة الحرارة العالمية، وتفاقم التغير المناخي في حلقة مفرغة.

لذلك ترتبط الأسباب الرئيسية لتغير المناخ بشكل أساسي بإطلاق غازات الدفيئة في الغلاف الجوي لأسباب مثل:

– استخدام الوقود الأحفوري “النفط ومشتقاته”
– إزالة الغابات
– الزراعة المكثفة والمرهقة للأرض
– الممارسات الزراعية غير المستدامة
– استخدام الأسمدة والغازات المفلورة المنبعثة من آلات التبريد.

للمعلومة، فممكن أن يتسبب تغيّر المناخ في مواقف معاكسة تمامًا، مثلا في بعض المناطق في حين أن هطول الأمطار الغزيرة الذي يضرب تلك المنطقة مما يتسبب في حدوث فيضانات، يمكن أن تتعرض منطقة أخرى لفترات طويلة من الجفاف مما يؤدي إلى شح إمدادات المياه، وهذه الصعوبة في إمدادات المياه تؤدي إلى زيادة حدوث الحرائق.

وبذلك تسبب هذه الظواهر أيضًا أضرارًا اقتصادية كبيرة، حيث إنها تدمر المنازل والبنية التحتية والمحاصيل الزراعية، مما يعرض الأمن الغذائي للخطر ويجبر الحكومات على إنفاق موارد كبيرة على إصلاح هذا الضرر.
لهذا السبب، من الضروري المشاركة في أنشطة الثورة الخضراء واستعمال الطاقات المتجددة والصديقة للبيئة، فهي ليست فقط مجرد تكلفة بل هي استثمار طويل الأجل.

– ما هي الحلول لأزمة المناخ؟

هدف العديد من البلدان هو تحقيق الحياد المناخي عن طريق تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لاحتواء ارتفاع درجة حرارة الأرض والحد من تغير المناخ. على سبيل المثال، طور الاتحاد الأوروبي الصفقة الأوروبية الخضراء European green deal، وهو برنامج طَموح يهدف إلى القضاء على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2050، الخطة التي تتماشى مع اتفاقيات باريس، للحصول على نموذج اجتماعي اقتصادي بدون تأثير مناخي، وذلك بفضل استخدام المصادر المتجددة واعتماد أنظمة فعالة للاقتصاد التدويري، بهذه الطريقة سيكون من الممكن حماية التنوع البيولوجي وتقليل التلوث البيئي، لمحاولة الحفاظ على الاحترار العالمي في حدود 2 درجة مئوية.

– التدخلات ذات الأولوية في مكافحة المناخ هي:

– تحسين كفاءة الطاقة في المباني
– الترويج لأشكال النقل منخفضة الانبعاثات
– التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة الخضراء
– اعتماد أنظمة زراعية أكثر استدامة
– جعل الصناعة أكثر اخضرارًا
– التشجير وإدارة الموارد الطبيعية بطريقة مسؤولة
– وضع معايير بيئية عالمية صارمة.

كما أن هناك ثقافة بيئية لمكافحة تغيّر المناخ بحيث يمكن لأي شخص أن يتبنّى عددًا من العادات الجيدة عن طريق اختيار الانضمام إلى المعركة لإنقاذ الكوكب ومحاربة تغير المناخ.
على سبيل المثال من الممكن السفر بوسائل النقل العام عوض استخدام السيارات الشخصية، أو شراء سيارة كهربائية أو السفر بمركبة صديقة للبيئة للتنقل الدقيق، مثل دراجة هوائية أو دراجة كهربائية.

وكذلك من الممكن التقليل من التسوق وتفضيل المنتجات الصديقة للبيئة وتجميع النفايات بطريقة منفصلة في المنزل والعمل، بالإضافة إلى ذلك، يمكنك اختيار عطلات مستدامة بيئيًا، أو تفضيل المنتجات الغذائية الموسمية ذات التوريد القصيرة المسافة “كيلومتر صفر”، أو تقليل إهدار المياه والطاقة عن طريق تركيب حنفيات موفرة للمياه ودعم مصادر الطاقة الخضراء.

ختاما أقول أنه من الغرائب أن مسألة الحقوق المدنية للجميع بدون استثناء تؤثر كذلك على البيئة من خلال توفير الخدمات الإجتماعية يمكن للدول استخدام موارد صديقة للبيئة، ومن بين الخدمات التي يجب على الدولة توفيرها لمواطنيها هو التعليم والثقافة والمعرفة وبذلك ينشأ جيلا متعلما وواعيا بخطورة التغيرات المناخية والإحتباس الحراري.

* فاعل جمعوي وكاتب صحفي مقيم بإيطاليا

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...