د. محمد الفقيه
إن الأمة التي تسقط أخلاقيا، وينتشر فيها الشذوذ والانحراف ، وتشرع قوانين لرعاية الفواحش وترويجها ، هي أمة ساقطة، وهي أمة ليست مؤهلة لتلقي الخطاب الإلهي ليدعوها إلى وحدانية الخالق ، فهي سقطت من المستوى الإنساني إلى الدرك الحيواني ، ولذلك جميع الرسل عليهم السلام الذين بعثهم الله إلى أقوامهم جاءوا برسالة ودعوة واحدة هي دعوة وحدانية الخالق إلا دعوة لوط عليه السلام لقومه فقد دعاهم لشيء آخر كما هو ظاهر في الآيات التالية من سورة الأعراف، قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
وقال تعالى : وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ.
وقال تعالى :وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
قال تعالى :وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ…
إذا كما هو ملاحظ أن جميع الأنبياء كانت دعوتهم لأقوامهم واحدة وهي يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره…. إلا دعوة لوط عليه السلام لقومه فقد كانت دعوته استثناء من جميع دعوات الأنبياء، فلم تكن دعوته لقومه للوحدانية أولوية ، ولأن قومه لم يكونوا أهلا لتلقي دعوة الله للوحدانية ، لأنهم سقطوا من مستوى الإنسانية إلى درك الحيوانية ، لذلك دعاهم لوط عليه السلام إلى ما هو أولى وأهم من دعوة الوحدانية فقال لهم : ولُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ.
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ.
فالأمة التي تتنازل عن إنسانيتها ، وتغرق بشهواتها البهيمية يصبح من العبث دعوتها لوحدانية الله وعبادته، وتصبح أمة أمام خيارين لا ثالث لهما ، فخيارها الأول: أن تأوب وتتوب وترجع عن شذوذها وانحرافها ، وترجع إلى صفوف الإنسانية، وتصبح أهلا لتلقي الخطاب الإلهي ، وإما أن تختار الخيار الثاني : الإستمرار في الشذوذ والانحراف ، وتهيئة كل الظروف وتشريع القوانين لتهيئة بيئة ملائمة وجاذبة لممارسة الشذوذ والانحراف ، ومحاربة كل سبل الطهر والعفة والنقاء ، وهذا هو الخيار الوعر الصعب الذي يؤدي إلى الهلاك والاستئصال من الأرض، وهو مصير قوم لوط كما بينته الآيات التالية :
قال تعالى :
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ.
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ.
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ.
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
وقال تعالى في سورة هود مخبرا عن مصير قوم لوط : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
وما هي من الظالمين ببعيد .
اللهم لا تجعلنا من الظالمين يا رب العالمين ولا تجعلنا من اعوانهم ، واجعلنا من الطاهرين المتطهرين .





