*د. السهلي بلقاسم – المغرب.
تعيش السينما المغربية مرحلة تطور ملحوظ على مختلف المستويات، وخصوصا مستوى الدعم الرسمي الذي يحظى به الإنتاج السينمائي المغربي ، إذ بلغ معدل الإنتاج في السنوات الأخيرة 25 فيلما في السنة وهو وإنتاج غير مسبوق في تاريخ السينما المغربية ، التي تصارع من أجل تحقيق ذاتها ، واكتساب هويتها الوطنية …
جدل البدايات :
ارتبطت السينما في المغرب على غرار السينما في أقطار الوطن العربي، بسينما الدولة المستعمرة * في ما يجدد نقاش جدل البدايات التاريخية للسينما المغربية ، إلى مرحلتين أساسيتين ، مرحلة السينما في المغرب قبل الاستقلال ، الإنتاج السينمائي الفرنسي والإسباني والبريطاني والأمريكي . فأنتجت السينما الفرنسية العديد من الأفلام الوثائقية ،التي واكبت الوجود العسكري والاجتماعي للمستعمر وصور توثق للمشاريع التنموية في عهد الاحتلال في المدن المغربية الكبرى ، بالإضافة إلى تصوير أفلام روائية فرنسية .إذ صور أول فيلم روائي في المغرب سنة 1919 م فيلم “مكتوب”. وتلاه بعد عدة سنوات العديد من الانتاجات السينمائية ، كفيلم ” الفريد هتشكوك ” “الرجل الذي عرف أكثر من اللازم ” سنة 1956م . والفيلم الشهير “لورانس العرب” لمخرجه “ديفيد لين ” الذي صورت العديد من مشاهده في مدينة ورزازات جنوب المغرب وهي مرحلة تاريخية مهمة أسست لمغرب سينمائي متنوع ومفتوح على الانتاجات السينمائية الأجنبية **
أما الفترة التاريخية الثانية من تاريخ السينما في المغرب ، هي مرحلة الانتاجات الأولى .حيث تعتبر الأدبيات السينمائية المغربية ، بأن أول إنتاج سينمائي مغربي، شكل بديات ما بعد الاستقلال ، هو فيلم “الابن العاق” لمخرجه عميد السينمائيين المغاربة “محمد عصفور”عام 1958م . بينما يرى البعض من المهتمين ، بأن البداية الحقيقة للسينما المغربية كانت مع فيلم ” وشمة” الأبيض والأسود لمخرجه “حميد بناني ” عام 1970 م
إرهاصات البحث عن الذات..
شهدت فترة الثمانيات تقديم السينما المغربية مجموعة من الأفلام التي أخرجها ، مخرجين مغاربة تلقوا تكويناتهم الأكاديمية ، بالمعهد العالي للدراسات السينمائي في فرنسا . وهي أفلام تميزت بالأساليب الفنية السينمائية الفرنسية ، حيث وظف المخرج ” ” في فلمه ” أهل الحال ” عام 1982م أسلوب ” الديكو دراما ” *** في معالجته السينمائية للظاهرة الغيوانية في المغرب . في ما وظف المخرج ” نبيل الحلو” نمط سينمائي تاريخي في فيلمه” نهيق الروح “عام 1984م الذي يصور طبيعة الحياة الاجتماعية، في المجتمع المغربي في فترة الاحتلال الفرنسي.
وفي خضم هذا الصراع بين الرؤية التقليدية ، والأساليب المعاصرة في الإنتاج و الإخراج الذي عرفته السينما المغربية ، عمل العديد من المخرجين الشباب في فترة التسعينات – فترة الانفراج السياسي – على طرح العديد من القضايا المجتمعية ، كالفقر والتهميش الاجتماعي والتشرد والهجرة السرية والتجارة الجنسية والتطرف الدين . وهي مواضيع قدمت بأسلوب سينمائي فيه الكثير من الجراءة والواقعية ، فعرضت السينما المغربية ، أفلام ذات طبيعة اجتماعية ، كما في فيلم ” حب في الدار البيضاء ” للمخرج عبد القادر لقطع . وفيلم ” البحث عن زوج امرأتي ” للمخرج “عبد الرحمان التازي “.. وبالموازاة مع هامش الانفتاح في مجال حرية التعبير، استغلت السينما المغربية هذا الهامش في مواضيع سياسية جريئة ، أسست للسينما السياسية في المغرب . فأنتجت أفلام طرحت موضوع ما أصبح يسمى ب “سنوات الرصاص” وهي سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، حيث شهدت هذه الفترة من تاريخ المغرب ، اعتقالات سياسية ، وتضيق على حرية الرأي . وأشهر هذه الأفلام فيلم “درب مولاي الشريف ” أو “الغرفة السوداء” للمخرج “حسن بنجلون” وفيلم ” ذاكرة معتقلة ” للمخرج “جيلالي فرحات” …
التمرد على التقاليد ..
بدخول الألفية الثانية شهدت السينما المغربية تطور ملحوظ ،على مستوى طبيعة المواضيع التي تتناولها مواضيع وقضايا فرضتها طبيعة المرحلة التاريخية ، وأحداثها الدولية ، وطبيعة التحولات التي أفرزتها هذه الأحداث فجاء فيلم ” الإسلام.. يا سلام ” للمخرج “سعد الشرايبي” الذي يحكي الآثار الاجتماعية السلبية لأحداث ” 11 يناير ” على الزواج المختلط بين المغاربة والأجانب . وعرض فيلم “خيل الله ” الذي أخرجه المخرج المثير للجدل “نبيل عيوش” فيلم جدد انفتاح السينما المغربية على الرواية الأدبية ، التي سردت الأحداث الإرهابية في مدينة الدار البيضاء 2003م . كما ظهر على الشاشات المغربية. فيلم “المغضوب عليهم ” لمحسن البصري . و فيلم “حجاب الحب” “لعزيز السالمي” وفيلم “موت للبيع ” للمخرج “فوزي بن سعيد” وجميعها أفلام سلطت الضوء على التطرف الديني، كظاهرة لها أسبابها الاجتماعية… في ما حضي موضوع “الهجرة السرية” ، الموضوع الملازم للسينما المغربية ، باهتمام واسع من طرف السينمائي المغربي ، حيث تناولت الأفلام المغربية هذه الظاهرة ، التي تؤرق وعي المجتمع المغربي لما تحدثه الهجرة من الآم إنسانية عميقة الإبعاد ، من خلال مجموعة من الأفلام كفيلم “المنسيون” “لحسن ينجلون ” وفيلم “وبعد.. ” “لمحمد إسماعيل” وفيلم “مغربي في بارس” .. أفلام حاولت طرح مقاربات مختلفة متنوعة وصريحة لظاهرة الهجرة السرية ، تداعياتها أسبابها ونتائجها .
وأنتجت السينما المغربية وأحيانا بتعاون – أوروبي مغربي – مشترك مجموعة من الأفلام ، التي أثارت جدلا كبيرا ، وسط النقاد والمهتمين بالمشهد السينمائي المغربي ، كونها أفلام تمردت على أساليب السينما المغربية التقليدية ، في طرح المواضيع وطرق معالجتها سينمائيا كفيلم “كازلا بلانكا باي نايت” الذي عرض وبأسلوب سينمائي غيرمألوف للمشاهد المغربي ، طبيعة الحياة الليلية في المدينة الصاخبة الدار البيضاء فيلم “الزيرو” لمخرجه ” نور الدين الخماري. ” والفيلم المثير للجدل ” الزين لي فيك” الذي كان جريئا وعميقا ، في عرض تجارة الجنس في المغرب ، فيلم منع من العرض في قاعات السينما في المغرب . وهي أفلام من توقيع مجموعة من المخرجين المغاربة، المقيمين في ديار المهجر، صيغت بأساليب سينمائية غيرتقليدية ، وحاولت أن تطرح وبجراءة سينمائية ، مجموعة من المواضيع ، من ضمنها صراع القيم داخل المجتمع المغربي..
فيما شهدت السينما المغربية في السنوات الأخيرة، ما أصبح يعرف بالسينما النسائية ، وهي أفلام من كتابة وإخراج وتمثيل عناصر نسائية . سينما تناولت القضايا الكبرى، التي تعيشها المرأة ، مواضيع عكست طبيعة التحولات “السوسيو ثقافية” في المجتمع المغربي ، والمطالب الحقوقية في الحق بالمساواة والحق في الحريات الخاصة.. ويعتبر الفيلم السينمائي “أ دم” للمخرجة ” مريم التوزاني” أخر هذه الأفلام ، إذ يشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، منذ بداية هذا العام .الفيلم يطرح موضوع “الأمهات العازيات” هذه الظاهرة التي تحاول السينما أن تقدمها على أساس الحق في الحياة الخاصة ، وتجاوز الصراع بين الحلال و الحرام …
الطموح وتحديات المستقبل ….
عرفت السينما المغربية التي لم يتجاوز عمرها 65 سنة ، في رحلتها التاريخية للبحث عن ذاتها ، طموحا كبير، في سعيها لتصبح سينما رائدة على المستوى المغاربي والإفريقي . بما تعرفه من نشاط فعال، على مستوى الإنتاج وعلى مستوى الأنشطة الثقافية السينمائية- المهرجانات الدولية والمهرجانات الإقليمية والمهرجانات الوطنية والجهوية – ونتيجة لتزايد الوعي الرسمي ، بالإمكانيات التي تقدمها السينما، في طرح مواضيع توعوية وفكرية وسياسية ودينية ومجتمعية . حرصت السينما المغربية على تسجيل حضورها الدائم ، في المهرجانات السينمائية العربية والإفريقية العالمية .
وفي ظل هذا الطموح المتفائل ، تعترض السينما المغربية مجموعة من التحديات ، من أهمها هذه التحديات ، التحدي التكنولوجي الرقمي والصراع من أجل البقاء في ظل انتشار الهواتف الذكية والحواسيب وشاشات التلفزيون المتعددة الوسائط ومواقع التواصل الاجتماعي . تحدي جعل من السينما تحارب من اجل إثبات الذات والقبول بالتكامل والتعامل مع هذه التطورات الرقمية التكنولوجية . بالرغم من غياب و انقراض دور العرض السينمائية في مختلف المدن المغربية ، و اقتصارها على المدن الكبير ، واقتران هذه الدور بالمركبات التجارية الكبرى . بينما يبقى مشكل التكوين والتكوين المستمر من التحديات التي ترهق السينما المغربية، نتيجة لقلة المؤسسات لتعليمية الأكاديمية للتكوين في مهن السينما ****
و يأتي الحاجز اللغوي باعتباره أعقد هذه التحديات – اللهجة المغربية – عائقا أمام انتشار السينما المغربية عربيا وعالميا. بالرغم من المعالجات التقنية السينمائية في مجال ترجمة وعنونة الأفلام المغربية إلى اللغة العربية أو الفرنسية . رغم إن السينما الإيرانية و الكورية … لم تجد اللغة كعائق وحاجز أمام الانتشارالعالمي !
وأخيرا ، إذا كانت السينما ، حسب تعبير المخرج الفرنسي “حون كوكتو ” هي “كتابة على الشاشة ” ترى ماذا ستكتب السينما المغربية على شاشاتها البيضاء ، مع بداية القرن الثالث من الألفية الثانية ؟
* الدكتور السهلي بلقاسم، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس المملكة المغربية.
** أطلق مصطلح الفيلم الاستعماري على الأفلام التي أنتجت في فترة الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب.
*** صورت العديد من الأفلام السينمائية العالمية في المغرب، بسبب التنوع الجغرافي والجو المعتدل والأيدي العاملة المنخفضة التكلفة، وبفضل التسهيلات التي يقدمها المركز السينمائي المغربي للإنتاجات السينمائية الأجنبية.
**** الديكور دراما، مصطلح فني يطلق على الأفلام التي تمزج الدراما بالوثائقي.
***** يعرف المغرب قلة المؤسسات التكوينية في مجال مهن السينما والسمعي البصري. ولقد قامت الدولة بإنشاء المعهد العالي للسينما ومهن السمعي البصري بالرباط عام 2014م. في ما تضم مدينة ورززات عاصمة السينما في المغرب معهد مهني متواضع، للتخصصات السينمائية .





