جيلي وعيد الميلاد .

 

 

 

 

*د. الحبيب ناصري

 

 

 

في البدء، أشكر كل الذين باركوا لي عيد ميلادي. كل الود والمحبة والتقدير لهم. في السابع من شهر شتنبر الجاري ولدت. ودوما، وفي كل يوم من هذا الحدث الزمني الميلادي، تصلني العديد من التهاني. أطال الله عمر الجميع. أعتز أنني أنتمي لجيل لم يكن يعرف معنى عيد الميلاد، ولا كيف يحتفل به. أكاد أجزم أن جيلي لم يكن يتذكر أبدا يوم ميلاده . لا يتذكره إلا حينما يطلب منه أن يكتبه في وثيقة إدارية ما. وإن تزامن تاريخ تسجيل ذلك، مع يوم ميلاده، فقد يعرف. وفي الغالب الأعم حينما يسجل اسمه وتاريخ ولادته، يكون ذلك في يوم خارج يوم ميلاده. جيلي ازداد وهو لا يعرف معنى عيد الميلاد. لم تكن في يوم ولادته، الذي لا يتذكره، حلوى تباع كما تباع اليوم.

جيل ازداد لكي يتعلم ويدرس ويربط علاقة شبه مقدسة مع الفقيه الذي كان يعلمه قبل ذهابه إلى المدرسة . جيل ربط صلة ود عالية مع المدرس والمدرسة والكتاب. جيل تربى في أحضان دربه وزنقته وجيرانه. كان إذا شاهد المعلم عن بعد يهرب إلى وجهة مجهولة خائفا منه. جيل، إذا وجد قطعة خبز مرمية في الشارع الوحيد في المدينة أو في زاوية من زوايا الدرب، قبلها كما يفعل الكبار ووضعها في مكان آمن، وإن كان جائعًا فقد ينظفها ويلتهمها ويتبعها بجغمة ماء. لا صلة لنا آنذاك بطقوس عيد الميلاد، لم نكن نقرأ عنه إلا في الكتب الفرنسبة، “وتشكل” لدينا وعي أنه من أعيادهم، أما أعيادنا نحن فعيد الاضحى وعيد المولد النبوي وعيد الفطر.كبرنا وحاول الأبناء والأصدقاء “توريطنا” لكي نحتفل به. قد نفعل وقد لا نفعل، لكن كلما حاولنا أن نحتفل به، تذكرنا طفولتنا التي لم تكن تحتفي به ولم تكن تعرف ما الفائدة من تاريخ الولادة الا حينما يطلب منا المدرس تسجيله في وثيقة إدارية. كان جيلي وأيضًا الأجيال السابقة يؤرخ لها بمحطات اجتماعية قاسية في الغالب الأعم، مثل عام البون، وعام “رفود” الملك أو عام “رجوع الملك” أو عام الفيضانات بمنطقة كذا أو عام موت فلان، الخ . فهل تتوقعون من أجيال ولدت في رحاب أحداث”قاسية” أن تتذكر عيد ميلادها؟. أجيال ولدت ولم تكن تملك الحالة المدنية، بل حتى الآباء والأمهات قدر تاريخ ولادتهم، بناءً على وقوفهم أمام سلطة المستعمر .

قد أكون من زمرة المحظوظين الذين كانوا يملكون حالة مدنية لان ابي، رحمه الله، كان موظفا بوزارة الفلاحة، لكن على الرغم من هذا فجيلي عاش خارج معرفة، كيف يتلذذ حلوته ويرقص طيلة ليله على إيقاعات هادئة. أنى له هذا وقد انتعشت عروقه فقط بالعيطة. كبر في أحضانها وتعلم منها أن يتمايل في البداية، وأن ينهض في وسطها للرقص، ويختم برقص جماعي تصبح فيه ملابسه مبللة بعرقه الطبيعي الآتي من رحم خبز شعير وزيت زيتون وفواكه لا يأكلها إلا نادرا وفي فصلها وماء بير تميز دوما بالعذوبة، والسر في هذا كونه لم تمسسه يد الرأسمال المتوحشة. كل عام وجيلي بألف خير. وكل السعادة أتمناها للشباب. وعمر طويل، أتمناه لمن بارك لي عيد ميلادي الذي أشكر من يذكرني به كل سنة. وأخبر الجميع أنني ولله الحمد تجاوزت الستين بعامين. شكرا للجميع.

*كاتب من المغرب

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...