«زهر القطن» ليست سيرة ذاتية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*خليل النعيمي

 

 

استخدام عناصر الوجود في الكتابة أمر مألوف، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأن «العالم موجود لنكتبه» كما هو متاح لنا لنعيشه. لكننا منذ أن نبدأ الكتابة «يتحوّل» كل ما عشناه، وما عرفناه، إلى مادة «أدبية محض» تروي أرض الكتابة وتخصبها. أوهي تغدو مسؤّغاً لها، وركناً من أركانها، بما في ذلك أكثر الأشياء حميمية، وبالخصوص هذا الصنف من «الأشياء» والأمور المتعلّقة بها.

لجوء الكاتب إلى استخدام عناصر حياته الشخصية في الكتابة، إذا رأى ذلك ضرورة من ضرورات انجازها، لا يعني أبداً أنه يكتب سيرته الذاتية. لأن الحياة التي يعيشها الكائن «خضمّ» هائل الطاقة والتعقيد، ولا يمكن الإحاطة به حتى ولو شئنا، أو سجّلْنا ذلك يوماً بيوم. ماذا نفعل في هذه الحال بالأوهام والأحلام والخلائط الذهنية والوساوس والدسائس والمعلومات التي لا حصر لها التي نتلقاها كل لحظة من لحظات وجودنا؟ هذا، كله، فوق طاقة العقل على التصوّر، بلْه الاستيعاب، والاسترداد، وقيْئه من جديد.

«نقد» الكتابة، وبالخصوص الروائية منها، ليس «تلخيصها» وإنما هو تخليصها ممّا يمكن أن يعيق فهمنا لأبعادها الابداعية المحضة. وأول ما علينا أن نفعله عندما نبدأ قراءتنا النقدية لها هو إلغاء سيرة الكاتب أيّاً كانت الحميمية التي تبدو بينها وبين الكتابة. رَبْط الكتابة المبتسر، واللامجدي، بسيرة كاتبها، حتى ولو بدا ذلك أسهل الطرق للوصول إلى كشف خفاياها والإحاطة بها، أمر زائف وخطير إبداعياً. وهو، في الواقع، أسوأ السُبُل للفهم والادراك. إضافة إلى ذلك، فإن هذا الوصل، أو الإلْصاق، يقتل جدوى القراءة والاستيعاب، ويمنع من التفاعل العميق مع النص موضوع القراءة. النقد الحصيف يبحث في الكشف عن مزايا الكتابة تحديداً، وليس عن خفايا حياة كاتبها، حتى ولو صرّح الكاتب بأن ما يكتب هي حياته. تصريحه في هذه الحال خال من القيمة النقدية، ولا يصلح لكي نرتكز عليه عندما ننقد ما يكتب.

حياة الكاتب، كما أتصوّر، هي أبأس الأمور التي يمكن أن نعثر عليها عندما نتحرّى عنها، وأقلّها شأناً في عملية «صنع الكتابة». الكتابة أكبر من كاتبها، وأكثر تعقيداً منه. وهي، بلا مبالغة، أهمّ من كل ما يمكن أن نعرفه من خفايا «مبدعها». الكاتب هو «طفل كتابته» وليس العكس. لا تبحثوا عن الوقائع، إذن، وأنما عن السِّمات، سمات الكتابة أقصد. وسماتها مختبئة في اللغة التي تُنْجَز بها، وليس في معلومات «مأمور الأحوال الشخصية» الذي يتقمّص بعض النقاد دوره.

ابحثوا عن الدوافع العميقة التي تدفع الكاتب لكيْ يستعمل، أحياناَ، اسمه الشخصيّ ومعلوماته في سجل قيد النفوس، وتحرِّضه ليستعيد مكانه الذي عاش فيه، عندما يكتب. إذهبوا أبعد ممّا تقرأون قليلاً، لتجدوا، ربما، ما يحرّك الكاتب، ويدفعه للكتابة بهذه الطريقة، ولس بأخرى غيرها. ما يتجلّى في الكتابة من معلومات مهما كانت حقيقية وواضحة ليست إلاّ بعض أبعاد مخيّلة الكاتب المتحفِّزة أثناء الكتابة، لاغير. تلك ليست معلومات بسيطة، أو مرمية بلا قصْد، وإنما هي علامات. علامات من علامات الوجود الكثيرة التي يلجأ الكاتب إليها ليبني نصه بهذا الشكل، وليس بشكل آخر.

وفي النهاية، الكتابة لغة. مادتها لغوية. وجوهرها لغويّ. وهي يجب أن تُنقَد من هذا المنظور، وليس من أي منظور آخر. لا علاقة للكتابة بالحقيقة. ولا يهمها أن تتطابق مع الواقع، ولا مع الوقائع. ونقدها، في هذه الحال، ليس التلخيص ولا الإحالة إلى دفاتر الأحوال الشخصية، وإنما يقتضي مقاربة أخرى أكثر تعقيداً، وإثارة.

*كاتب سوري


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...