ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية والتسويات الكبرى.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*بقلم الدكتور حسن مرهج

 

 

 

يعود تاريخ النزاع على ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان إلى أكثر من 10 أعوام، حيث شهدت تلك الأعوام كثيراً من التوترات وتبادل التهديدات وكذلك الوساطات، وخاصة الأميركية منها. وفي موازاة ما يراه لبنان تباطؤا متعمدا من تل أبيب في الرد على المقترح اللبناني لتسوية النزاع، هدد حزب الله بأنه لن يسمح لها باستخراج الغاز في سبتمبر/أيلول المقبل من حقل “كاريش” وما بعد هذا الحقل. في المقابل، تصر إسرائيل على أن هذا الحقل يقع ضمن مياهها الاقتصادية الخالصة، وأنها ستعتبر أي تحرك ضده اعتداءً على أمنها القومي يستوجب الرد. والشهر الماضي، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن عون قدّم للوسيط الأمريكي ردا على مقترح واشنطن الذي قدمّته قبل أشهر بشأن ترسيم الحدود البحرية مع “إسرائيل”

من خلال ما سبق، ، يبدو أن صانع القرار الإسرائيلي قد توصل إلى نتيجة مفادها بأنه بالنظر إلى الظروف الصعبة الحالية داخل فلسطين، فإنهم غير قادرين على الدخول في حرب جديدة ضد حزب الله في لبنان، وخاصة أنهم لم يتمكنوا مؤخرًا من مواجهة الهجمات الصاروخية للحركة، حيث كانت حركة الجهاد الإسلامي صامدة وأجبرت إسرائيل على طلب وقف إطلاق النار من الوسيط المصري. وإذا وضعنا العجز الأمني ​​والعسكري الإسرائيلي بجانب مشاكله السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية الأخرى، فلن يتمكن الإسرائيليين من التوصل إلا إلى نتيجة واحدة، وهي أن القادة الإسرائيليين قرروا تأخير مقترحات لبنان في مجال المفاوضات والقبول بترسيم الحدود البحرية تجنباً لخروجهم المشين من المفاوضات مع تأجيل قبول الهزيمة. لذلك فالأيام القادمة حتى منتصف سبتمبر ستكون أيامًا مهمة يسجل فيها فشل آخر من خلال إخفاقات متتالية إسرائيلية ضد محور المقاومة.

حقيقة الأمر، وفي جزئية لا يمكن تجاهلها، فإن قوة إيران وتعاظم نفوذها الإقليمي، كان له دوراً مهماً وبارزاً، في صياغة مفاهيم شرق أوسطية جديدة، فالعلاقة بين النفوذ والدور، يعد معادلة على كل القوى الإقليمية والدولية، عدم تجاهلها بل والتعامل معها كأمر واقع، من هنا وربطاً بقوة إيران ودور حزب الله في المنطقة، يبدو واضحاً أن واشنطن وتل أبيب، فشلوا في تحييد طهران وحزب الله، عن رسم معادلات المنطقة الجديدة، بما في ذلك مسألة ترسيم الحدود، ومن خلال ذلك، تم الانصياع للمطالب اللبنانية في الحقوق المشروعة، والمتعلقة بالحدود البحرية، خاصة أن تهديدات حزب الله، كان لها الصدى الواسع داخل إسرائيل، حيث صرح كبار المسؤولين الاسرائليين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن الاتفاق المزمع توقيعه مع لبنان يضمن مصالح اسرائيل ، ويساهم في أمن واستقرار المنطقة ، ويقلل من اعتماد لبنان على ايران في الطاقة.

الذريعة الإسرائيلية لا يمكن قرائتها إلا من خلال الاعتراف الإسرائيلي بالتفوق اللبناني، وضمناً انتصار حزب الله، ولهذا الانتصار تبعات سياسية داخل لبنان، كما ان اسرائيل سياسياً و اجتماعياً انقسمت الى صفين؛ صف يصف الاتفاق هو خضوع اسرائيل لتهديدات حزب الله، وصف يرى فيه مصلحة اسرائيل ويجنبها حرب مع حزب الله.

مفاوضات الاتفاق مكّنت لبنان من التعاطي وبسهولة مع ايران في ملف الوقود و الطاقة ، وهذا يعود، الى جملة عوامل ، ومنها تفهم الادارة الامريكية لما يواجهه لبنان، والذي تبلور بعد المقاربة الفعلية والميدانية التي اجراها وكرّرها المفاوض الامريكي، وبالتالي، فإن الاتفاق المنتظر، والذي يصب بكل تأكيد في مصلحة لبنان، يحسب ايضاً لصالح ايران لسببيّن، الأول بفضل دعمها بالمال وبالسلاح لحزب الله، والذي استطاع بناء قوة ردع ضد اسرائيل، والسبب الثاني وهذا يدركه الامريكان جيداً، هو عدم تدخلها في المفاوضات غير المباشرة والتي جرت والمستمرة بين اسرائيل ولبنان ، وعبر الوسيط الامريكي. كل ذلك يؤكد بأن مرحلة التسويات الكبرى قد بدأت، وفي انتظار المزيد من الإنجازات التي بلورتها انتصارات محور المقاومة.

*كاتب وباحث وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...