العرب وسيناريو نهاية العالم !

 

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

 

 

ما تزال كرة الأزمة الأوكرانية تتدحرج بكامل زخمها وقسوتها, لا يعلم المتابعون والمحللون الكثير عن كيفية تطورها واحتمالية نهايتها, فأطراف الصراع أعدادهم كبيرة فوق طاولة الحرب ومن تحتها, وأوزانهم وحجومهم ومقدّراتهم وغاياتهم تجعل التوقّع باهتاً والتكهّن عبثاً, فصراع الاستراتيجيات يتغلّب على مفاهيم التنافس والتزاحم التقليدي, وزمجرة الترسانات تُكمم أصوات المدافع والبنادق المألوفة, أما في حضرة صواريخ وطائرات وغواصات يوم القيامة فحدّث ولا حرج, فالسماء الجريحة فوقنا ربما ستقول فات الأوان!

لقد تباينت المواقف العربية “كعادتها” تجاه الحالة الروسية الأوكرانية ومنذ اندلاع شرارتها الأولى, فقلّة قليلة أيدت الغزو الروسيّ في ظاهرها أو في باطنها وحاولت تبريره, وغالبية انحازت الى الغرب منددة بذلك الاجتياح ولكن بخطابٍ اعلاميٍّ متوازنٍ وحذر, وفئة اختارت إغماض عيونها وسدّ آذانها والتزام أقصى درجات الحياد والنأي بالنفس, والحق يُقال أن تلك السياسات العربية القائمة بمجملها على إمساك العصا من منتصفها قد تعرّضت لهزّات معتبرة, فالبيت الأبيض يضغط مطالباً بزيادة إنتاج النفط للجم جنون أسعاره دون استجابة تذكر, بل قُلّص الإنتاج التزاماً بمقررات أوبك + على غير ما تشتهي الرياح الأمريكية الحائرة, وفي أروقة مجلس الأمن الدوليّ لم تختلف الأجواء أو تتبدل كثيراً, فصوتٌ إماراتيٌّ يمتنع عن التصويت لصالح قرارٍ صاغته ورعته واشنطن بمنتهى الجديّة, فيجد العرب أنفسهم متفرجين يُدفعون الى اللعب في حلبةٍ يملأها الإستقطاب السياسي الرهيب.

قد تُفسّرُ تلك البراغماتية العربية عند النظر الى رقعة المصالح والتاريخ والجغرافيا بمختلف زواياها الحرجة, فالعلاقات الاقتصادية مع موسكو وبكين ليست بالأمر الذي يمكن التفريط فيه بجرّة قلم, والغرب الذي طالما كان شريكاً موثوقاً فيه منذ عقود, لم يجد غضاضة في التخلي عن بعض الأنظمة العربية التي طالما قدمت له قرابين الولاء والطاعة, وأمريكا التي عجزت عن الحيلولة دون ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014, هي نفسها التي لم تكن لاعباً محورياً حاسماً في الأزمة السورية, وهي نفسها التي عجزت مراراً وتكراراً عن كبح جماح النفوذ الايرانيّ في ذلك البعد الإقليميّ المتأجج, ناهيك عن الخروج الأمريكيّ السريع من أفغانستان بين ليلة وضحاها, وليغرق العباد ولتغرق البلاد من بعده هنيئاً على طالبان المحظوظة.

لا أحد يمكنه معرفة الغد الأوكرانيّ بمنتهى الدقّة والتفصيل, والذين عجزوا عن قراءة عقل الرئيس فلاديمير بوتين قبل عدة شهور ربما سيعجزوا أيضاً عن قراءة المدى الذي ستمتد اليه أذرعه المدجّجة, لكن الغريب والعجيب في العقل الجمعيّ العربيّ, أنه لا يخشى بل ربما لا يفكر ولا يتحسّب لإندلاع حربٍ كارثيةٍ يعقبها زوال الحياة ونهاية الكون, ربما لا يملكون شيئاً في جعبتهم لدرء ذلك الخطر الهائل, وربما انشغالهم بمشكلاتهم الداخلية والإقليمية والمعيشية لا يُبقي لهم وقتاً آخر للإنشغال بالمزيد, أو ربما النفس العربية لا تجد ما يستدعي القلق إن لقيت وجه ربها راضية مرضية!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...