عبدالناصر أولادعبدالله
يعيش حزب العدالة والتنمية حالة غير مسبوقة؛ سواء من حيث البنية التنظيمية أوالخطاب السياسي الذي أصبح مرتبكا بعدما كان طاغيا على المشهد السياسي؛ وهو ما تظهره حزمة الانتقادات الموجهة للحزب سواء من داخله عبر أعضائه وقياداته أو من الخارج عبر الرأي العام، ليتاكد بالملموس أن الحزب يعاني أزمة لايدرك خطورتها حيث: لم نرى هيكلة جديدة تتجاوز الخلافات الداخلية ولم تبرز خارطة طريق تبين مسار الحزب بعد تجربته السياسية التي قاد من خلالها الحكومة لولايتين.
ويتجدد النقاش حول الحزب كل مرة تظهر فيها معطيات مثيرة للجدل؛ كقضية “جامع المعتصم” الذي يجمع بين منصبين نقيضين:”الأول كونه الرجل الثاني في حزب العدالة التنمية، والآخر كونه مستشارا أو مكلفا بمهام في ديوان غريم الحزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش!؟”؛ مما احدث ضجة مدوية اثارت استغراب أطياف الشعب المغربي بله استهجان قياديين بارزين داخل حزب المصباح، ليصبح نمودج جامع المعتصم تجسيدا واقعيا للإنفصام الذي يعيشه الحزب، فكيف يعقل أن تكون خصما وحكما في آن واحد، بحيث تعارض أخنوش وتشتغل تحث إمرته.
ويعتبر حزب الأحرار ولاسيما رئيس الحكومة عزيز أخنوش أشد أعداء حزب العدالة والتنمية سياسيا وانتخابيا؛ لاسيما أنه عرقل حكومة بنكيران الثانية وكان السبب الرئيسي في الإطاحة به من على رأس الحكومة والإطاحة بحزبه من بعده، خصوصا بعد الهزيمة المدوية التي ألحقها بهم في 8شتنبر. فبنكيران كان مدافعا عن هذا الإنفصام ومكرسا له في خرق واضح للأعراف السياسية؛ حيث أن منصب جامع المعتصم بديوان أخنوش “وظيفة سياسية” وليست إدارية وكان الأحرى أن يتكلف بها أحد المقربين من رئيس الحكومة أو أحد كفاءات حزبه.
ويتضح أن بوادر التيه والسكيزوفرينية السياسية التي يعيشها حزب العدالة والتنمية لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت مجسدة في محطات عديدة من ابرزها: تخلي الحزب عن مرجعيته الدينية وجعلها يافطة شكلية وهو ما تبرزه قرارات الحزب والسياسات التي أنتجها، إدانته الشفوية للتطبيع ومصادقته الفعلية على التطبيع مع الكيان الصهيوني، مصادقته على تقنين زراعة القنب الهندي، تخليه على وعوده والتزاماته التي حملها عقب الربيع العربي، التشبت بتقاعد البرلمانيين(بيليكي)..وغيرها من المواقف والقرارات السياسية غير الموفقة وغير المتوافقة مع المبادئ التي يتغنى بها.
ويعتبر تمسك بنكيران بالتحالف مع عبد العزيز أخنوش والإبقاء عليه كوزير للفلاحة طيلة هذه السنوات أحد الأسباب التي أطالت عمر غريمه السياسي وجعلته أقوى، كما أن اغلب السياسات التي ينتقدها حزب المصباح هي استمرارية لعمله المشترك مع حزب الأحرار، فمثلا ارتفاع الأسعار مرتبط بإلغاء صندوق المقاصة وتعويم الدرهم، كما أن مشكلة التعاقد مع الأساتذة هو قرار متخد من طرف بنكيران..لذلك فإن حجم التناقض الصارخ والنفاق السياسي الذي يقوده بنكيران بشعبويته يشكل إساءة للحزب، كما ان تشبت بنكيران بالبقاء رئيسا للحزب وقبل ذلك رئيسا للحكومة لولاية ثانية ساهم في انقسام الحزب وخلق صراعات وتهييج ضد مجموعة من قيادة المصباح.
كما أن هزيمة الحزب المدوية في انتخابات الثامن من شتنبر تحصيل حاصل، حيث أن العديد من ابناء الحزب صوتو لصالح أحزاب أخرى، والأدهى أنهم ترشحو في أحزاب معادية لحزب العدالة والتنمية، وفي نفس الوقت كان ابناء هذا الحزب الذين لبسوا عباءة أحزاب أخرى لا زالو يتحدثون وكأنهم لا زالو يتبعون له تنظيميا مما يؤكد حجم الإنفصام السياسي والتنظيمي؛ فهم يضعون رجلا هنا ورجلا هناك.
وخلاصة القول أن العدالة والتنمية بحاجة إلى قراءة نقدية داخلية ومراجعة شاملة؛ لإعادة صياغة توجهاته وتحديد مساره بشكل واضح، وخلق مصالحة تلملم شتاته وتضمد جراحه الداخلية لرأب التصدع ووقف النزيف الذي يعيشه الحزب، كما ان القيادة الحالية يجب ان تفسح المجال للكفاءات الشابة التي يزخر بها الحزب، وترتكن القيادة التاريخية في شخص بنكيران إلى زاويتها لتحفظ تقدير اعضاء الحزب والمتعاطفين من الشعب المغربي.





